الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 273الرجوع إلى "الثقافة"

ايرلنده على الحياد

Share

في بداية هذه الحرب ، اعتصمت طائفة من الدول بالحياد ، وهي تظن أن موقفها هذا سيدفع عنها الأذي ، ويقيها وبلات الحرب . وبعض تلك الدول مثل بلجيكا - قد استعد لموقف الحياد هذا قبل نشوب الحرب بأعوام ، كما يستعد بعض الدول  لخوض غمار الحرب ، فبادرت بقطع علاقاتها بكل معسكر من المعسكرات . لكيلا يكون هناك ادني شك في انها ستلزم الحياد في ذلك اليوم العصيب الذي كان يتوقعه الجميع .

كان الحياد هذا حلما جميلا ، خامر الألباب ، ولعبت حلاوته بالعقول ، فكانت تلك الدول تتوهم انها تستطيع أن تجتاز هذه المحنة الهائلة وهي واقفة منها موقف المتفرج ، الذي يتمتع بثمرات السلم والأمن ، بينما جيرانه تصلي أوار الحرب ، وتعاني أهوالها .

ولكن الأحداث لم تلبث ان مزقت هذا الحلم . وقد

بدأت الحرب والمحاربون أربع دول فقط ، والباقي على الحياد واليوم امست جميع دول اوربا في حرب ، او بعبارة أصح قد غمرتها وشملتها الحرب ولم يبق منها سوي خمس أو ست تستطيع أن تزعم انها على الحياد .

وهنالك دول خرجت عن حيادها طائعة مختارة ، مثل إيطاليا وفنلنده  ولكن الكثرة العظيمة من الدول قد زالت عنها صفة الحياد منذ بداية الحرب ، لأنها قد اغير عليها وانتهكت حرمة ارضها ، برغم ما بدلته من جهد . وما منت به نفسها من آمال

وكانت هذه الدول خليقة أن تدرك - قياسا علي ما حدث في الحرب الماضية - بأن الحياد مطلب عسير ، عندما تكون الدول  الكبيرة ذات القوة الحربية الضخمة منهمكة في حرب ضروس ، من أجل ما تسميه الحياة أو الموت . فان هذه الدول الكبيرة تزعم أنها لا تستطيع

وهي في حومة الجهاد من أجل الحياة - ان تبقى على استقلال شعب صغير ، أو تتورع عن اقتحام ارض محايدة . وقد افتي غير واحد من رجال القانون الدولى ، بأن التدخل في امور دولة من الدول امر قد تبرره ضرورة الدفاع ! وبالطبع ستكون الدولة " المتدخلة " هي وحدها التى تحكم بأن هذه الضرورة موجودة او غير موجودة

ولا شك أن هنالك ضروبا وأشكالا متعددة لمثل ذلك التدخل ، وفرق كبير بين الوسائل التي اتبعتها المانيا في التدخل في هولنده ، وبين ما اتبعته روسيا في التدخل في استوانيا ولتونيا ولتوانيا ، أو الوسائل التي اتبعت في إيران .

ومهما يكن من شئ . فإننا أصبحنا وقد غمرت الحرب جميع القارة الأوربية ما عدا بضع بقع لا تزال على نوع من الحياد إلي اليوم . وهي : السويد وسويسره وأسبانيا والبرتغال وإيرلنده . ونستطيع أن نضيف إليها تركيا التي لا يزال جزء من أرضها واقعا في القارة الأوربية . وليس حياد هذه الوحدات كلها من نوع واحد ، او طراز واحد . فقد اضطرت السويد - وهي بعد محايدة - أن تسمح لآلمانيا بنقل الجند والذخائر الحربية فوق ارض  السويد إلي وقت قريب ، ثم آنست من نفسها قوة - أو من ألمانيا ضعفا - منذ بضعة أشهر . فمنعت عن المانيا ما سبق لها أن سمحت به ، وعادت إلي الحياد الدقيق

وهنالك حياد برتغال ، وهي دولة تعطف من غير شك على الفريق الديمقراطي ، وتتمني له الخير ، وامكنها ان تترجم هذا العطف إلي مساعدة قيمة - مع بقائها على الحياد التام ! بأن سمحت لبريطانيا وامريكا باستخدام القواعد البحرية والجوية في جزر الآزور .

ولكن لعل أعجب حالات الحياد جميعا حياد إيرلندة ، التى استطاعت وهي جزء من الجزر البريطانية ، ان تلزم الحياد التام منذ بداية الحرب إلى وقتنا هذا .

لقد سبق لي أن عالجت موضوع حياد إيرلنده على صفحات هذه المجلة في الأشهر الأولى من الحرب(١ ) ، يوم كان هذا الحياد تحفة سياسية يقدمها الكاتب إلي قرائه لكي يريهم كيف تستطيع إحدي الوحدات الداخلة في الإمبراطورية البريطانية أن تخرج على الإجماع ، وان تنفرد بالتزام خطة تخالف ما قرره الجسم الذي تنتمي إليه . وكثيرا ما كنا في احاديثنا ومحاضراتنا نسوق موقف إيرلنده هذا دليلا على ما تتمتع به من حرية العمل كل دولة من الدول المستقلة الداخلة في نظام الإمبراطورية البريطانية .

ولكن حياد إيرلنده أصبح اليوم أجل خطرا من أن  بوصف بأنه مجرد تحفة سياسية . فإن شئون الحرب قد مرت بأطوار عديدة منذ ذلك العهد ، وليس من الممكن أن ينظر إلي حياد إيرلنده اليوم كما كان ينظر إليه في الأشهر الأولى من الحرب

إن الأسباب التي دعت إيرلنده إلي إعلان الحياد ، حتى من قبل ان تبدأ الحرب ، تتلخص في امور اهمها ما يلي :

١ - إن إيرلنده لا تري أن هذه الحرب تعنيها من قريب أو بعيد ،

- رغم المعاهدة السخية التي نالت بها  إيرلنده استقلالها التام عام ١٩٣٨ ، فإن اكثر الإيرلنديين لم يزل يصر على ضرورة ضم إيرلندة الشمالية - وهي جزء من الملكة المتحدة - إلي دولة إيرلنده المستقلة . وعدم تحقيق هذه الرغبة جعل من الصعب على الحكومة ان تقف إلي جانب بريطانيا في حربها مع ألمانيا

٣ - وجود عناصر متطرفة في إيرلنده شديدة البغض لإنجلترا ، ورغم قلة هذه العناصر فإن الحكومة تحسب لها حسابها . وخطر هذه العناصر قد يستفحل إذا دخلت  إيرلنده الحرب إلي جانب بريطانيا .

الخوف المألوف من ويلات الحرب

لهذه الأسباب لم تجد حكومة إيرلنده مندوحة من إن تلزم خطة الحياد ، وان تعلن انها لن يخرجها عن حيادها هذا إلا أن تعتدي عليها احدي الطائفتين .

فأما الطائفة الأولى ، بريطانيا ، فإن رئيسها تشرشل  لم يذهب إلي اكثر من التعبير عن اسفه الشديد من ان بريطانيا قد حرمت - بسبب حياد إيرلنده - حق استخدام الموانيء الإيرلندية . وأما الطائفة الآخر - المانيا - فإنها لم تنس أن تذيق إيرلنده شيئا من بأسها ؛ فأغرقت عددا من السفن الإيرلندية ، وقذفت طائراتها البلاد الإيرلندية بوابل من القنابل المتفجرة وانتهكت الغواصات الالمانية حرمة المياه الإيرلندية الإقليمية غير مرة . ولا يهمنا هنا ان نتساءل عن الأسباب التي دعت المانيا إلي سلوك هذا المسلك . وكل ما يهمنا تسجيله ان حكومة إيرلنده لم تجد في أي عمل من هذه الأعمال ما يدعوها إلى نبذ الحياد . ولهذا بقيت مفوضيات وقناصل دول المحور في إيرلنده منذ بدء الحرب إلي اليوم .

وقد أرادت إيرلنده أن تنشر نظام إطفاء الأنوار في المدن الكبيرة . فتقدم وزير المانيا المفوض في دبلن ورفع احتجاجا من دولته بأن هذا الإطفاء ينافي الحياد . فبادرت حكومة إيرلنده بإضاءة العاصمة إضاءة متوسطة . تكفي من غير شك لأن يسترشد بها الطيارون الالمان على المواقع الهامة في شمال إيرلنده ، وفي موانيء ، إنكلتره واسكتلنده الغربية :

ولعل إيرلنده كانت - مثل سائر الدول المحايدة تخشى عدوان ألمانيا ، ولا تريد أن تصدر عنها أقل بادرة تدعو تلك الدولة إلى غزو الأراضي الإيرلندية ، والقضاء على حيادها . ومن الجائز ان إيرلنده - في حرصها الشديد على الا تغضب ألمانيا - نسيت ان الأمر الذي وقاها من مصير كمصير بلجيكا وهولنده ودانمارقه ليس مسلك الحياد الصارم الذي سلكته ، ولا جهودها التي بذلتها لكي

تظل ألمانيا راضية عنها . وإنما وقاها خطر الغزو موقعها الجغرافي الذي ابعدها عن المانيا ، وجعل غزوها يتطلب أسطولا ضخما ليس في وسع المانيا ان تجمعه . وإذا جمعته فإنها لابد لها ان تتغلب على الاسطول البريطاني قبل ان تصل إلي الشواطئ الإيرلندية .

فإذا كانت إيرلنده نجحت في الاحتفاظ بحيادها ، فإن كثيرا من الفضل يرجع إلي القوات التي تدافع عن الجزر البريطانية ، وإيرلنده جزء منها . وقد ابت إيرلنده ان تمد يد المساعدة إلى تلك القوات في آية صورة من الصور . ورفضت أن تمنح بريطانيا حق استخدام الموانيء أو المطارات في إيرلنده

وقد ترتب على هذا الحرمان مشقة كبيرة للأسطول البريطاني الحربي والتجاري ، وكان من نتائج ذلك فقدان عدد غير قليل من السفن التي تجري بين بريطانيا وامريكا ، وهي تحمل المؤن اللازمة للجزر البريطانية ، ومن جملتها إيرلنده . ولكن الحكومة البريطانية حرصت أشد الحرص على ألا تقوم بأي عمل يشتم منه روح الاعتداء على حياد إيرلنده . مع أن هذا الحياد كان بلا شك نافعا لأعمال الهجوم الألمانية ، وضارا بالدفاع البريطاني . وقد عجزت إيرلنده أن تساعد بريطانيا وحلفاءها بالقدر الذي ساعدت  به دولة البرتغال

وبرغم هذا كله ظلت بريطانيا محترمة لحياد إيرلنده . حتى إن الرئيس الإيرلندي ديغاليرا يخبرنا أن سلوك البريطانيين هذا قد قدره الإيرلنديون حق قدره . فاصبحوا أكثر عطفا على البريطانيين مما كانوا في أي وقت من الأوقات . ولا شك أن هذا كسب عظيم للبريطانيين ، ولكن الحرب قد دخلت في طور جديد لا يكفي معه مثل هذا الكسب فان حياد إيرلنده لم يعد بالشئ الذي يهم  بريطانيا وحدها ، بل يهم حليفتها الكبيرة امريكا ايضا .

إن دخول أمريكا الحرب إلي جانب بريطانيا ، كان حقيقا ان يدعو الإيرلنديين إلى النظر جديا في تعديل

موقفهم . فإن أمريكا هي أعظم دولة إيرلندية في العالم . وفيها من الإيرلنديين أكثر مما في إيرلنده نفسها وبين كلا الشعبين - على جانبي المحيط الأطلسي - صلات وروابط ، وقد اصبح الإيرلنديون في امريكا اعداء المحور . واخذت القيادة العليا للولايات المتحدة ترسل الجيوش الأمريكية إلى الجزر البريطانية ، لإتمام التدريب ، والاستعداد لغزو القارة الأوربية . وقد استقر جزء عظيم - بل لعله الجزء الأكبر - من الجيوش الأمريكية في شمال إيرلنده - إقليم ألستر - وحدودها بالطبع ملاصقة لدولة إيرلنده . وقد عبرت حكومة إيرلنده عن قلقها ، وخوفها على حيادها من وجود هذا الجيش الامريكي الضخم بجوار حدودها . ولكنها أفهمت أن ليس هناك ما يدعو للقلق .

وتطورت حالة الحرب في الأسابيع الماضية تطورا جعل من اللازم ان تثار مسألة حياد إيرلنده من جديد . ذلك ان القوات الأمريكية في الجزر البريطانية ، بما في ذلك القوات المرابطة في شمال إيرلنده ، تعد العدة لأعمال عسكرية كبيرة واسعة النطاق . وعلي الجانب الآخر من إيرلنده رجال المحور واعوانهم ، من العصابات التى لا تزال تضمر البغضاء لبريطانيا . وقد ثبت ثبوتا لا يحتمل أدني شك ان بين النازيين والعصابات المقلقة في إيرلنده صلات متينة ومن السهل أن يتصور المرء الخطر الذي قد يحدق بقوات الدول المتحدة من جراء وجود هذه العناصر في صميم الجزر البريطانية

لهذا لم يكن هنالك وجه غرابة في أن يتقدم وزير  الولايات المتحدة في دبلن إلي الحكومة الإيرلندية في ٢١ فبراير الماضي . فيطلب منها ان تقطع العلاقات السياسية مع دول المحور ، وان تسعى في إرسال الرعايا الالمان واليابان إلي خارج إيرلنده .

ولم يكد الرئيس الإيرلندي ديناليرا يتسلم هذا الطلب حتى قابله بالرفض القاطع . ثم أرسل مذكرة يوضح فيها

الإجراءات الواسعة التي اتخذتها الحكومة الإيرلندية لمنع التجسس ، واشار فيها إلي التحسن الكبير في شعور الإيرلنديين نحو بريطانيا بسبب احترامها لحياد إيرلنده . ولكن حكومة الولايات المتحدة لم تزل تري في وجود المحورين على أرض إيرلنده خطرا كبيرا يهدد الأرواح الأمريكية ويعرقل اعمال الحلفاء الحربية . وقد ابلغت حكومة إيرلنده أن حيادها هذا يعمل اليوم - كما كان يعمل دائما - لمصلحة المحور

ولا شك أن من الصعب علي المرء أن يتصور أن إجراءات حكومة إيرلنده لمنع التجسس ستعرقل جهود رجال المحور واعوانهم بصورة جدية ، ولهذا لم تجد إيرلنده بين أصدقائها الكثيرين من يقرها علي عملها هذا .

ولم يكن بد من ان تقوم الامم المتحدة بإجراء جدي ، لكى تأمن الأخطار المترتبة على ذلك الحياد الذي يسمح لأعداء بريطانيا . ان يظلوا في داخل الجزر البريطانية ، يمارسون نشاطهم ، ويتابعون جهودهم . وبرغم هذا كله فان امريكا وبريطانيا لم تقوما بعمل عنيف ضد إيرلنده ولم تبادر الجيوش المتحدة باختراق الحدود واحتلال الدولة الإيرلندية وهي لو فعلت هذا لما كان هذا الإجراء سوي تكرار لأمر قد اعتدناه في هذه الحرب ، وفي الحرب الماضية ، ولعل المبررات هنا أكبر وأجل خطرا منها في أي مكان آخر . ولكن الدول المتحدة اكتفت بأن قررت بإبقاء إيرلنده في عزلة تامة ، وقطع مواصلاتها بالبر والبحر ، وعدم السماح بالسفر منها وإليها . ووقف المراسلات البرقية بينها وبين الجهات الخارجية . وفرض رقابة على الحدود بين  إيرلنده الشمالية والجنوبية

لا شك أن هذه الإجراءات التي قد تدوم بضعة  أشهر - ستسبب لإيرلنده متاعب كثيرة . ولكنها ستتمكن على كل حال من الاحتفاظ بحيادها ، ذلك الحياد الدقيق الذي تضعه إيرلنده فوق كل اعتبار .

اشترك في نشرتنا البريدية