علمت بالحوادث التالية من كتاب أرسلته إلي فتاة تقيم في قرية سان جوزيه الجميلة ، لم تسبق لي معرفتها أبداُ وقد امضت كتابها ( ماريا أورليا ) فقط ، ومن المحتمل أن يكون الأسم مستعارا ، ولكن ، مهما يكن الأمر ، فالفتاة المسكينة كبيرة القلب بالنحوس التى قاستها ، ومضطرية النفس من نصائح اصدقائها عديمى الإخلاص واعدائها المخادعين ، ولا تدري في أي ناحية تعتمد علي نفسها لتقرر التخلص من شباك الصعوبات التي يظهر انها أحاطتها من كل ناحية . ومن غير أمل في الارتباك الذي هي فيه فكرت في الالتجاء إلي والتمست منى ان أقودها وانصحها ، كتبت هذا ببلاغة مؤثرة لم تمس منى بكل أسف إلا قلب تمثال أصم ، واسمعوا قصتها الحزينة :
كانت في السادسة عشرة من عمرها ، كما قالت لي حينما قابلت ، وأحبت بكل ما في الروح المتعطشه من قوة و حرارة شابا من ( نيوجرسى () يدعي ويليام سون ، وتعاهدا على الزواج بعد موافقة الأهل والأصدقاء ، وفي مدة من الزمن ظهر أن حياتهما اختصت وتميزت بمناعة ضد الأحداث ، هي حظ يفوق الحظ العادي للناس . ولكن في يوم من الأيام تغير وجه الحظ لهم وعكر صفوهم .
فأصيب وليام بمرض الجدري الخبيث ؛ وحينما تم شفاؤه ووجد الصحة كان وجهه قد تخرق مثل قرص العسل ، وذهب بهاؤ واختفى كل ما فيه من جمال إلي الأبد
فكرت "ماريا " في فسخ تعهدها ولكن شفقتها على هذا التعس جعلتها ترضى بتأجيل الزواج إلي وقت آخر وبهذا تركت للبائس حظا يستطيع تجربته .
وفي عشية اليوم نفسه الذي وجب أن يتم فيه الزواج
بينما كان وليام يتبع طائرة بنظره وقع في حفرة فكسرت . ساقه ، ولزم عند علاجه أن تبتر الساق من فوق الركبة ، حاولت ماريا من جديد فسخ العهد ، ولكن الحب انتصر أيضا من جديد ، وتأجل الزواج لما بعد الشفاء والنقاهة
ولكن مصيبة أخري حلت فوق الخطيب التعس ، فلقد فقد ذراعا من طلقة لم يرها من طلقات المدفع الذي يطلق احتفالا بالعيد الوطنى ؛ وبعد ذلك بثلاثة أشهر فقد الذراع الآخر أثناء اشتغاله أمام آلة من آلات الحليج .
تمزق قلب ماريا بهذه اللمات الأخيرة ، ولم تستطع ان تمنع نفسها من هذا الحزن العميق وهي تري حبيبها يفارقها قطعة بعد قطعة ، وجزءا بعد جزء . ثم فكرت في أنه مع هذه الطريقة السريعة في الهبوط لن يبقي شيء بعد ذلك وهي لاندري كيف توقفه عن ذلك السبيل المنحوس، وفي هذا اليأس المخيف كادت تتأسف أسفا بشبه أسف التاجر الذي يصر علي صفقة تزيد خسارته فيها كل يوم ، من انها لم تقبل وليام أولا قبل ان يقاسى هذا النحس المرعب .
ولكن قلبها ارتفع أخيرا إلي درجة أخري من التضحية وقررت محاولة قبول حال خطيبها المحزنة مرة اخري أيضا . وما قرب يوم الزواج حتي تجمعت السحب فوق هذا الصفاء المختلس ، فأصيب وليام بمرض جلدي فقد علي أثره نور إحدي عينيه . فاعتبر كل أهل الفتاة وأصدقائها انها برهنت علي إصرار كريم مفرط تجاوز كل حد
معقول ، ولا يستطيع إنسان أن يطلبه منها بحق وعدل ، وتدخلوا في الأمر طالبين منها ان تفسخ تعهدها . ولكن بعد ما ترددت ماريا قليلا في عواطفها الشريفة الكريمة قالت : إنها فكرت برزانة في المسألة فوجدت انها لم تجد في وليام ما يوجب اللوم . وإذا فقد انتصر الحب كعادته وأجل تاريخ الزواج أيضا .
ثم فقد وليام رجله الاخري.
لقد كان يوما حزينا حقاً لهذه الفتاة المسكينة وهي تري الجراح يحمل بخشوع الكيس الذي عرفت استعماله بالتجارب السابقة ، ودلها قلبها بشدة على أن شيئا من حبيبها قد اختفي ، وشعرت بأن ميدان عواطفها يتضاءل يوما بعد يوم ، ولكنها اجابت مرة اخري بالسلب علي إلحاح كل أهلها وأصدقائها وجددت العهد
وأخيرا قبل أجل الزواج المحدد بأيام قليلة حلت مصيبة اخري .
كان الهنود يخطفون في كل عام شابا امريكيا ، يجزون شعر رأسه ، ثم يطلقون سراحه ، وكان وليام سون هو المنكود الذي حلت به ، نقمة الهنود في هذا العام . لقد أسرع إلي خطيبته حينما فقد شعر رأسه إلي الأبد ، وفي هذه الساعة المرة لعن ذلك الحظ الساخر الذي لم يقض على حياته .
وأخيرا ، ماريا جد حائرة في الطريق الذي يجب عليها أن تسلكه ، فهي تحب أيضا خطيبها ، كما كتبت إلي ، أو على الأقل تحب هذا الذي بقي منه من كل قلبها ، ولكن عائلتها تعارض بكل ما لديها من قوة في الزواج ، فوليام ليس له ثروة ، ثم هو غير صالح لأي عمل من الأعمال ، وهي ليس لها جهة اخري لدخل يكفي اثنين من غير عناء ، سألتني : " ماذا يجب أن أفعل ؟"
ورأيي أن هذه مسألة دقيقة ، مسألة يتحتم على الجواب فيها ان يحكم في مصير امراة وتقريبا ثلثي رجل . وفي اعتقادي أن في هذا الجواب مسئولية خطيرة يجب اعتبارها بميزان دقيق وتقديرها بكل تعقل ، بكم من المال يستطاع الوصول إلي إعادة وليام كاملا ؟
لو تستطيع ماريا أن تتحمل المال اللازم بأن تشتري لحبيبها المبتور يدين ورجلين من الخشب ، وعينا من الزجاج وراساً مستعارة من الشعر ، ليصير بعد ذلك مقبولا ، ثم تمهله بعد ذلك مدة تسعين يوما - من غير عدة طبعا ! وتحاول الزواج به .
إنى اعتقد أنها لو فعلت هذا لا تتعرض لخطر شديد يأتي شكل كان ، فلو تخطت غريزة خطيبك النادرة ياماريا عن كسر شيء منه في اي فرصة تسنح فتجريته الأخيرة ستكون يقينا نهائية ، وحينئذ ستكونين مطمئنة ، متزوجة أو غير متزوجة ، أما متزوجة فلأن الأرجل الخشبية
والأشياء الآخرى المملوكة للمتوفي تصير من غير نزاع لارملته ، وأما لو لم يكن هذا أخر جزء حي من زوج شريف بائس حاول طول حياته فعل الأحسن ، ولكنه صادف ضده غرائز شاذة تهدم .
فجربي الحظ ياماريا ، لقد فكرت زمنا طويلا من أجلك ، وقتلت المسألة بحثا وإمعانا ، ويقيني لو حاول وليام تجريته الأولى بكسره العنق لكان قد تصرف بعقله ، ولكن مادام قد اختار طريقة اخري وقرر البقاء بقدر لإمكان ، فإني اعتقد ، وانا على حق ، اننا لا نستطيع لومه لأنه فعل ما أعجبه وراق في نظره . يجب علينا أن يحاول أخذ أحسن الأنصبة من الظروف من غير أن نثور ضده أليس كذلك ؟
