قرأت الكتاب الأول - صانع الحب - للأستاذ إحسان عبد القدوس وقضيت في قراءته وقتاً لم أرد أن أقضيه في جد. . .
وما كنت أعتقد حينذاك بأنه كتب للأدب. . .! لقد قرأته على أنه صور - كما يجب أن يسعى إنتاجه - تستطيع أن تسمها بما تريد. . . إلا بالأدب. . . ووقع بين يدي كتابه الثاني - بائع الحب - وأجلت نظري في مقدمته فاستوقفني دهشاً حائراً قول الكاتب: "وقد سبق أن أصدرت مجموعة من هذه الصور بعنوان "صانع الحب" فأثارت ضجة أدبية على صفحات الصحف، وهي ضجة تقوم كلما حاول الأدب العربي أن يخطو خطوة إلى الأمام. . ." إذن فالأستاذ إحسان قد أخرج كتابيه لا كإنتاج أدبي رفيع فحسب، بل كخطوة يخطوها الأدب إلى الأمام. . . وما كنا نعلم أن نهضة الأدب تكون على راح تلك الصور الواهية المبتذلة، التي لا تجيد إلا وصف الشفاء الداعية في نهم، والنهود البارزة في ثورة، والأجسام المغرية في إلحاح. . .! فإن أصر الأستاذ على ادعائه فأنا نقول له. إنك في ذلك مسبوق لا سابق، والذي سبقك هو ذلك الشاعر الذي تهكمت به وبشعره في مقدمة "صورك" هو أمرؤ القيس فإنك لم تزد على أن شرحت
قوله: فمثلك حبلي قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول وقوله: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدي الستر إلا لبسة المتفضل خرجت بها أمشي تجر وواءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحل بطريقتك الخاصة في القرن العشرين. . .! و "بائع الحب" لا ينتقد! لأن النقد يرتفع في حالتين: الأولى: أن يتسم الأدب ذروة الروعة والكمال، فيتقاصر دونه النقد. والثانية: أن يهبط إلى مهار عميقة من السخف والتبذل، فيتعفف النقد أن يلاحقه في أغواره. . .! ويستطيع القارئ - طبعاً - أن يعرف لماذا لا ينتقد "بائع الحب" المسكين. . .!
وأحب أن أقول للكاتب الفاضل إن الأدب متعة الروح، لا متعة الجسد، وغذاء الألباب الناضجة، لا الحيوانية المنحطة، وإن مصير صورة كمصير غانياته اللاتي يلقي بهن إلى عرض الطريق بعد أن يقضي منهن وطراً. . فان القارئ لن يعود إلى قراءة صورة منه لأن المتعة الخالدة معدومة فيها، ولأن جدتها قد بليت، وخمدت أنفاسها إلى الأبد، بل تطايرت في الهواء مع نفثات لفافات قارئيها. . .!!
وأحب أن أقول له أيضاً: إن الصحافة أجدى عليه من الأدب، وإنه ليس أشقى من الأدب، وعزاؤه أنه يعمل لوجه الفن الخالد
ويذكر الأستاذ في إحدى صورة أنه انهال على صاحبته لطما وضربا ولعن آباءها وأجدادها باللغة العربية. . . . وأنى لأرجو أن يذكر أنه - بكتابيه - قد مثل نفس الدور مع الأدب العربي. . . وأن يذكر أيضاً أننا نستطيع أن نعتبره صحفياً ناجحاً ولا نستطيع أن نعتبره أديباً ولو ثابت صاحبته الصهيونية. . .!)
