الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 457الرجوع إلى "الثقافة"

باب الكتب، ألوان من أدب الغرب

Share

كنت أتحدث في الأدب مع صديق ، فأخذت أمدح له كتابا واذم كتابا ، وكان يتفق معي في الرأي مرة ويختلف مرات ، حتى ضاق ذرعا بما يفصلنا من خلاف وقال فيما يشبه الغضب :

- بأي معيار تقيس الكتاب الأدبى لتخصه بما أردت من ذم أو ثناء ؟ .

- إني أقيس الكتاب بمعيار بسيط جدا ، لعلة أدني في بساطته إلى السذاجة ، وهو اني أسائل نفسي : هل صعد بك الكتاب مرة إذ أنت تقرؤه إلى أفق أعلى مما أنت فيه ؟ وهل أعانك الكتاب مرة إذ أنت تقرؤه على ما كنت تعجز بنفسك عن أدائه ؟ فإن كان الجواب بالإيجاب فالكتاب عندي جيد وجميل ، وإلا فيالضيعة الزمن الذي أنفقته فيه . إني لا أحب أن أقرأ كتابا يتركني حيث كنت فكرا وشعورا ، ودع عنك كتابا يسفل بي إلى وعد بعد أن كنت من فكري في نجاد !

وبهذا المعيار البسيط الساذج قرأت كتابا جديدا أخرجه الأديب الفاضل الأستاذ على أدهم ، فوجدته يجذبني إلى اعلي مرة بعد مرة  ؛ وجدت فيه أشياء تحفزني إلي التأمل فأوافق او اخالف . وعندي أن ليس أخصب للنفس غذاء من هذا الذي يحفزها إلى التأمل لتوافق أو تخالف . فإذا ما قرأت - مثلا - عن تولستوي مذهبه " بأن الله هو الحياة ، وأن نحياا هو أن نعرف الله " ( ص ٢٥ ) وقفت وقفة طويلة أفكر ، وليتني أحدثك في تفصيل كل مادار في نفسي من خواطر حين سألت نفسي : تري أية

حياة يريد تولستوي إذ يقول إن الله هو الحياة ؟ أهي الحياة التي أراها في ألوف الناس من حولي والتي لا تجاوز أنفاسا تتردد في صدور خاوية ؟ أهي الحياة التي تقاس أيامها بوريقات التقويم تنزع واحدة في إثر واحدة ؟ أم هي الحياة التي في كل خفقة منها خلق وإبداع ؟ اللهم إن كانت الأخيرة فيالجلال الحياة في كل ضروبها إن نمت عن إبداع وخلق ، وليكن الحي بعوضة أو ما دونها ! ثم يالهوان الحياة إن فرقت من هذا الخلق وذلك الإبداع حتى وإن تمثلت في إنسان يشمخ بأنفه كبرياء وعزة ..! وأمضي في قراءة الكتاب حتى أبلغ فصلا عن ترجنيف ، وأطالع له قطعة عنوائها " الطبيعة " صور فيها الطبيعة امرأة رآها في الحلم مطرقة مفكرة . " ودنوت من هذه الصورة الحالمة وانحنيت إكبارا ، وخاطبتها قائلا : يا أمنا جميعا فم تفكرين ؟ هل تفكرين في مصائر الإنسانية ؟ أو تفكرين عنطاب يظفر الإنسان بما في الإمكان من الكمال والسعادة ؟ فأنأرت إلي المرأة عينيها الرهيبتين في بطء وأنائه ، وتحركت شفاها وقرع سمعي صوت رنان له صليل الحديد يقول : " إني أفكر كيف أمنح ساق البرغوث قوة أوفر ليكون أقدر علي الفرار من أعدائه ، والتوازن عنده بين الدفاع والهجوم مختل ويجب أن يراعي ويحفظ " . فتعثرت في الجواب وقلت : " ماذا ؟ وما هذا الذي تفكرين فيه ؟ أو لسنا نحن بنو الإنسان أولادك المقربين ؟ " فزوت وجهها قليلا وقالت : " جميع المخلوقات أبنائي ، وعنايتي بالجميع واحدة . . " ( ص ٤٤ ) .

وإذا أراد القاريء أن يستمتع بما استمتعت به ، فليحاول مرة أن يستمع إلى حوار بين صاحب حق مسلوب وسالبه - وهم بحمد الله كثيرون - ثم ليسرع بعدئد إلى الكتاب ليقرأ ما نقله لنا عن سالتيكوف الأديب الروسي في أسطورة " الغراب الضارع ، فيري ما أجاب به الصقر على ضراعة الغراب المنبون " . . وأنت تزعم أنني أنا الصقر أنهب عشك ، وبدلا من أن أحمى مصالحك اسلبك

ما نملك ألا تدري ياصاح أنك تريد أن تعيش ، وأنني مثلك أريد أن أعيش ؟ ولو كنت أنت القوي لتغديت بي قبل أن أتعشى بك ، ولكني أنا القوي الآن فأنا أتغدي بك قبل أن تتعشى بي ، اليس هذا حقا ؟ لقد ذكرت لي ما تعتقده حقا ، وها أنا أصارحك عما اراه حقا ، وقد يكون حقك متبعا في السماوات وفيما وراء السحب ، ولكن حقي هو المتبع هنا في الأرض ، فانصرف إلى عشك ودعني من ثرثرتك لأني أريد أن أستريح " ( ص ١١ ).

وفي الكتاب فصلان عن كريلوف الذي قال عنه المؤلف بحق إنه لافونتين الأدب الروسي . وقدم لنا من خرافاته أمثلة أحسن اختيارها ، منها " حكاية الفلاحين والنهر " - الفلاحين الذين جارت على مزارعهم القنوات الصغيرة فذهبوا يرفعون شكاتهم إلي النهر العظيم ، فإذا النهر العظيم قد طاف على سطحه نصيب الأسد من المحصول المسروق ومنها حكاية الفلاح والشاة والذئب الفلاح الذي أكلت له دجاجتان ، فلم يجرؤ أن يتهم الثعلب الآكل ، وأتهم بالجرم شاة مسكينة ، إتهمها إلي من ؟ إلى الثعلب الذي قضى علي الشاة أن تدبح وأن يكون لحمها نصيب القاضي ! ومنها حكاية " القطة والبلبل " - القطة التي ضغطت مخالبها في حنجرة البلبل ثم طلبت إليه أن يغني ! اقرأ هذه القصة جيدا واذكرها كلما طالعتك الصحف عن بلد من بلاد الله أن الحكومة فيها تفرض الرقابة على أفلام الأدباء ، وتطلب إلي الأدباء أن يكتبوا ومنها حكاية " افتراء " التي تروي لك عن براهمي من بلاد الشرق أراد أن يتفلت خلسة من شعائر دينه ، متسلل في الظلام وأخذ ينضح بيضة على قنديل ضئيل أشعله ، فلما أن رآه كبيره ، قال البراهمي معتذرا إنه الشيطان هو الذي زين له أكل البيض ، " وهنا انبعث صوت الشيطان من أحد أركان الحجرة وهو يقول : ألا تخجل أيها الرجل ، بأنكم معشر البشر تلقون علينا نبعة ذنوبكم وجرائمكم ، على حين أننا نحن الشياطين نتعلم منكم في كل يوم أشياء جديدة ،

وانا لم أكن أعلم حتى اليوم أن البيضة يمكن إنضاجها على الشمعة " ( ص ٧٢ ) . اقرأ هذه القصة جيدا واذكرها كلما حاسبت مقصرا على تقصيره فقال لك انه فلان أو علان قد زين لي هذا ، أو إنها الحكومة ، أو إنه احتلال الإنجليز الذي لولاه لأصلحت وصنعت وسويت ! .

وإن كنت مثلي تسير في أرجاء بلادنا وترسل البصر فإذا البصر يرتد إليك منبثا أن العاملين المنتجين مغمورون ، وأن الأبطال الذين ترن أسماؤهم في جنبات الصحف وتجلجل لا يعملون ولا ينتجون ، فاقرأ على سبيل العزاء فصلا عنوانه : " البطل المعلوم والبطل المجهول " حيث يقول : " الرجل المجهول جد قديم ، وقد ظهر في أول قبيلة إنسانية ، وفي سالف العصور اشتغل بالكيمياء واستخراج المعادن ، وقد اخترع عربة النقل واكتشف الحديد ، وعنى بعد ذلك بالملابس ، وابتكر النقود ، وبدأ الزراعة ؟ ولكن سرعان ما مسه اللغوب ، وأسأمته هذه المسائل المادية ، فانقلب شاعر بذرع الأرض طولا وعرضا ، وخلق أساطير الأديان ونظم " الفيدا "وتغني الأناشيد " الأورقية ، ونسج خياله خرافات أهل الشمال ، وارتجل الحكم وتمثل الأمثال ؟ وفي العصور الوسطي نحت التماثيل العديدة ، وشيد المعابد وزين حيطانها بالصور والرسوم ، دون أن يذيلها بأسمه ، ثم قص الأقاصيص وألف الروايات التي لا تحمل اسمه وشارته " ( ص ١٢٤ من الكاتب الإيطالي يابني ).

هكذا يقدم لك مؤلف الكتاب مائدة جمع عناصرها من الآداب الأوروبية : الروسية والفرنسية والأسبانية والإيطالية والإنجليزية وغيرها ، ويستحيل أن تجلس إلي هذه المائدة ثم تنادرها بغير غذاء دسم مفيد

لكن للمؤلف الفاضل بعض الاحكام العامه التي لم أستطع قبولها ، فهو ينبهنا في مقدمة الكتاب " ألا مندوحة عن احتكاك ثفافتين مختلفتين لإيجاد البدائع الخالدة وخلق الآيات الفنية الرائعة ، فالأدب اليوناني

القديم لم ينهض إلا بعد احتكاكه بثقافة قدماء المصريين .. الخ . ولست على يقين من أن الأدب لا ينهض إلا نتيجة لاحتكاك ثقافتين ، إذ قد يكون وليد العبقرية التى تستوحى الطبيعة وحدها ، ولست على يقين كذلك من أن اأدب اليونان جاء نتيجة لاحتكاكه بثقافة المصريين القدماء وإلا لتعذر علي تطبيق ذلك على هومر وأدباء المسرح .

ومن الأحكام العامة التي لم استطع قبولها كذلك تمييزه بين الأرستقراطية والديمقراطية ( ص ٢٠ ) بحيث يجعل الطموح من صفات الأرستقراطية وخفض الجناح والقناعة من سمات الديمقراطية ؛ فلست أرى أن الإنجليز وقد ضربوا

في الديمقراطية السميمة بأوفرسهم ، فانيين خافضي الجناح ! ألا يرى صديقي أن قد حان الوقت الذي يجب على حملة الأفلام في مصر ألا يدخروا وسعا في تعليم الناس بأن عزة النفس شئ ، ونبذ الطغيان والاستعباد شئ اخر ؟ فالديمقراطية ترفض أن يسود بين أبناء الشعب شئ من الطغيان أو ان يستبد فريق بفريق، ولكنها في الوقت نفسه تصدر في ذلك من كرامة وعزة وطموح ، لا عن جناح خافض وقناعة .

وبعد ، فللكاتب الفاضل مني كل شكر وتقدير . لساعات جميلة قضيتها في قراءة الكتاب .

اشترك في نشرتنا البريدية