الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 458الرجوع إلى "الثقافة"

باب الكتب، السياسة لأرسطو (١)، ترجمة أحمد لطفى السيد باشا

Share

وضع أستاذنا لطفى باشا خطة إخراج كتب أرسطو يبذل فيها الجهد السنين الطويلة متفهما مدققا مترجما، ولما منه بأن هذه الكتب من الأمهات التى لا غنى عنها لأية أمة؛ ففلسفة اليونان أهم ما أنتجه العقل البشري، وفلسفة أرسطو منها كواسطة العقد، ولا تزال الفلسفات التى أنت بعدها تعتمد عليها أو تشرحها أو تعدلها، ولكنها مهما فعلت فلم تتغير أسسها ولم تلغ أكثر نظرياتها، ولم تبن بناء جديدا بعيدا عنها .

وقد أدرك العرب خطورة هذه الفلسفة فأخذوا فى ترجمتها، ولكن كانت وسائلهم محدودة، والكتب الأصلية مهوشة. قد ينسب الكتاب إلى غير مؤلفه، وقد يخلط كتاب بكتاب، وقد يعزى كتاب ليس من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة اليونانية، وكثيرا ما غمض هذا على فلاسفة العرب، فأتوا بالأعاجيب فى التوفيق بين الإراء المتنافضة المنسوبة لفيلسوف واحد، ولو عرفوا تعدد القائلين ما بذلوا هذا العناء فى التوفيق . وعلى كل حال فقد مضى عهد فلاسفة العرب، وليس عندهم مجموعة كاملة يوثق بها من كتب الفلسفة اليونانية.

وقد عنى الغربيون بالنتاج اليونانى أيضا لما اتخذوه عامة من دعائم علمهم وأدبهم وفلسفتهم، وكان الزمن قد تقدم وأصبح من الممكن جمع الكتب اليونانية وتصنيفها

والتحقق من مؤلفيها والتفرقة بين ما هو صحيح منها وما هو مزيف، وترجمتها كل أمة حية إلى لغتها .

فقام أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد بهذا العمل وتخصص فى أرسطو، وبدأ بكتاب الأخلاق، ثم أتبعه بكتاب الكون والفساد، وكتاب ما بعد الطبيعة، وهذا هو الكتاب الرابع كتاب السياسة، وكان كل كتاب يستغرق منه السنين فى تعريبه، لأنه يقدر المسئولية حتى قدرها، فلا يترجم إلا بعد أن يفهم وبتعمق، ويجيل الجملة فى ذهنه على مهل حتى يخرجها فى الغالب الذى يناسبها مع التقيد التام بالأمانة فى النقل.

لقد توجه من اليونانية إلى الفرنسية الأستاذ سانتهاير أستاذ الفلسفة اليونانية فى الكوليج دي فرانس، ووضع له مقدمة قيمة فى نحو تسعين صفحة عرض فيها لقائدة علم السياسة ومناهجه، ووازن بين السياسة فى نظر أفلاطون والسياسة فى نظر أرسطو، وأبان أن منهج أفلاطون نظرى وواقعى معا، ومنهج أرسطو واقعى فقط، يعتمد على التاريخ وحده . ثم فى ضوء أرسطو عرض السياسة فى نظر أكبر المؤلفين فيها أمثال منتوسكيو وشبشيرون ومكافيلى وسبينوزا وجان جاك روسو الخ .

وجاء أحمد لطفى السيد باشا فسرب ذلك كله - المقدمة والأصل - فى أسلوب يرضى الخاصة بأمانته ودقته وعمقه، وإن لم يرض الجمهور، لأن الأمانة والدقة والعمق كثيرا ما لا تتفق والسلاسة والبساطة .

وكتاب أرسطو فى السياسة عميق مفيد لمن يصير على تفهمه، قد أصبغ على السياسة الصبغة العلمية كما أسبتها على المنطق والشعر والفن والطبيعة وما وراء الطبيعة، وهذا شأنه فى كل ما حاول .

ويعرض لكل نظرية فيحللها تحليلا دقيقا، ويستعرض

الدول التاريخية فى ضوئها، ويستخدم التطبيق عليها أحسن استخدام، وهو يتكلم فى ذلك عن علم تام، لأن حياته العملية والعلمية أمكنته من الإحاطة بالشئون السياسية فى عصره، وقبل عصره، فلما سلط عليها عقله الجبار أنى بالعجب العجاب؛ نقد أرسطو النظريات التى وضعت، كنظرية أفلاطون فى جمهوريته، والدساتير التى وضعت، وحقها، وأبان ما فيها من مزايا وعيوب، كما عرض للتربية السياسية الفاضلة، وكيف تكون، وما منهاجها، وما فائدة كل مادة من مواد هذا المنهاج . وعرض للديمقراطية والسلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويشعر القارئ لها كأنه يدرس نظام العصر الحاضر.

ثم بحث فى الثورة وأنواعها وأسبابها، والبواعث النفسية والاجتماعية عليها، وأبان أنها تكون أحيانا ثورة على الأشياء، وأحيانا على الأشخاص. وأن عللها تختلف باختلاف أنواع الحكومة من أرستقراطية أو ديمقراطية، أو أولجركية - ووسائل الحفظ من الثورات الخ . الخ فتري من هذا كيف كان الكتاب ينبض بالحياة إلى اليوم، حافظا لحدته إلي اليوم، بعد أهم أصل من أصول الساسية إلى اليوم .

والذى يلقى نظرة عامة على ما قام به الأستاذ لطفى باشا من ترجمة لهذه الكتب الأربعة يوقن بضخامة هذا العمل بجانب أعماله الضخمة الأخرى فى تربية الجيل الجديد، بما كان يحرر فى "الجريدة" وما كان يحاضر ويتولى من أعمال، وفي تأسيس الجامعة المصرية وتكوينها، ووضع تقاليدها، إلى غير ذلك من أعمال ضخام.

لقد أكمل - بترجمته هذه الكتب بمفرده - ما بدأ به العرب فى العصر العباسى من ترجمة فى الفلسفة .

وإن كان هناك فرق، فإن الخاصة فى تلك الأيام هجموا على ما ترجم، وارتووا منه ارتواء الظمآن،

وأما نحن فيرتشف القليل منا ارتشاف السكران؛ والسبب فى هذا أن الخاصة فى العصر العباسى كانوا فيه أعدوا للفلسفة ببحثهم الطويل العميق فى علم الكلام، وتعطشوا لأن يكملوا ثقافتهم هذه بالفلسفة اليونانية وغيرها من الفلسفات؛ أما نحن فقد كنا انصرفنا من الفلسفة، كما انصرفنا عن سائر العلوم، وكانت الفلسفة - مع الأسف - أول ما حوربت فاختفت، وآخر ما نبهت فاستيقظت، ولا تزال إلى اليوم تمسح عيوننا عقب النوم الطويل، فبدأنا نعلم مبادئ الفلسفة، ونؤلف فى مبادئ الفلسفة، و" قصة الفلسفة" فطلع علينا لطفى باشا بأصول الفلسفة، فان لم يجاويه تمام المجاوية الجيل الحاضر، فأملنا - يفضل نشاط الدراسة الجامعية ونحوها - ان يجاوبه الجيل القادم؛ وحينئذ يقدر لطفى باشا فى الفلسفة التقدير الذى هوىبه جدير.

أمد الله في عمره، ونفع بعمله

اشترك في نشرتنا البريدية