أخرجت مطبعة لجنة التأليف والترجمة فيما أخرجت من مطبوعاتها الأنيقة ، كتاب ( في أعقاب الثورة المصرية ) وهو الحلقة الثانية عشرة من سلسلة المعلمة التاريخية التي يصدرها تباعا حضرة صاحب العزة المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي بك ، ليؤرخ فيها كفاحنا القوي وجهادنا الوطني في العصر الحديث - والرافعي بك بإجماع العلماء وزعماء الفكر وأقطاب السياسة ، من اصدق الناس قولا وأعفهم لسانا وأكثرهم اطلاعا واعمقهم بحثا وافواهم حجة ، وأخلصهم جهادا ، وهذه الصفات قد مهدت له طريقا مستقيما في حياته السياسية لا ينحرف عنه ، ولا يلين فيه ولا يمل السير عليه
أراد هذا المؤرخ الكبير منذ عشرين سنة أن يقدم آية من الوفاء للزعيم الوطني الكبير مصطفى كامل باشا بان يكتب له تاريخا على مثال كتاب ( بول دشانل - عن - جاميتا ) ولكنه بعد أن روي في الأمر وجد أن تاريخ هذا الزعيم " يستتبع الكلام في مبدأ ظهور الحركة القومية بمصر ، والتطورات التي تعاقبت عليها " ذلك بأن هذا الزعيم إنما كان " يمثل دورا من أدوار الحركة القومية سيقته أدوار وثلته اخري من أجل ذلك تغيرت وجهة نظره في العمل ، وأخذ في دراسة الحركة القومية من مبدأ ظهورها ، ولما رجع إلى الأدوار التي تقدمت عصر مصطفي كامل ليقف عند حد يصح
اعتباره مبدأ للحركة القومية " وجد أن الحركة العرابية ترجع أسبابها ومقدماتها إلى حركة الاستبداد من نظام الحكم القديم ، وإلى الحركة الفكرية والسياسية التي ظهرت على عهد اسماعيل ، وهذه الحركة الأخيرة لم تظهر فجأة ولم تكن الأولى في تاريخ مصر القومي ، بل هي تطور جديد للروح القومية التى بدأت تظهر في أواخر القرن الثامن عشر ، فإلى هذا العهد يجب أن يرجع مبدأ الحركة القومية المصرية - وأول دور من أدوارها هو عصر المقاومة الأهلية التي اعترضت الحملة الفرنسية في مصر ، فان هذه المقاومة كانت أول شرارة أشعلت جذوة الروح القومية في نفوس المصريين - وهي أول صفحة من صفحات الجهاد الأهلي في تاريخ مصر الحديث .
ثم قال : " وثمة بحث آخر استتبعه تاريخ الحركة القومية ، وهو دراسة نظم الحكم التي تخللت ادوارها ، وذلك ان سياسة الحكم وأساليبه كانت في مختلف العصور والبلدان من الأسباب الرئيسة لظهور الأنقلاب والحركات القومية ، كما أن لهذه الحركات أثرا فعالا في تطور نظام الحكم . لذلك جعلت دراسة نظم الحكم في مصر وتطورها قسما من أقسام الكتاب
هذه هي أغراض مؤلفنا الجليل التي عرض لها ووقف درسه عليها ، وقد عهد لعمله هذا " بدراسة الحركات القومية في أوربا وأمريكا للوقوف على ما بها من حقائق وعظات وما بينها وبين حركتنا القومية من ملابسات ومشابهات " . ثم انشأ يعمل بطريقته القويمة في الاستيعاب والتحقيق والتحليل وإيراد الحجج الدامغة ؟ فأفرد الجزء الأول لدراسة الحركة القومية في تاريخ مصر الحديث ومبدأ ظهورها ، وبسط الكلام في بيان هذه الحقيقة وشرحها . وتناول في الجزء الثاني الكلام عن إعادة الديوان في عهد نابليون ونظامه وحوادث المقاومة الشعبية ، وما ترادف بعد ذلك
من حوادث إلى جلاء الفرنسيين عن البلاد ، وترحم في هذا الجزء لزعماء الشعب في هذا العصر مبتدئا بالسيد عمر مكرم الذي كان اكبر شخصية ظهرت بين رجالات مصر في فجر النهضة القومية ، وتحدث عن ظهور محمد على وثورة الشعب على حكم المماليك وعلي الوالي التركي . ثم افرد الجزء الثالث لتاريخ مصر في عهد محمد علي ، وفصل القول عن هذا العهد الزاخر بالأحداث تفصيلا .
وعقد الجزءين الرابع والخامس لتأريخ عصر اسماعيل وما جري فيه من أحداث كبار لا تزال آثار بعضها باقية إلي يومنا ، وجعل السادس للثورة العرابية ، وأرخ في السابع الفترة التي أصيبت فيها الحركة القومية بالجمود والخذلان ، إلي أن بعثها الزعيم الشاب مصطفى كامل ؛ وبعد أن انتهي من ذلك كله اخذ يؤرخ لزعيميه مصطفى كامل ومحمد فريد ، فأنشأ لكل زعيم كتابا ضخما ؛ ثم اتجه إلى تاريخ ( ثورة سنة ١٩١٩ ) التي تجلي فيها اكبر جهاد نهضت به البلاد في العصر الحديث ؛ وخرج من هذا التايخ إلى وصف ما جاء ( في أعقاب ) هذه الثورة وهو ما طوى عليه الجزء الثاني عشر الذي نتكلم عنه اليوم .
لم نستطع أن نتوسع في بيان ما اشتملت عليه الأجزاء الضخمة التي صدرت من هذه المعلمة التاريخية الكبرى ، أضيق المقام ، واكتفينا بالإشارة إليها ، ولهذا ترانا مضطرين إلى إيجاز القول عن هذا الجزء الذي نحن بصدده
كسر مؤلفنا الجليل هذا الكتاب الكبير على فصول عدة ، تناول فيها حضرة المؤلف الكلام عن الانقسام
الداخلي الذي تصدعت به وحدة البلاد في سنة ١٩٢١ ، والموقف السياسي بعد قطع مفاوضات عدلي ، وتصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ ووزارات ثروت الأولى والثانية ونسيم وسعد وزيور والوزارات الائتلافية ؛ ثم عمل مصر في مؤتمر لوزان ، والدستور والبرلمان الاول والإنقلاب الاول ، واجتماع البرلمان من تلقاء نفسه ، وعودة الحياة الدستورية ؟ مع ختم الكتاب بفصلين عظيمين عن شخصية سعد والدستور والحكم المطلق ثم الوثائق التاريخية ؛ ولا نستطيع في هذه الكلمة أن نبين فضل هذه المعلمة التاريخية التي اصبحت بين البيئات العلمية المصدر الوثيق لتاريخ جهادنا القوي وكفاحنا الوطني ، وكيف كان نظام الحكم في العصر الحديث .
ولا جرم أن ذلك كله مما يجب على كل وطني دراسته لكي يعرف مبلغ جهاد أمته ومقدار ما بذلت في سبيل استقلالها وحريتها .
ويحسن أن أقول إنه لا يقدر هذه المعلمة قدرها إلا من يقف عليها ويدرسها . ولا يعرف فضل مؤلفها إلا من ادرك كيف عاني في سبيل وضعها ، وكم من مئات الاسفار والمصادر قد اطلع عليها قبل تأليفها . ولم يبذل من مال وفير ليخرجها إلى الناس في هذا الثوب الرشيق والطبع الآنيق
جزي الله مؤلفنا الجليل على ما قدم - وما سيقدم للعلم والتاريخ والوطن خير الجزاء .

