الأستاذ سعيد الأفغانى من أدبائنا المبرزين ، معروف فى الأوساط العلمية بسعة الاطلاع ، والدؤوب على البحث والتنقيب ، والقدرة على التدقيق والتحقيق ، مع أناة وروية وجودة فهم . وهو ذو قلم مصب متين ، وأسلوب يشهد له بالتمكن من علوم العربية فى وضوح وبيان .
أولع بدراسة حياة عائشة الصديقة رضى الله عنها منذ أمد بعيد ، فراح يقرأ ويستقصى كل ما له علاقة بهذه السيدة الجليلة ، أي أنه اضطر لمراجعة أكثر كتب التاريخ والأدب واللغة والحديث والعقائد والجدل ، لأن موضوعه بحر زاخر يعيد النور .
نشر الأستاذ كتبا عدة عن السيدة الجليلة ككتاب الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للامام الزركشى ، ورسالة فى المفاضلة بين الصحابة لابن حزم الأندلسى ، وجزءين من سير النبلاء للذهبى ، وأخرج كتاب " الإسلام والمرأة " فى العام الماضى ، وكتاب " عائشة والسياسة " الذى نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر هذا العام .
والكتاب فى جملته من الكتب القيمة التى استوفت حظها من البحث والتحقيق ، استعرض فيه المؤلف الفاضل حياة عائشة رضى الله عنها منذ بدء عهد عثمان رضى الله عنه ، إلى حين وفاتها : ذكر موقفها من قتل الخليفة الشهيد ،
والحوادث الذى اكتشفته ، واقعا اتهام بعض الرواة والمؤرخين إباها بأنها كسرته وأمرت بقتله ومهدت الأمر من بعده لطلحة . ثم انتقل إلى ذكر موقفها من على بن أبى طالب رضى الله عنه ، مفصلا القول فى علاقتهما منذ عهد الرسالة ، وفى موقفها من بيعته ، وأفاض فى ذكر حرب الجمل ومراحلها وأسبابها ونتائجها ، ثم عرج على حياتها السياسية بعد حرب الجمل إلى حين وفاتها وختم كتابه بفصل قيم عن عائشة فى نظر الفرق الإسلامية المختلفة ، وبفصل آخر فى عبرة الحوادث ، أثبت فيه وجوب ابتعاد المرأة عن غمرة السياسة لأنها لم تخلق لها .
والحق أن هذا الكتاب فى نظرنا من أحسن ما ألف فى دراسة ذلك العصر المضطرب ، وفى عرض تلك الحوادث التى تضاربت فيها أقوال المؤرخين إلى حد كبير يصعب معه الوصول إلى الحقيقة المجردة . فلقد محص المؤلف الفاضل تلك الحوادث كلها تمحيص المسالم المدقق ناظرا إليها بمنظار الباحث المحايد الذى لا يعنيه إلا الوصول إلى الحق . وقد وفق فى هذه السبيل توفيقا نذكره له بالشكر والإعجاب .
وكثيرا ما يناقش المؤلف فى كتابه المؤرخين " الحزبيين " كابن أبى الحديد فى شرحه المنهج ، مناقشة علمية هادئة ، ليخلص من ذلك إلى نوعين رواياتهم . وهو لا يخفى إعجابه بحياد بعض المؤرخين من أهل السنة كالطبرى وغيره .
( وبعد ) فإننا نشكر الأستاذ على جهوده القيمة ، ونسأل الله أن يعينه على إتمام كتابه الجديد فى دراسة حياة عائشة العلمية والأدبية ، فيسد بذلك فراغا كبيرا فى المكتبة العربية الإسلامية .
( دمشق )
( ن . ط )
