الفكاهة الحلوة طابع يتسم به أدب (( جورج بيرنارد شو )) الكاتب الإنجليزى المعروف ، وقد صور لنفسه بهذا التفكه الجميل فى كتاب من كتبه ، رجلا خرج فقيسا من بيضة وهو فى سن العشرين ، وإنما صور لنفسه هذا ، ليسمع ماذا عسى أن يقول الفقيس الجديد فى العالم الذى نعيش فيه ، ولقوله دلالة خاصة ، لأنه مكتمل العقل والإدراك من ناحية ، مجرد من التعصب والهوى من ناحية أخرى وقد جعل الكاتب هذا الفقيس يتلفت حوله فى عجب عند شهوده أوضاع الحياة لأول مرة ، فيصيح لنفسه دهشا : أعجب ما أرى فى هذا العالم ، وهو أن من يعملون لا يملكون مالا ، وأن من يملكون المال لا يعملون !
وليس يعنينى الآن ما قاله هذا الفقيس العجيب ، فإنما أردت أن أحدثك عن فقيس آخر لبيضة أخرى ؛ ذلك أنى استخدمت هذا الخيال بعينه ، وأخرجت فقيسا جديدا ليشهد أوضاع الحياة فى مصر ، لعله منبىء ما خطبها ؛ فما إن مسح عينيه براحتيه ليشهد النور . حتى ضرب كفا على كف فى عجب وسخرية ، وقال : أرى أمة قد أقسمت ألا يكون فى سيرها نظام . فالناس يضحكون ممن يطالبهم به ، ويؤثرون له ولأنفسهم أن يمشوا (( بالبركة )) - لأن البركة والفوضى صنوان متآخيان - وعبثا يرتل لهم المرتلون فى المذياع صباحا ومساء : (( أفمن يمشى مكبا على
وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم )) ؟
وتمنى فقيس البيضة لهذه الأمة - وتمنيت معه - أن يأخذوا فى حياتهم وفى أسلوب عيشهم وفى نظرتهم إلي اللهو والجد ، فى الفراغ والعمل ، بشىء ولو قليل من أسلوب العلم وطريقة العلماء .
فأسلوب العلم لا يقتصر على العلم ، إنما يتعداه إلى كل أوضاع الحياة وجوانب العيش ، وطريقة العلماء فى النظر إلى الأمور ليست مقصورة على المعامل بما فيها من أنابيب ومخابير ، بل تجاوزها إلى شئون العيش مما يصادف الناس إذا أصبح صباح أو أمسى مساء .
وقرأت هذا الكتاب الجليل العظيم الذى أخرجه لنا أستاذ فاضل ممن يعملون فى صمت الجادين وهدوء العلماء ، وإنما عنيت بهذا كتاب (( من الوجهة النفسية فى دراسة الأدب ونقده )) للأستاذ محمد خلف الله ، أستاذ الأدب العربى بجامعة فاروق الأول .
قرأت هذا الكتاب الجليل العظيم ، فوجدت كاتبه يكاد يتميز من الغيظ إشفاقا على بنى وطنه أن يمضوا فيما هم ماضون فيه من تحد لأسلوب العلم وطرائق العلماء - لا أقول فى أمور حياتهم اليومية الجارية - بل فيما يعالجون من بحوث علمية ! فقلت لنفسى مستجيبا لهذه الدعوة الكريمة التى أشاعها الكاتب فى كتابه منذ فاتحته حتى ختامه ، قلت لنفسى : الله أكبر ! إن هذه الدعوة فى ذاتها ، وما أخذ به المؤلف نفسه من استمساك بها فى كتابه ، لكافية وحدها أن تضع الكتاب فى أعلى منزلة يسمو إليها كتاب .
استهل الكاتب كتابه بهذه العبارة : (( كانت الحاجة إلى الروح العلمى - وإلى تطبيقه فى مختلف نواحى الحياة - أول ما شعرت به مصر حين بدأت نهضتها الحاضرة ،
فقد أدركت أن تأخرها فى العلم ، وعدم اصطناعها لمنهجه كان العلة الأولى فى تأخرها عن العالم الأوربى فى ميادين السياسة والفكر والاجتماع )) . ويمضى قليلا ثم ينبئك بما يقوله (( وايتهد )) - من أعظم فلاسفة الإنجليز العلماء - من أن (( الشىء الذى يستطيع الغرب أن يعطيه للشرق ، إنما هو علمه ومنزعه العلمى )) .
ويخشى مؤلفنا الفاضل أن تسبق إلى الأذهان فكرة خاطئة - بل لعلها قد استقرت فى أذهان الناس استقرارا مكينا - وهى أن العلم وطرائقه من شأن العلماء فى أبحاثهم ، فما للناس فى حياتهم ولها ؟ بل ما للناس ولما فى أبحاثهم الأدبية التى ليست من الطبيعة أو الكيمياء فى شىء ؟ فالكثيرون من المشتغلين بالدراسات الأكاديمية فى مصر يظنون أن العلم ليس إلا التجربة والمعمل والوصول إلى القوانين . . وأن الدراسات الأخرى التى لا تقوم على العمل والتجربة لا حق لها - ولا سبيل - فى أن تسمى نفسها علوما ؛ ولكن القرن الحاضر قد نسخ هذه الآية بخير منها ، إذ وصل إلى أن العلم روح وحياة ومنهج ، وأن لكل موضوع إنسانى طريقته العلمية التى تستلزمها طبيعته ... ( ص ٥ ) .
وكأنما تحتاج هذه البدائه إلى إيضاح وإقناع ، فترى الكاتب الفاضل يستعير لقارئه آراء الأعلام من غرب ومن شرق ، ليؤكد لهم صدق ما هو زاعم لهم بصدقه ، فى (( سير برسى نن )) - المربى الإنجليزى العظيم - يقول : (( إن أعظم منحة وعيها أبطال العلم لثروة العالم الثقافية . هي الحياة العلمية ، فمهمتنا - إذا - نعلم الطالب كيف يحيا هذه الحياة )) ( ص ٦ ) وفى مقدمة (( فجر الإسلام )) لـ (( أحمد أمين )) بيان لوجوب انتهاج الطريقة العلمية فى البحوث الأدبية (( فما حال بين الأدب العربى إلى الآن وبين الحياة والخصب والنفع إلا أن مناهج البحث
والاستقصاء له سيئة رديئة لم تنظم بعد . والأدب العربى كغيره من الآداب ، بل كغيره مما يتصل بالحياة الإنسانية ، بل كغيره مما يصلح موضوعا للدرس فى هذا الكون ؛ شىء لا ينبغى أن ينظر إليه على أنه منقطع الصلة عما حوله . )) ( ص ٢٢ ) ؛ كذلك يجعل المؤلف جزءا من كتابه هو أكبر جزء فيه وأهم جزء منه لعرض ناقدين : أما أحدهما فقديم هو عبد القاهر الجرجانى ، وأما الآخر فحديث هو طه حسين ؛ عرض المؤلف طريقة هذين الناقدين عرضا علميا دقيقا بارعا ، ليبين لقارئه كيف للنقد الأدبى أن يكون علما كأدق ما تكون العلوم ؛ لعل قارئه أن يؤمن بصدق دعوته .
يريد المؤلف الفاضل للناقد الأدبى أن يأخذ نفسه بالمنهج العلمى فى بحثه أخذا جادا عنيفا ، ويسوق له مثلا عبد القاهر الجرجانى فى كتابيه (( أسرار البلاغة )) و (( دلائل الإنجاز )) من الأدب العربى القديم ، وطه حسين فى كثير من كتبه ، من الأدب المصري الحديث ؛ ثم يعبر البحر المتوسط ليسوق له أمثلة من شعراء الإنجليز الذين اشتغلوا بالنقد الأدبى أيضا ، فيخصص فصلا بأسره للمحاورة التى جرت فى ذلك بين (( وردز ورث )) و (( كولردج )) ؛ لا ، بل هو قبل ذلك كله ، وفوق ذلك كله ، وأهم من ذلك كله ، يسوق نفسه مثلا فى كتابه هذا ، فهو العالم المدقق من أول سطر فى الكتاب إلى آخر سطر فيه ، والكتاب يفوح بالمنهج العلمى فى كل صفحة من صفحاته ؛ لا يكاد المؤلف يقرر فيه شيئا إلا جاءك بالسند والدليل ؛ فقد رجع إلى أربعة وسبعين مرجعا ، وهو قد رجع إلى هذه المراجع أكثر من مائة وستين مرة ؛ أستغفر الله ، بل إن فى هذا الإحصاء العددى لإجحافا بالمؤلف أيما إجحاف ، لأن الراجع المذكورة ليست كل المراجع التى استقاها ليكتب هذا
الكتاب ، ولابد أن يكون قد ملأ جعبته بمئات من الكتب ، أعناته على أن يكتب ما كتب ، وهو لم يذكرها بالطبع لأنها أصبحت من نسيجه العقلى لحمة وسدى .
ثم يريد المؤلف الفاضل للناقد الأدبى علما واسعا بكثير من العلوم ، فى طليعتها علم النفس ( وعلى هذا الأساس سمى كتابه ) وعلم الجمال ؛ وهو يعجب - بحق - " كيف يجرؤ ناقد لم يواجه هذه الأسئلة ( التى يسألها علم الجمال وعلم النفس ) مواجهة جادة ، ولم يكون لنفسه فيها رأيا يرضاه ويستطيع تبريره ، على أن يلبس بين الناس مسوح الحكم ، ويهجم على الآثار الأدبية فيقضى على هذا بالجمال ، وعلى ذلك بضده ، ويفضل شاعرا على شاعر وأدبيا على أديب ! " ( ص ١٢١ ) بل إن مؤلفنا لينعى حالنا نعيا أليما حين يروى لنا صادقا أن رجال النقد عندنا ، بدل أن يأخذهم الخزى والخجل لما هم فيه من جهل وعمى ، نراهم " يرفضون الاستعانة بعلم النفس في فهمهم للأدب " . وهم فى ذلك يتسترون وراء لفظة لا يفهمون لها معنى ، وتسبب كثيرا من الفوضى الأدبية ، وهى كلمة " الذوق " كأنما يخبط هذا " الذوق " المفكود خبط مشواء على غير هدى من المعرفة العقلية ؛ لهذا ينادى المؤلف بوجوب التعديل فى قاعدة الذوق والاعتماد عليه فى الحكم الأدبى ، بحيث يصبح عمادنا " الذوق المستنير " ( ص ١٢٥ ) أى الذوق الذى يستند على ركيزة من العلم الصحيح .
ولو أردت وصفا للمنهج الذى اتخذه الأستاذ المؤلف فى هذا الكتاب ، والذى أراده منهاجا لكل ناقد ، وجدته مبسوطا فى كثير من مواضيع الكتاب فى وضوح وجلاء ؛ فهو يقول : " إن الوجهة التى اتجهنا إلى إبرازها فى فصول هذا الكتاب هى ضرورة توسيع ثقافة الأديب والناقد
وطالب الأدب من طريق الاطلاع على نتائج الدراسات الإنسانية الآخرى - بعد طول ممارسة الأدب وتذوق روائع آثاره - ثم رفع البحوث الأدبية إلى مستوى منظم واضح المعالم ، تتلاقى فيه عقول الباحثين وأذواقهم ( ص ١٢٧ ) .
إزاء مؤلف من هذا الطراز الممتاز ، الذى يحبك نسيجه حبكا ، ويرص براهينه وأسانيده رصا ، لاندرى ماذا نقول إذا ما قرأت الكتاب فمن لك شىء من النقد هنا وهناك ؛ فما أظن النقد ينائل من بناء هذا الكتاب شيئا إلا بمقدار ما ينال الظفر الضعيف من صم الجلاميد ؛ ومع ذلك كله فحب الاستطلاع يدفعنى أن أتساءل بما يلى :
١- هل هناك تطابق تام بين اسم الكتاب ومادته ؟ بعبارة أخرى : هب أن الكاتب قد ترك كتابه بغير عنوان ، ثم تناولت الكتاب فقرأته بإمعان كما قرأته ، فهل تدفعك مادة الكتاب دفعا إلى تسميته " من الوجهة النفسية " ؟ لا أظن ذلك ، وقد كنت أوثر " من الوجهة العلمية " قاصدا بذلك إلى منهاجه العلمى ، فلا أظن أن علم النفس
- باعتباره علما - قد بنى لهذا الكتاب أساسه .
٢- يقول المؤلف فى صفحة (٣) إن حركة النهضة الأوربية بدأت بإحياء الآداب والفنون القديمة ودراستها ، " غير أن هذه الحركة لم تلبث أن أسلمت إلى حركة أخرى ، هى إحياء الآداب الوطنية ، والكتابة بلسانها ، ثم العناية بعد ذلك بدراسة رجالها وتتبع تاريخها وتطورها " .
وليس هذا الترتيب - فيما أرى - صوابا ؛ فلم يكتب أدباء النهضة باللسان القومى بعد إحياء الآداب والفنون القديمة ، لكنهم استخدموا اللسان القومى قبل ذلك ؛ ففى إيطاليا كان " دانتى" من طلائع النهضة الأوربية ، وقد اتخذ من اللهجة السامية فى إقليمه " تسكانا " لغة لآيته
الكبرى " الكوميديا الإلهية " - وكان ذلك فى القرن الثالث عشر - وحركة نقل الآداب القديمة وإحيائها بدأت بعد ذلك فى أوربا مما يقرب من قرنين كاملين .
وكذلك حدث فى الأدب الإيجليزى أن بدأت الكتابة الأدبية باللسان القومى على يدى " تشوسر " ولم تبدأ حركة إحياء الآداب القديمة إلا بعد ذلك بكثير .
3- يقول المؤلف فى صفحة (4) إن من آثار العلم الحديث فى الأدب الإنجليزى ظهور طائفة من الأدباء أمثال " ستبل " و " اد سن " ، و " سوفت " ؛ ولست أدرى كيف كان هؤلاء وأضرابهم نتيجة " للعلم الحديث " - أيكون اختراع المطبعة واستعمالها فى طباعة المجلات والكتب هو ما يرمى إليه الكاتب ؟ لو كان ذلك ، فإنى لأخشى أن يظن القارىء أن المطبعة ظهرت فى ذلك العهد أو قبله بقليل ، ولم يكن ذلك هو الواقع .
٤- من أهم ما تعرض له الكتاب البحث فى هل نعد الجمال فى الأدب ذاتيا أو موضوعيا ؛ وقد فرغت من قراءة الكتاب دون أن يوقفنى المؤلف على أرض صلبة فى هذا الموضوع ، ولو اتخذت كتابه مرجعى الوحيد فى الحكم ، لما وجدتنى قادرا على الجواب الحاسم ؛ ويخيل إلى أن الكاتب وصل فى نهاية الفصل الثانى إلى الرأيين معا ، أثبت أولهما فى صفحة (45) ، وثانيهما فى آخر الفصل صفحة (47) - بل إنه فى بحثه الطويل لهذه النقطة فى عرضه لعبدالقاهر الجرجانى ، ثم يبين فى حسم قاطع إلى أى الفريقين يتبع الجرجانى ؟ لقد تركنا أمام نصوص هذا الناقد القديم ، مع أنه كان أقدر منا على استخلاص المبادىء العامة من هذه النصوص ؛ ففى نص أثبته الكاتب للجرجانى فى موضعين ، أحدهما فى (ص21) يقول : " فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا ، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ ، فيقول : حلو رشيق ، وحسن أنيق ، وعذب
سائغ ، وخلوب رائع ، فاعلم أنه ليس ينبئك من أحوال ترجع إلى أجراس الحروف ، وإن ظاهر الوضع اللغوى ، بل إلى أمر يقع من المرء فى فؤاده ، وفضل يقتدحه المثل من زناده " ، وهذا النص - فيما أرى - يجعل جمال الأدب عند الجرجانى ذاتيا لا موضوعيا . لكن المؤلف يعود فيسوق الحرجانى نفسه مثلا لناقد لا يقف من الأعمال الفنية موقفا نفسيا انفعاليا ( ص ٤٢-٤٣ ) .
٥- فى تقسيم الناس إلى أربعة أنواع من حيث تأثرهم بالقطعة الفنية ( القسم الثانى من الفصل الثانى ) قد يظهر شىء من التداخل بين القسمين الثانى والثالث ، بحيث تستطيع أن تضع الرجل الواحد ذا النزعة الواحدة فى كل من القسمين معا .
٦- ألم يكن فى الوسع ترجمة لفظتى " كلاسيكى " و " رومانتيكى " بلفظتين عربيتين لأهميتهما فى النقد الأدبى ؟ لقد جربنا فى كتابنا " قصة الأدب فى العالم " على ترجمتهما بلفظى " اتباعى " و " ابتداعى " ؛ ولست أريد أن أملى ترجمة بعينها على الأستاذ خلف الله ، لكنى كنت أوثر لفظتين عربيتين يقبلهما هو ، لعلهما تشيعان فى الكتابة النقدية العربية ؟
ويجدر هنا أن أشير إلى أن الأستاذ خلف الله قد استعمل لفظة " ابتداعى " بدل " رومانتيكى " مرة واحدة فى الكتاب (١١٩) مما بد على قبوله لهذه الترجمة ، وأعتقد أنه إذا قيل هذه اللفظة لتدل فى العربية على معنى "رومانتيكى" كان أقرب إلى قبوله للفظة الثانية " اتباعى " لتدل على معنى " كلاسيكى " .
وبعد ، فهذا كله أدنى إلى التساؤل منه إلى النقد ، فليس فى وسع قارىء مثلى يأخذ النقد الأدبى موضوعا للهواية ، أن يجد مأخذا فى كاتب مثل الأستاذ المؤلف ، الذى جعل هذا الموضوع مادة هواية ودراية فى آن معا .
