كثيرون من الناس - وأنا من هؤلاء - يعتقدون أنه يمكن أن يكون للإنسان شخصيتان متمايزتان : شخصية مؤمنة ، وأخرى مفكرة . فأما الشخصية المؤمنة فمن آثارها الواضحة فيك احترامك للدين ، وأخذك بتعاليمه
وشعورك بالرضا عن نفسك بمقدار حظك من إرضاء معتقدك . وأما الشخصية المفكرة فإليها يرجع الفضل فيما ينعم به عقلك من حرية ، وعليها تعتمد أبدا في تكوين آرائك العلمية أو الأدبية أو السياسية والاجتماعية . وربما كان أساتذة الجامعات أشد الناس شعورا بهذه الظاهرة التى أشرت إليها ؛ لا أكاد استثنى من ذلك غير فترات قليلة تمر بحياة الأستاذ الجامعى يشعر فيها بشيء من الفتوة العقلية ، أو الخصوبة الذهنية ، أو اليقظة المستمرة ، أو التوقد الحاد ؛ ويستطيع فى أثناء تلك الفترات أن يتمخض من أثر علمى هام ، أو فكرة علمية كبيرة ، أو إختراع عظيم بضيف به إلى العلم ما لم يكن به . وفى
تلك الفترات التى تمر بالاستاذ او العالم او صاحب الاختراع يبدو لنفسه أو لغيره من الناس كأنه منصرف عن الدين ، أو مشغول عنه بهذا البحث الذي استغرق فيه بكل حواسه ومشاعره وقوة إرادته .
لو عرف رجال الكهنوت ذلك في العصرين القديم والوسيط لأراحوا أنفسهم من هذا العناء الذى كابدوه ، وشفوا صدورهم من تلك الاضغان التي توارثوها ، وبرئت ايديهم من تلك الدماء التي اراقوها باسم الدين وفي سبيل المحافظة عليه بزعمهم من المارقين الخارجين عليه .
بل كان على رجال الكهنوت أن يعرفوا كذلك الفرق بين طبيعة العقل وطبيعة الدين . فأما العقل فهو كالجواد الطموح إذا نزع إلى التفكير مضى طويلا جدا فى هذا النزوع ، حتى إذا وجد أمامه عقبة تخطاها ، وإذا سمع إنذارا باضطهاد أو محنة سخر منه ، وإذا جمع له الخصوم نارا ليلقوه فيها رحب بذلك . وليس كل الناس على هذا الوجه ، وإنما الكثرة الغالية فيهم تميل إلى الكسل العقلي ، وتستجيب لداعى الهدوء واللمة والاستقرار . وإنماهذا النزر القليل من الناس هم الذين تنطبق عليهم تلك الأوصاف
وحذار حذار من هذه الطبقة القليلة إن صادفت ما يحول دون تقدمها ، أو يستخف مما تبذله للإنسانية من جهد . . !
وأما الدين فطريقه الوحيد إلى الناس هو (لإبحاء ) والعقل لا يبذل من نفسه أى جهد في تلقي الإيحاء ، فلا يلبث هذا العقل أن يصبح مملوءا بمعتقدات كثيرة ؛كانت قد تسللت إليه من الأجيال القديمة ، وكان لا بد له من ان يحتفظ بها صحيحة كانت هذه المعتقدات نفسها أم زائفة .
فالدين - كما نعلم ذلك من سياسة مكيافلى -
ضروري لقيام الجماعة والحكومة ؛ بل إن من الواجب أن ينتصر الحاكم للدين الذى يؤمن ببطلانه .
أجل - لو عرف رجال الكهنوت شيئا من هذا لبرئت ساحتهم من كثير من الآثام التي لطخوا بها صفحتهم ، وأساءوا بها إلى بيانتهم . فالديانة نفسها بريئة من عملهم ، لأنها سلكت إلي الناس طريقا سهلا - هو الإبحاء - حتى آمنوا بها ، ودخلت عليهم من باب رفيق بهم - هو القلب - حتى رضوا عنها ؛ ثم وقفت الديانة نفسها عند هذا الحد ؛ وتركت الناس أحرارا فيما وراءه . ولكن ليست معرفة رجال الكهنوت لذلك تعتبر نوعا من النضج العقل أو السمو الفكري ؟ نعم -
هو ذلك . فكان لا يمكن أن يتيسر لهم ذلك النضج العقلى حتى يمروا بطائفة من التجارب القاسية ، ويلاقوا احرار الفكر في معارك دامية ؛ يكون النصر المؤقت فيها لرجال الدين ، ويكون النصر الخالد فيها للأحرار الصابرين من المفكرين ؛ ذلك أن الأحرار يموتون ويقتلون ، ولكن لا تموت أفكارهم ولا تنسى أعمالهم . والغريب أن رجال الدين يفرحون بمايشربون من دماء اولئك المساكين ثم يستيقظ فيهم الضمير الإنسانى أو الدينى فيعودون على انفسهم أحيانا باللائمة ، وينظرون فإذا الدين الذي يرتكبون باسمه كل هذه الجرائم يقول لهم : ليس الذنب ذنبى فى كل ذلك أيها القوم ، لأنى إنما أمرتكم ألاتستعبدوا الناس ، بل تتركوهم أحرارا ، وتبلغوهم رسالانى ، فمن شاء منهم فليؤمن ، ومن شاء فليكفر .
أجل كان على رجال الكهنوت أن يفهموا مهمتهم على هذا النحو ، لولا هذه الظاهرة التي لاحظها رجال الفكر ؛ وهى أن عدم التسامح الدينى يتمشى طردا مع قوة العقيدة ؛ ومتى عظمت شوكة طبقة من طبقات الشعب استبدت دائما
بالأخرى . ومن هنا حدث هذا النزاع الطويل بين الدين والفلسفة ؛ وذلك على النحر الذي شرحه صديقى الأستاذ الدكتور توفيق الطويل في الكتاب الذي أقدمه الآن إلى القراء .
ولعل هذا الكتاب الأخير هو السابع في ترتيب الكتب التى أخرجها لنا الدكتور توفيق الطويل ، وأنا أخشى أن يوحى هذا الرقم إلى أذن القارئ أن الأستاذ المؤلف سريع الكتابة سريع التأليف ، لأنه لا يكلف نفسه عناء البحث العلمى المستقيم ، ولا يترك للبحث في يديه فرصة كافية حتى ينضج أو يقارب النضج ؛ وإلا فكيف تتسنى مثل هذه الغزارة العلمية لكاتب واحد فى سنوات قليلة جدا ؟
نعم - أخشى أن يوحى هذا الرقم إلى القارئ شيئا من ذلك ؟ إذ الواقع أن الدكتور توفيق الطويل هو الباحث المدقق الصبور فى كل كتاب أخرجه إلى يومنا هذا ، لم يكد يتغير فيه - عندى - غير شيئين ، هما عقله وقلمه . أما عقله فقد اكتسب على مر الآيام خصوبة ونفاذا في حل المشكلات العقلية ، قد لا يتيسران لمثله في مثل السن التى هو عليها . وأما قلمه فقد أصبح أكثر طواعية له من قبل . وآية ذلك انه يعالج اصعب الموضوعات الفلسفية وأدقها وأعمقها وأكثرها خفاء وغموضا على الناس ، فإذا هذه الموضوعات توشك أن تكون في سهولتها أشبه شئ بمقالات الصحف السيارة : وضوح أسلوب وسلاسة عبارة
فلك إذا أيها القارئ الكرم أن تستمتع بما يكتب الدكتور توفيق الطويل ، وأن تثق أنه لا يزال في ميدان البحث العلمى مجليا لم يكب له جواد ، ولا انقطاع طريق ، ولا نال منه كد ، ولا وقفت له حركة ، ولا أشبع شهوة البحث العلمى التى غلبت في نفسه على كل شئ .
والكتاب يعد عبارة عن ثمانية فصول ، عرض فيها المؤلف لقصة النزاع بين الدين والفلسفة منذا التفكير الفلسفى عند اليونان في العصور القديمة ، ثم منذ ظهور الدين المسيحى وقيامه وجها لوجه امام الفلسفة اليونانية في العصور الوسطى ؛ يسالمها حينا ، ويخاصمها أحيانا ، ويعرض الفلاسفة والمفكرين فى اثناء هذه الخصومة لأنواع من المحن تقشعر منها الجلود ، وتستذرف الدمع إشفاقا على أولئك المساكين من دعاة الحرية الفكرية ، وهم الذين أوذوا فى سبيلها ألوانا مختلفة من الإيذاء ؛ فمن نفى ، إلى تعذيب ، إلى مصادرة ، إلى قطع أرزاق ، حتى يتعرض العالم من العلماء إلى التسول ، إلى اتهام بالسحر او الجنون ،
أو الشعوذة ، إلى سجن ، إلى إعدام للأنفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق ، إلى غير ذلك من الأشياء التي أثارت الناس ضد الكنيسة ، حتى كان هيجو على حق حين صاح فيما بعد قائلا :
" نحن مع الدين على رجاله " !
ثم أتى عصر النهضة الأوربية ، واستطاعت أن تحرر العقول من قيود الدين ، وظهرت الدعوة إلى إحياء الأدب اليونانى القديم ، وظهر الاهتمام بالطبيعة والكشف عن أسرارها ، واتصل الأوربيون بالفلسفة الإسلامية ، وكانت هذه الفلسفة قد احتفظت بآراء أرسطو وغيره من المفكرين حتى سلمتها يومئذ إلى الأوربيين ، فبنوا عليها وعلى الأشياء التى أشرنا إليها نهضتهم ، ومرت الكنيسة بدور من ادوار الضيق الشديد ، وتعرضت للسخرية والاستخفاف من شتى الطبقات ، وعلا صوت العقل على صوت الوحي ، وقابلت الكنيسة المثل بالمثل ، فلما عاند العقل وكابر وطنت الكنيسة عزمها على اضطهاده ، بل افتراسه ، فكانت محاكم التفتيش التى نشأت قبل ذلك عنوان هذه الوحشية الآثمة ، فطاردت أحرار الفكر في العالم الكاثوليكي طولا وعرضا ، وأشاعت
الفزع فى رءوسهم يمينا وبسارا ، وتولتهم بعذاب أهونه السجن وآخره العذاب صنوفا وألوانا " .
وكان من الطرق التى سلكتها الكنيسة يومئذ إذاعتها قوائم للكتب المحرمة .
ثم لم تكد تشرق على العالم شمس العصر الحديث حتي وفق الناس إلي حل بسيط ، لعله قريب الشبه بذلك الحل الذى بدأنا به المقال ، وهو إمكان الجمع بين التدين والتفلسف . وربما كان ديكارت أول رائد من رواد هذا العصر ، فقد استبعد كل سلطة غير سلطة العقل ، ولكنه فى الوقت نفسه جعل العقيدة الدينية فوق متناول العقل .
وكان ذلك مبشرا بحدوث الهدنة بين الدين والفلسفة ، فساد الصفاء جو العلاقات بينهما إلي القرن الماضي ، لم يكد يشذ عن ذلك غير فواتير ومن إليه من طلائع الثورة الفرنسية ممن سخروا رجال الدين ، ولكن هؤلاء كانوا قد فقدوا قوتهم وعجزوا حتى عن الانتقام لأنفسهم وديانتهم من رجال الثورة .
أما في العالم الإسلامى فقد تعرض المفكرون الأحرار لشئ من هذه المحن التي تعرض لها أمثالهم في العالم المسيحى . ولكن من الحق أن يقال إن المتحرجين من المسلمين لم يصلوا في تعذيبهم احرار الفكر إلى الدرجة التى وصلت إليها الكنيسة ، إلا في مرات قليلة لا تذكر إلى جانب الاضطهاد المسيحى . يقول المؤلف : " إذا كانت سمحة الإسلام قد برئت من آثام غلاة المتعصبين من رجاله، فإن المسيحية - فيما يلوح لنا - غير مسئولة عن تاريخها الملطخ بالدم " .
فكأنه بذلك يوقع عبء الاضطهاد وتبعته على رؤوس رجال الدين ، وبيريء منها الدين نفسه ، وحسنا فعل ، فإنه لم يعد الحقيقة فيما ذهب إليه

