قرأت في العدد الثامن من الثقافة في باب « من أحسن ما يروى » مقطوعة للبارودي من قصيدة في سيرة رسول الله ، عارض بها قصيدة البوصيري ، ثم قال الأستاذ أحمد الزين إن قصيدة البوصيري في الرتبة الأولى والبارودي في الرتبة الثانية ، وشوقى فى الثالثة. وقف على هذا الكلام بقوله : ( ولأدع الآن الحديث إلى أن أجد بعد سمة فى الوقت فأتحدث عن هذه القصائد الثلاث حديثاً طويلا ، وأعقد موازنة دقيقة عادلة بينها » . ثم قرأت المقطوعة عدة مرات ورجعت إلى أبيات البوصيرى وشوق في ذلك المعنى نفسه ، محنت إلى كتابة ما عن لي بعد قراءة القصائد الثلاث . وربما خالفت الأستاذ أحمد الزين في رأيه الموجز الذى ذكره آنفاً . وإن أحب شيء إلى هو أن يصدق الأستاذ وعده ويعقد موازنة طويلة دقيقة عادلة وأسأل الله أن يفسح له في الوقت.
قال البوصيري
وما حوى الغار من خير ومن كرم
وكل طرف من الكفار عنه عمى
فالصدق في الغار والصديق لم يرما
وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على
خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
الدروع وعن عال من الأعلم
ذلك شعر سهل خفيف الوقع على الأذن عذب التلاوة
معتاد فطري يقرر حقيقة ثابتة ، خلو من الصورة الشعرية التي تأخذ بالآلباب وتستهوي الأفئدة ، وقد وصف البوصيري الغار بأنه ضم خيرا وكرما وصدقا . وأحلي ما فيه قوله :
" وقاية الله أغنت عن مضاعفة "
وما ذاك إلا لأنه في البيت يقرر حكمة خالدة تميل إليها النفوس ، وترتاح لها القلوب ، وتؤيدها العقول . ثم جاء شوقي وقال :
هل أبصروا الأثر الوضاء أم سمعوا
همس التسابيح والقرآن من أمم
وهل تمثل نسج العنكبوت لهم
كالغاب والحائمات الرعب كالرخم
فأدبروا ووجوه الأرض تلمهم
كباطل من جلال الحق منهزم
لولا بد الله بالجارين ما سلما
وعينه حول ذاك الركن لم يقم
تواريا بجناح الله واستترا
ومن يضم جناح الله لا يضم
هذا شعر بديع والاستفهام في أوله كساء جمالا ، وفي الحق انه استفهام بمعنى النفي ؛ فهم لم يبصروا ولم يسمعوا مع ما في الغار من سنا مشرق وخير عميم .
ثم ذكر شوقى نسج العنكبوت على فم الغار والحمام الذى عشش فوقه ، فى صورة من التشبيه الرائع الذى لم يهتد إليه البوصيرى، فهو يقول : إن العنكبوت الذي ضرب الله به المثل فى الوهن تمثل للكفار غابا ، وإن الحمام الوادع الهادي شبه لهم بجوارح الطير وصواريه ؛ فهو أقوى وأحلى من قول البوصيري : « ظنوا الحام وظنوا المتكبوت » ، يقول بعد : ( فأدروا ووجوه الأرض تلعنهم » الخ.
وهنا يذكر شوقى في صورة أخاذة ، أنهم ارتدوا على أعقابهم خاسرين خائبين ، الأرض ومن عليها تلعنهم ، وشبههم مهزومين بالباطل الذى قذف عليه بالحق قدمته ، وبين ما للحق من قوة وجلال . وهذا ما لم يرد على ذهن البوصيري
ثم يقول شوقى : « لولايد الله بالجارين ما سلما» الخ ، فذكر يد الله ونعمته على الجارين ، وأن عنايته لازمهما وحرسهما متيقظة ، وأنهما استرا ولاذا بكتف الله ، وأوبا إلى ركنه الشديد والبيتان عندا أروع وأفعل من بيت البوصيري ثم جاء البارودي فقال :
وجاءه الوحي إيذائا بهجرته
فيعم الغار بالصديق في القسم (١)
فافتتح قصته وهجرته بالوحي الذي نزل عليه مصداقا لقوله تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك » ، وبين أنه ولى وجهه شطر الغار يصحبه الصديق أبو بكر ، وباء المصاحبة أظهرت أبا بكر رفيقاً صديقاً مطيعاً كرتا :
فما استقر به حتى تبوأه
من الحمائم زوج بارع الرتم ( ٢ )
وما وطئت أقدامهما الغار حتى آوى إليه زوج من الحام رقيق الصوت. وهنا يأخذ البارودى فى وصف هذا الزوج من الحمام وصفاً رائعاً جيلا في صورة من الشعر في أغلب العلن ما جادت مثلها قريحة شاعر ، فهو يقول :
بني به عشه واحتله سكنا
يأوي إليه غداة الريح والرهم ( ٢ )
بين ان الحمام استقر بالعش واحتله ، وانه كان يأوي إليه إذا هبت الريح او امطرت السماء لا خوة على نفسه ، ولكن حمى لمن فيه ورعاية ووفاء لهما :
إلفان ما جمع المقدار بينهما إلا لسر بصدر الغار مكتتم
وجميل عندنا أن يعزو السبب في ألفة الزوج ومحبته لسر عظيم وأمر خطير ، ففي الغار ينبوع الهداية ومبعث النور العميم :
كلاهما ديدان فوق مربأه يرعي المسالك عن بعد ولم ينم
إن حن هذا غراما أو دعا طربا
باسم الهديل أجابت تلك بالنغم
وتشبيه الحامتين بالديدان خيال بديع موفق والديديان فوق مرتفع حتى لا يعرب عنه شيء ، فهو ديدبان يقظ يرعى الطرق كلها والمسالك لا يأخذه .نوم. وكل لفظ فى هذا البيت يحوى من الجمال والبهاء ما تقصر عن وصفه الأفهام :
يخالها من يراها وهي جاثمة .
في وكرها كرة ملساء من أدم
تشبيه الحمامة وهي جاثمة في عشها بكرة ناعمة من جلد تشبيه طريف حديث ، وهو من التشبيهات العقم علي حد تعبير علماء البيان :
ان رفرفت سكنت ظلا وإن هبطت
روت قليل الصدى من حائر تشييم
مرقومة الجيد من مسك وغالية
مخضوبة الساق والكفين بالعلم
شبه طوق الحمامة حول جيدها من ريشها بلون المسك والغالية في السواد ، وشبه لون ساقيها وكفيها بلون الغنم في الحمرة. وقد استرسل البارودى فى وصف الحمام ، بانياً منه أليفا وديدي نا يقظا حنونا طروبا حائماً طائراً مر فرقا ها بطا محلقا مرقوم الجيد مخضوب الساق والكفين ، وهو استقصاء خفيف ما ترك فيه وصفاً حالياً للحمام إلا ذكره، لما قدمه من خدمة وما أسداه من نعمة ، وماله من منزلة ، وما ناله من شرف. ثم انتقل البارودى إلى العنكبوت :
وسجف العنكبوت الغار مختفيا
بخيمة حاكمها من ابدع الخيم
البيت كله حسن و جمال . فالعنكبوت قد ستر الغار ستراً ما ترك فيه ثقباً، وألح في ستره وبالغ في ذلك مختفياً ، وصنع خيمة نسجها أبدع نسج :
قد شد اطنابها فاستحكمت ورست
بالأرض لكنها قامت بلا دعم
لم يفت العنكبوت أن ثبت دعائم خيمته حتى لا تعبث بها الريح رخاء أو هوجاء ، فشد حبالها وأرساها ، لكن بلا محمد، وهذا نوع من حسن الصنعة التي وفق إليها العنكبوت ، حتى صارت خيمة عجيبة ممتازة قال فيها :
كأنها سابري حاكمها لبق
بأرض سابور في بحبوحة العجم
شبه الخيمة في نسجها وحسن صنعها بثوب رقيق صانعة صناع بأرض العجم ؛
وارت فم الغار عن عين تلم به
فصار يحكي خفاء وجه ملتم
هذه الخيمة نسجت على فم الغار فا كنته حتى خفي علي العيون ، ودق على الابصار حتى اشبه وجه ملتم وهو تشبيه جميل
فياله من ستار دونه قمر
يجلو البصائر من ظلم ومن ظلم
وهنا يصرح البارودي بما أخفاه البوصيري في قوله : " وما حوي الغار من خير ومن ثرم " وما ذكره شوقي بقوله : " هل أبصروا الآثر الوضاء ؟ " .
ولكن البارودى يفوق سابقه ولاحقه ، فهو يقول : ما أعظم هذا الستار ولله دره ، فتحته قمر منیر ، زيل الظلام والظلم ، فهو جلاء ونور القلوب والعيون. وجمه الظلم والفلكم إنجاز طريف ، وتركيب البيت فى أوله مدح مزدوج ، فالستر له جلال ووقار ، لأنه ستر خير الناس قاطبة ، وتحته قمريضى للناس الطريق، فيهدى الضالين ، ويرفع الظلم عن المظلومين. ثم قال :
يظل فيها رسول الله معتكفا
كالدر في البحر أو كالشمس في الغم
شبه رسول الله معتكفا في الخيمة او في الغار بلؤلؤ مكنون ودر مدفون ، وبالشمس غطتها قطع متفرقة من السحاب ، وهو تشبيه معتاد مألوف عند الشعراء :
حتى إذا سكن الإرجاف واحترقت
أكباد قوم بنار اليأس والوغم
أوحى الرسول بإعداد الرحيل إلى
من عنده السر من خل ومن حشم
وسار بعد ثلاث من مباءته
يوم طيبة مأوى كل معتصم
ولم يزل سائراً آناف على
أعلام طيبة ذات المنظر المهم
يوم به أرخ الإسلام غره
وأدرك الدين فيه ذروة النجم
في هذا الشعر يذكر البارودي أن الكفار بحثوا ثم يئسوا وتفتت أكبادهم حقداً وضعتاً على رسول الله ورقيقه ، إذا ما سكنت الفتنة ، وانقطعت الأخبار، وانقشعت الغيوم ، أوحى الرسول إلى أبي بكر بإعداد العدة للسفر، أوحى إلى خليله ، وموضع سره ونجواه ، ثم اتجها نحو طيبة ملجأ الخائف ، وملاذ المائد. سارا حتى بلقاها في يوم ابتدأ عن الإسلام ونصره، وظهر أمره وذاع خبره ، وأرخ بذلك عمر التاريخ الهجرى الذى محا كل تاريخ ، وأدرك الدين بدخول صاحبه المدينة مناط النجوم
والبارودى فيما يختص بهجرة الرسول ، استرسل في وصف حمامتيه وعنكبوته وصفاً شعرياً محبوباً بالغاً في خياله مبلغاً لا يسامى . وإغفال البوصيري وشوقي وإيجازها ، وتطويل البارودي و بداعته وبراعته ، وإتيانه بما ذكرت من تشبيهات عقم ومعان رائعة ، جعل الشعره المذكور قيمة فنية حية ، وروعة قوية ، وجعل الحمامتيه منزلة بين الحجام. وبيت العنكبوت الذي قال الله فيه : ( وإن أوهن البيوت لبيت المتكبوت» جمله البارودى أقوى من كل قصر مشيد وعندى أن استقصاء البارودي و استرساله في وصف الحام رجع إلى أنه قضى شطراً من حياته شريداً طريداً منفياً
غريباً، والغريب يحن إلى إلف يجازيه فضل حديث ، أو خل يرعى له عهداً ، ويحفظ وداً ، فإذا عن ذلك عليه وافتقده طلب من الحام أليفاً ، ومن الطير أنيساً ، فصار حبه للحمام عادة مألوفة ، فجرى ذكره على لسانه عذباً سائقاً . وأما حسن صناعته ، وجيل وصفه لبيت العنكبوت، فلأنه ستر الرسول وله قدره العظم
والبارودى خياله موفق كل التوفيق، وشعره جيد كل الجودة. وقد ذكرت من ذلك ما أوحاه إلى الخاطر ، فإن أكن قد وفقت ، فالخير للقراء أردت ، والثواب من الله سألت ، والشفاعة من المصطق وحوت ، وإن تكن الثانية فحسى أننى باحث مجتهد .

