لم يكن من بد أن نكتب عن باريس الصغيرة بعد أن لحق بشقيقتها الكبرى ما لحق من نكد الحياة، وعنت الزمان، ما جعلها تشيع زمان اللهو والغفلة، وتستقبل زمان الجد والحذر والحرص، وبعد أن نالها هي الأخرى أو كاد أن ينالها ما نال أختا لها من قبل فتكاتفت عليها أزمات السياسة، وضائقات الحرب، ونكبات الطبيعة؛ وآن لهذه الوجوه التي لم تتقبض أسرتها إلا من الضحك أن تتقبض يوما من الجد والحزن والتفكير. . . وإذا كانت باريس قد لقيت من أقلام المحبين والمعجبين والمحتفين بها الكثير من كلمات الرثاء والعزاء والذكر، فلا أقل من أن نشيع الشقيقة الصغرى بكلمة أو كلمتين
وباريس الصغيرة، أو باريس شرق أوربا كما أصطلح على تسميتها عارفو الباريسين هي مدينة بوخارست حاضرة رومانيا، وليس في هذا الاسم إغراق أو مغالاة، فبين المدينتين تشابه كثير، فأحياء بوخارست الجديدة تشبه أحياء باريس، وحياة
اللهو والمجون في بوخارست تعدل حياة اللهو والمجون في باريس أو هي تزيد عليه، ونساء بوخارست متحررات عابثات كنساء باريس مولعات بتقليد الباريسيات في التأنق والتجمل إلى حد بعيد، وإن كن أجمل منهن وآنق. وكما أن باريس هي مدينة المرح والحياة ومحظ آمال الشباب في غرب أوربا، فبوخارست هي مدينة المرح والحياة ومحط آمال الشباب في شرقها. وإذا كان شباب أوربا يستقبل الموت اليوم في محور (روما برلين) فقد استقبل الحياة من قبل في محور باريس بوخارست. . . حتى نهاية المدينتين - يشاء القدر أن تكون متشابهة ـ فكما تعتز المرأة الجميلة بشبابها وجمالها وتحرص على صيانته، وتحذر أن يمسه سوء، كان ما فعلت الباريسيات، فسلمتا طائعتين مختارتين حذر أن يمس جمالها من الحرب سوء، أو يناله في الدفاع أذى.
هبطت مدينة بوخارست من عام وبعض عام، وكنت قبل سفري تتناثر حولي عن عبثها ومجونها أقوال أصدقاء لي زاروها من قبل، فلم أكن ألقى إليهم أذنا صاغية، وأحسب أن بكلامهم الكثير من مبالغات الشباب وخياله. ثم حدثتني عنها أديبة بولندية قابلتها في أثينا، فكنت أيضا كثير الشك في كلامها، وكان يعزز هذا الشك في رأسي أن بوخارست - وإن كانت مدينة أوربية - إلا أنها أقرب إلى الشرق منها إلى الغرب، فليس ثمة ما يجعلها تختلف عن نظيراتها من مدن شرق أوربا كاستنبول وأثينا وصوفيا. فلما ركبت القطار من ميناء كونسنتزا - وهي مرفأ روماني - في طريقي إلى بوخارست، حدث ماجعلني أصدق ثم أصدق ما قيل، بل حدث ما جعلني أرى أن فيما سمعته عن هذه البلاد الكثير من القصد والإيجاز، لا المبالغة والإغراق
كان القطار مزدحما فوقفت في الممشى أتلهى بالنظر من النافذة، ثم أخذت أذني في أقصى الممشى ضجة، فتلفت فإذا شاب بدا لي من وجهة أنه تركي - مقبل على وقد تحلقت به خمس فتيات - أستغفر الله - بل خمس فاتنات، إي والله خمس - وهو يسير بينهن في هيئة العروس أحاطت بها وصيفات الشرف، يجذب هذه، ويقبًل تلك، ويعانق الثالثة، وهن يتضاحكن من حوله، ويتجاذبنه من سترته! فلما بلغني هذا
الموكب المرح، حيًاني الشاب ضاحكا، وجعلت الفتيات يحدقن في وجهي طويلا ثم قالت إحداهن: - هذا تركي آخر قالت أخرى: - بل هو مصري وقالت ثالثة ضاحكة: - أما تجيب أيها التمثال؟ ثم تضاحكن وانصرفن عني ضاحكات
بمثل هذا العبث والمرح تقابلك الفتاة الرومانية، فهي دائما باسمة مرحة، تغازلك إذا لم تغازلها، وترميك بالجمود إذا لم تسايرها في مرحها. وحسبك أن تعلم أن أول ما يتعلًمه الأجنبي في بوخارست من اللغة الرومانية - وهي لغة تشبه الإيطالية إلى حد - هي كلمات : "جميلة. إلى أين يا فتاة. ما هذا الجمال النادر" وما شا كل ذلك من كلمات المعابثة والمغازلة. وكثيرا ما كنت أخطيء في نطق هذه الكلمات فكانت تصحح لي النطق بها من أعابثها من الفتيات فتقول لي مثلا: (فورمواسا (أي جميلة) وليس فورموزا. انطقها هكذا فورمواسا بحرف(S) إنك لا تحسن النطق. اصحبني لأعلمك)
فإذا بدا لك أن تكون رجل جدً واتزان، أخذن يثرنك ويغازلنك، ويتشبثن بأذيالك أينما رحت، بل يمسكن بك في الطريق، فإذا ألطفت بإحداهن ودعوتها إلى نزهة أو طعام لبتك طائعة دون روية أو تريث أو تفكير، وسايرتك في كل ما ترغب، فهي سهلة القياد لا تعرف المعارضة!
وفتاة بوخارست اجتماعية بكل ما تحتمل الكلمة من معنى. قلما تراها تسير وحيدة، فإذا لم تجد من تنازله زاملت من تصادفه في الطريق. وهي في ذلك تتخير أتفه الأسباب للتعرف، ثم تضع يدها في يدك، وتطرح التكلف والملاينة جانبا، وكأنها تعرفك من سنين. . . حدث مرة أن كنت جالسا في مقهى في شارع اليزابيتا، فدنت مني فتاة جميلة، ثم سألتني إن كنت مصريا، فلما أجبتها بالإيجاب أخرجت ورقة وقلما وسألتني أن أكتب لها اسمها باللغة الهيرغليفية. فقلت لها: (إنها لغة قدماء المصريين وقد اندثرت، ولغتنا الآن هي العربية) فقالت:
(إذن فلتكتب اسمي بالعربية) فكتبته لها، ولكنها بدل أن تنصرف جعلت تتعجب من الخط، فلم أجد بدا من دعوتها للجلوس فأسرعت بالقبول ولم تقم حتى دعوتها للعشاء في اليوم التالي. . . ومثل ذلك يحدث للمرء مرات عدة في بوخارست
ومن الفتيات من لا تتحرى هذه المقدمات، فتراها تقابلك وتبدؤك بالسلام، والسؤال عنك وأين أنت يا أخي، أو هي تجذبك بيدها، أو تخطف قبعتك، أو تقبلك، أو تعانقك. كل ذلك دون أن يكون لك بها سابق عهد! والعجب في هذا أنها تفعل كل ذلك في بساطة ودون استحياء. وأعجب منه أن هذا العمل لا يلفت أنظار المارة، على الرغم مما لا حظته من فضول الرومانيين العجيب. . . فقلما تخرج من جيبك صورة أو خطابا في الطريق دون أن يشاركك في النظر إليها أو قراءته من حولك، ومن ليسوا حولك. بل أكثر من ذلك فإنهم يبدون لك ملاحظاتهم، فيقول أحدهم مثلا: (لو وسدت رأسك كفك في الصورة لكان أفضل) أو: (لو كانت الصورة على مسافة أبعد لكانت أوضح من ذلك) أو: (هذا الخطاب مكتوب بخط عجيب) . . . إلى غير ذلك من الملاحظات التي لا تنتهي إلا بإخفاء ما في يدك عن نواظرهم.
وعلى الرغم من هذا الفضول العجيب فقلما يلتفت إليك مار وأنت تعانق فتاة أو تغازلها ولو كنت في جمع حافل من الناس لكثرة ما أخذت عيونهم مثل هذا المنظر. وقد حدث لي في أول ليالي ببوخارست أن كنت أتناول العشاء في مطعم مع صديق مصري وصديقة رومانية؛ وكانت معي بعض صور لأهرام الجيزة فرغبت الفتاة في واحدة منها، فقال صديقي معابثا: (وكم تدفعين ثمنا لهذه الصورة؟) فقالت: (ما يطلب) فقال ضاحكا: (إنه يقنع بقبلة أو قبلتين، وإن كانت الصورة ثمينة جداّ) فقالت: (إذن فليفعل) فقال: (ليس أمام كل هؤلاء الناس) فقالت: (وما شأنهم في ذلك ؟) . ثم قامت فقبلته وقبلتني، فأخذني الخجل، وجعلت لا أتلفت حولي خشية أن تأخذني الأنظار من كل جانب فتزيد في خجلي، ولكن لشد ما كانت دهشتي حين تلفتً فلم أجد أحدا أعار ما حدث أي اهتمام، بل وجدت كل من حولي يفعل ما نفعل!
ومثل هذه الحال من المجون والاستهتار كان لها أثر بالغ في حياة أطفالهم، وصغار الفتيات، ما كن يترامين علينا في أوقات متأخرة من الليل
والظاهر أن هذا الانحلال الأخلاقي في رومانيا، مرجعه الحروب المتلاحقة التي تقلبت عليها فأفنت رجالها، ثم خلفتها وعدد نسائها أكبر من عدد الرجال، وهؤلاء الرجال - على قلتهم - منصرفون عن النساء لكثرة عددهن، وسهولة منالهن، لذلك نرى رجال رومانيا وشبانها مدللين متراخين قليلي الغيرة على جانب غير قليل من الطراوة والضعف والتهاون مع نسائهم: فالفتاة في بوخارست. قد تسهر معك إلى الثانية عشرة، أو الواحدة صباحا، ويستأذن أخوها أو قريبها لينصرف، وهو يقول لكما مبتسما: أرجو لكما وقتا طيبا، أو سهرة موفقة، أو شيئا من ذلك. ثم ينصرف لشأنه
وفتاة بوخارست فوق ذلك من أجمل نساء العالم وجها وجسما ومن أكثرهن تحررا، فهي تساير نزواتها وأهوائها إلى أبعد الحدود، لا تخشى في ذلك لومة لائم، أو كلمة رجل؛ ثم هى ساذجة مطواع طيبة القلب، تصارحك بكل شئونها ولو لم تقابلها إلا مرة واحدة، وهى بعد ذلك وفية كل الوفاء
والحدائق في بوخارست، هي مستراد الشباب، وميدان الغزل، وملاذ الهوى، يقصدها القوم جميعا قبيل الغروب. والمدينة غنية بحدائقها فقد وهبها الله موقعا طبيعيا غنيا بالبحيرات الطبيعية، فأنشأوا حولها الحدائق، ونموا الخمائل والأشجار والخضرة؛ ففي وسط المدينة تقع حديقة (تشيشميجوCismigiu وبأطرافها تقع حدائق كارول الثاني على شواطىء بحيرة هيراستراو Herastrau وحديقة تي Tei على شواطىء بحيرة Tei وحديقة البوتانيك Gradina Botanic وحديقة كارول الأول وتتوسطها بحيرة طبيعية جميلة. . . وغيرها. . .
وكل هذه الحدائق آية في الجمال والتنسيق والموقع. ولن أنسى أمسية قضيتها في مطعم أنيق في حديقة كارول الثاني يطل على البحيرة، وقد انعكست أضواؤه على صفحتها الهادئة، وانتثرت بها الزوارق البخارية ذات الأضواء الملونة، وهى تتخطر
في هينة ورفق على أنغام الموسيقى. . . منظر جعل يجذبني إلى هذا المكان كل مساء
وفي حديقة كارول الأول بحيرة طبيعية، يقع على شاطئها مسجد شرقي آية في الجمال والفن؛ فإذا أقبل المساء انسابت الزوارق إلى عرض البحيرة، وعلى كل زورق عاشقان، جمعهما الهوى، وأظلهما الظلام، وأغرتهما هدأة الليل الجميل، فذهبا يتناقلان الحديث، ويتشاكيان الهوى، ويتبادلان العناق؛ فأنت لا تسمع أينما أدرت أذنيك إلا همسات الغزل، وأصوات القبل، وخفقات المجاديف قد اختلطت بضحكات النساء
وعلى مقربة من المدينة تقع غابة (بانيسا) Baneasa وهي غابة صغيرة جميلة كانت لنا فيها جولات نذكرها بالخير، وعلى أميال منها بحيرة سناجوف Snagov في موقعها الطبيعي الساحر، وهي أروع ما وقع عليه نظري في هذه البلاد
ولا أود أن أختم القول قبل أن أشير إلى رخص تكاليف المعيشة في بوخارست إلى حد لا يتصوره العقل، ولا يصدقه إلا من زارها، ويرجع ذلك إلى فقر البلاد، وانخفاض سعر (اللي) Lei - وحدة العملة الرومانية- انخفاضاّ كبيراّ. وحسبك أن تعلم أن ما ينفقه الإنسان في القاهرة في يوم، يكفيه في بوخارست ثلاثة أو أربعة أيام على الرغم من كونها بلادا أجنبية غريبة عليه. وأرخص ما في المدينة الطعام ولا سيما اللحم - فالبلاد بلاد سهول ومراعي- وهم في طعامهم أقرب إلى الشرقيين منهم إلى الغربيين. ولعل ذلك يرجع إلى عهد الأستعمار التركي. وأظهر مشروبهم البيرة والنبيذ والسويكا - وهو الشراب الوطني للبلاد- وقلما تخلو مائدة من إحداها
هذه هي بوخارست أو باريس الصغيرة كما يسمونها، مدينة المرح والحياة والجمال. وهذا بعض حقها على، وإنه ليعز على وعلى عارفيها ما نالها من محنة، ولنا فيها ذكريات وأصدقاء وأحباب، خفف الله عنها وعنهم، وأجمل لهم العزاء
(القاهرة)

