" . ولكن هي الدنيا لابد أن تسير " كما قال لورد كليرن في تعزيته الموجهة لدولة النقراشي باشا عن مقتل صديقه ورئيسة المنفور له الدكتور أحمد باشا ماهر " ولا يجوز أن ينهينا المصاب الفادح عن اداء واجباتنا " كما قال النقراشي باشا نفسه في تأمين الحكومة للفقيد في مجلس النواب
صدقني انني لم استطيع ان اكتب اليك طيلة هذه الأيام الماضية لاني كان يجب ان اواجه هذه الحقيقة المرة فأرتي لك احمد باهر ، وانا لا اريد ان اعترف بهذه الحقيقة أوأواجهها واسجل اعترافي بها علي الورق بخطى فلا استطيع بعد ذلك المهاراة فيها !
ما أضعفنا نحن البشر وأحقر قدرتنا بل وأحقر تفكيرنا ! إنما لا نخاف المحسوسات وحدها ، بل نخاف الحقائق ، بل نخاف التسليم بالحقائق التي بلغت غاية التحقق ولم تعد تحتمل أقل شك . . حقيقة الموت نفسها . فنسير في الجناز ونقرأ المرائي ونتبادل التعازي ومع ذلك نفر من مواجهة الواقع ونتحامى أن نكتب سطورا تذكر فيها أن الموت قد وقع ، كما نحن ننشئ الموت لا تقرره وتحدث العدم لا تذكره . أطفال نحن ما عشنا نلاحقنا الطفولة بل تطالعنا لأنها مستقرة فينا ، وهكذا رأيت نفس رأيت هذا الكهل الذي أوشك أن يبلغ السابعة والثلاثين في حالة الطفل الذي لم يودع السابعة يوم مات عمي محمد وحضرت مقدمات موته وسمعت حشرجته القاسية وانا أسأل عنها ملكة " فلا تنجيب ، ولا افهم الا ان أمي قد تركتني وأخي إبراهيم في رعايتها وهبطت إلي الدور الآخر ، ثم أسمع الصراخ وأعرف أن عمي قد مات وأشهد في الصبح الشموع التي أقرتها الجدة التأكل حين رفضت أن تجيز عزف الموسيقى في الجناز ، فان الشموع لا بأس بها ،
أما الموسيقى والصراخ الذي يعلو فوق رتبة البكاء فإثم يعذب به الميت في قبره . وأشاهد في العصر صفوف المشيعين تتبع النعش وأري تلامذة مدرستي الصغار فتيانا وفتيات يحملون هذه الشموع ، ولكني مع ذلك لا انقض يدي من الامل بل اضم عليه صدري فيدفئه ظن يكاد يكون يقينا بأن عمي سيعود قريبا إلى المنزل فأجتلي طلعته واسمع عنه دعابته ويؤنس أذني وروحي بمناجاته الدينية الشعرية العذبة التي لم اكن افهم منها شيئا ولكن روحي كانت تفهمها وتلتذها جميعا !
هكذا كان شأني في مصاب أحمد ماهر بعد ثلاثين عاما . وهكذا كان الطفل ابا الرجل وإبا الكهل بل ابا الشيخ أيضا ، لأنهم جميعا يننتظمهم شئ واحد هو الضعف الانساني المسكين !
الضعف الإنساني الذي ما قلت الحوادث تكشف عنه والذي يكشفه هذا الحادث الدموي بأجلى بيان ، يكشفه في القتيل كما يكشفه في القاتل ؛ فهذا أحمد ماهر العظيم يخطو إلى المجد خطواته الوثيقة ويكاد يشارف الذروة وينتزع الإعجاب والمدح حتي من مخالفيه بل من خصومه ومناوثيه ، وتزداد أخلاقه العليا المتينة ظهورا يوما بعد يوم ، ويتجرد للمعاني السامية حتى يكاد بنسي الصغائر ويكاد الناس ينسون معه الصغائر وتنعكس فضائل نفسه على بدنه فيقول من رأوه يوم مصرعه إنه لم يكن قط أبيهي منظرا ولا أحلي ابتسامة ولا أكثر أحمرار ولا أشد امتلاء برأيه واطمئننا إلي عمله ؛ نعم ويبلغ هذا المدى ليشرف علي غايته ويبلغ الكتاب أجله ، فإذا تقدم إليه القائل بغدره ظنه يتقدم إليه ليصالحه ، فيبسط إليه بدء بالسلام ليبسط إليه الغادر مسدسه بالموت وليضرب منه الرأس والقلب ، وقد كان الرجل رأسه وقلبه ، رأسه القوي وقلبه الأبيض السمح الوفي ، كأنما خنق عليه أقوى مزاياه وصوب إليهما غدره كله لينتقم منهما وليستوثق من الموت ، فان يد الاسعاف قد عجزت أن تصنع شيئا بعد أن أصيب الرأس وأصيب القلب فنزفا
بالتجيع الأحمر لتسجل بقع الدم سطورا كثيرة ، لتسجل على البشرية ضعفها ان كان هذا الضعف يحتاج إلى تسجبل جديد ، ولتسجل للرجل الكبير حقه في اجر الشهادة ، ولتسجل المصريين او عليهم ان فيهم من يخرب بيوتهم وينقض عزلهم من بعد قوة ، ويساعد الزمن ضدهم ويمهد للاستبداد الآثم فيهم يوم يقول القائل : هكذا كانت نتائج الحرية وكان الموت جزاء الرجل الذي باء بالسخط أو الانتقاد من كثيرين بين أنصاره لأنه اصطنع الهوادة والتسامح واطلق الحرية من عفالها وأمن يبني وطنه وبسط لقاتليه يده بالسلام .
لست أريد أن اكون كالمجائز قعيدات الاركان
أندب وأقول : لقد طالما قلت وخشيت ، لقد طالما حذرت من الفرور في الشباب ومن فوضى المعايير في وزن أقدار النفس وأقدار الغير . لقد طالما أوجت من الإسراف في دعابات الإصلاح بطريقة زرعت التذمر في النفوس وشلت حكمة العقول ! . . ولكني اخجل حقا من استغل الحادث لخدمة آرائي التي أؤمن بها ولا تزيدني الحوادث غير إيمان بها . إن احمد ماهر ! كبر من هذا وإن مصاب الوطن فيه أعظم !
ولكني أستعير منك رثاءك لرميك الجراحى ، وأهتف بصوت حببس باسم كتابك المومود بأشهيد " .

