الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 472الرجوع إلى "الرسالة"

باي تونس الجديد

Share

قست الحوادث على الصحف المصرية فشغلتها عن وصف  ما وقع في تونس الخضراء بموت الباي السابق وقيام الباي  الجديد، فرأيت أن أكتب كلمة وجيزة أشرح بها لقراء    (الرسالة)  جانباً من حياة اليوم في ذلك القُطر الشقيق، نقلاً  عما وعته أُذناي من إذاعة تونس العربية، وهو يصور بعض  خواطر الناس هناك

الباي الجديد اسمه (محمد المنصف) ولقبه (المنصور بالله)   وكان أبوه يلقَّب بالناصر،   (ومن كان أبوه الناصر فهو المنصور)   كما قال أحد خطبائهم في الاحتفال الذي أقيم بقاعة العرش

وسياق الخطب والقصائد يجعل الباي   (صاحب الجلالة الملك)   وهذا اتجاهٌ جديد فيما أفترض، وإن كان لقب   (الباي)  قد  احتفظ بقدسيته في الأغاني والأناشيد

ويظهر بوضوح وجلاء أن نظام   (البيعة)  روعيت أصوله  من الوجهة الشكلية، فالباي ورث أباه على العرش، ومع ذلك  رأى التونسيون أن يقيموا البيعة بعد توليته بأيام، رعاية  للتقاليد الإسلامية، وإن كان الأصل أن تكون البيعة أسبق  من الولاية، لأنها بمثابة الترشيح الذي يسبق الانتخاب،  وإلا فهي ضربٌ من المُلك العَضُوض

والطريف في هذه القضية أن المبايعين يفِدون من أسبوع  إلى أسبوع بنظام وترتيب، فيكون لكل إقليم يوم، ويكون  المبايعون من أعيان البلاد في الإقليم، البلاد التي لها شأن  في القديم والحديث، وهذا المعنى يشار إليه في الخطب والقصائد  بإجمال، ولكنه يذاع على الجمهور بالتفصيل. ولو كانت لنا سياسة  عربية صريحة لرأت الإذاعة المصرية أن تسجل ما روته الإذاعة  التونسية في هذا الموضوع، ففيه تفاصيل عن الأقاليم التونسية  تستحق التسجيل. ولكن أين من يسمع؟!

ومما يجب النص عليه أن الخطب والقصائد التي ألقيت

في المبايعة تمتاز بميزتين: الأولى سلامة اللغة من اللحن  والتحريف، وذلك يشهد بأصالة العروبة هنالك الميزة الثانية هي الحرص على القومية الإسلامية.

فأكثر الخطب تُختم بعبارة دينية لطيفة، كأن يقول هذا  الخطيب:   (جعل الله غرر أيامك لائحة، بِسرّ الفاتحة) ،  وكأن يقول ذلك الخطيب:   (حفظك الله في الذهاب والإياب، بجاه  النبيّ الأوّاب، وبسرّ فاتحة الكتاب) ، وقد التفتّ إلى كلمة    (سرّ الفاتحة)  فوجدتها وردت في جميع خُطب المبايعين.

وغنَّى المغني في تهنئة الباي قصيدةً حفظتُ منها هذين البيتين: أضاءت بك   (الخَضْرا)  فأشرق نورُها

                       فأنت عماد الدين ليس يزول

مددتَ علي الإسلام أكناف نِعمةٍ

                    بأعطافها ظلٌ عليه ظليلُ

والخضراء لقب تونس، وبه توصف في الأشعار الشعبية  المنظومة على لسان الزناتي خليفة وأبي زيد الهلالي. وهما شخصان  حقيقيّان، لا خرافيان كما يتوهم جماعة من الخلائق

وإنما نصصت على الناحية الإسلامية، لأن الإسلام في تونس  كان أكبر عقبة في طريق الاحتلال الفرنسي. ومع ذلك  أن حكومة باريس كانت رأت تشجيع التونسيين على التجنس  بالجنسية الفرنسية ليصيروا إلى ما صار إليه الجزائريون، فقرر  أهل تونس أن من تجنس بالجنسية الفرنسية فلا يجوز دفنه في مقابر  المسلمين، وبهذا صار الخروج على الجنسية التونسية بمثابة الخروج  على الدين الحنيف.

وبالرغم من الدعايات الأجنبية في تونس فقد ظل التونسيون  غاية في الوفاء بالعهد للعروبة والإسلام، وتلك مزية يشاطرهم  فيها اللوبيون والجزائريون والمراكشيون، مع اختلاف قليل  في لون العصبية قضت به ظروف لا تخفى على اللبيب. وإذا تذكرنا أن فتح الأندلس يرجع في الأغلب إلى شهامة  العرب في أفريقيا الشمالية أدركنا قيمة تلك البقاع في الحيوية  العربية والإسلامية، ولن يمر زمن طويل قبل أن يكون لأولئك  الأقوام تاريخ جديد.

وإذا تذكرنا أن   (البحر الشامي)  كما يسميه التاريخ العربي

وهو الذي يسمَّى خطأً   (بحر الروم)  والذي أسميه   (بحر العرب)   إذا تذكرنا أن هذا البحر خدم العروبة والإسلام بفضل أبنائه  من المصريين والفلسطينيين واللبنانيين عرفنا أنه لن يستغني عن  خدمات أبنائه من اللوبيين والجزائريين والتونسيين والمراكشيين،  وما أحسبه سيسكت عن ضياع لبنان الثاني وهو الأندلس،  وستعرفون صدق هذه النبوءة بعد أزمان قصار لا طوال.

وقُل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)

اشترك في نشرتنا البريدية