يشغل تعليم الشعب عقول المفكرين في العصور الحديثة ، لأن التجربة قد برهنت على أن التعليم العام الذي تكفله الدول للملايين من أهلها لا يؤدي إلي ما ترجوه من التقدم في الحضارة والتفكير وأساليب الحياة . حقا أن الشعوب في مجموعها تستفيد فائدة عظمي من تعميم التعليم الاولي في كل صفوفها ، وحقا أن الحياة الاجتماعية والفكرية اليوم أعلى في جميع الشعوب المتمدينة مما كانت عليه منذ قرن ؛
ولكن الحياة في تطور مستمر ، وإذا لم يساير التعليم حركة المتطور وقفت المدنية عند حد محدود ، وصارت مهددة بالتخلف عن تيار التقدم المستمر
ولذلك تهتم البلاد المتمدينة بأن تلقح نظم التعليم العام بها ، وتطعم شعوبها بجهود متواصلة لتبعث فيها الحركة إلي الأمام دائما . ومن الأمور التي اتجهت إليها عناية المفكرين مسألة جوهرية لها اعظم الخطر في حياة الشعوب ؛
وذلك أن الملايين الذين يستفيدون بالتعليم العام الإجباري يخرجون إلي الحياة ويضربون باسهمهم في جهادها ، سواء أكان ذلك في الصناعة ، أم في التجارة ، أم في الزراعة ؛
فإذا هم اتجهوا في حياتهم العملية نحو طلب الرزق تركوا الجانب الفكري والروحي من حياتهم ، واقبلوا على تحصيل المكاسب من أعمالهم ، واشتغلوا بذلك كل الاشتغال حتى يصير أمرهم بعد قليل إلي حال تشبه حالة الأمية ، إن لم تكن أمية خالصة .
ولعل أكبر السبب في ذلك أن أثر التعليم العام في السنوات الأولى من الحياة - وهي سني الطفولة والصبا - ذلك الآثر لم يكن من القوة بحيث يتغلغل إلي أعماق نفوس
الأفراد ، ولم يكن كافياً لإحداث أثر دائم في عقلهم وروحهم ، حتى يبقى فعله فيهم مدى حياتهم كلها . ولعل هناك سبباً آخر لا يقل في فعله عن هذا السبب ،
وذلك أن عقل الطفل والصبي يكون في دور التعليم العام قاصراً عن إدراك الشئ الكثير من مواد التعليم التى تحتاج إلي خبرة بمعاني الحياة ، مثل العلوم الإنسانية جميعا ، فإذا انتهي الصبي من دراسة تعليمه العام الأولى لم تكن له القدرة على إدراك كل ما تلقاء ،
ولم يستطع أن يهضم كل الغذاء الثقافي الذي قدم إليه إذا صح هذا التعبير
ومهما يكن من الأمر ، فقد أدرك المفكرون أنه من الضروري مواصلة تعليم الشعوب ، بعد أن تضرب يسهمها في الحياة العملية ، وهذا ما يطلقون عليه أصطلاحا عنوان " تعليم الكبار " ولتعليم الكبار عندنا في مصر ،
وفي بلاد الشرق عامه ، معنى أوسع من هذا ، لأن الشعوب الشرقية لم ينشر بعد التعليم العام الأولى في كل صفوفها ،
ولهذا بقيت طوائف من الأهلين لا يزالون على أميتهم الفطرية ، وهؤلاء يكونون في العادة متخلفين عن تيار الحياة الجديدة مخلفا عظيما ، وتكون الحاجة الاجتماعية ماسة إلي إبلاغهم أولا إلي الحد الأدنى من الثقافة التي لا ينبغي أن يهبط المستوي الثقافي للأفراد عنها في بلد من البلاد المتمدينة . فتعليم الكبار عندنا معناه أولا إبلاغ الاميين مستوي الحد الأدنى الثقافي ، ثم الأخذ بيد الشبان الذين أتموا الدراسة الأولية ، ودفعهم مع تيار الحياة المتقدمة مع التطور الإنساني العام .
وإنه لما يبشر بالخير أن الاهتمام قوي في مصر والشرق كله بتعليم الكبار ، إلي جانب الاهتمام بنشر التعليم الأولي الصالح ، وقد ظهر هذا الاهتمام في صورة واضحة ، سواء في المشروعات الحكومية ، أو في مباحث المفكرين
ومطالبة المصلحين الاجتماعيين . وإنه لما يضيء لنا السبيل أن نعرف كيف عالج المفكرون والمصلحون هذه المسألة في البلاد الأخرى ، حتى نستطيع أن ننقل ما تستطيع نقله من آرائهم ، وأن تقتبس ما نستطيع اقتباسه من وسائلهم
ولنا في كل ذلك أن معدل آراءهم ووسائلهم ، وتتناولها بالصقل والتهذيب والتغيير حتى تصير ملائمة لظروفنا وتراثنا الثقافي ، وتاريخنا الماضي ، وما نرجوه لحياتنا من التوجيه في المستقبل .
فنحن هنا نعرض تجربة بدأت في بلاد الدانمرك ، وتلقفها المفكرون في بلاد أوروبا ، وعمدوا إلى تقليدها والاستفادة منها . وبلاد الدانمرك تشبه بلادنا في مرافق حياتها ، لأنها في أساسها بلاد زراعية مزدحمة بالساكنين مثل مصر ، وقد آثرنا أن يلخص هنا ما كتبه أحد المفكرين الإنجليز ، وهو السير رتشارد لفنجستون في كتابه الحديث " المستقبل في التربية " قال :
إنه لمن العسير علينا أن نتصور بلاد الدانمرك أرضا حطمها الفقر ، وقعد بها فتور الهمة ، ولكن هذه هي الحقيقة ؛ فإنها لم تكن إلا على تلك الحال البائسة في أوائل القرن التاسع عشر ثم تحولت بين عشية وضحاها إلى قطر سعيد يسير في طليعة أقطار أوروبا الديمقراطية تقدماً ونشاطاً ،
ونجاحا في الحياة ، ولم يكن السبب الأكبر في هذا التحول إلا أثر التعليم في مدارس الشعب العليا ، التي اختطها القس العبقري جرونتفج وشريكه الإسكاف كولد فكان جرونتفج صاحب رسالة ، يبتكر الفكرة ، ويبعث الروح ،
وكان كولد رجلا من الشعب ، يفتح المعاهد ويعلم ويجتذب الناس من ورائه بقوة خلقه وزوجه . فأنشئت أول مدرسة عليا للشعب في سنة ١٨٤٤ ، وكان الغرض منها مقاومة الدعاية الألمانية في مقاطعتي شلزقح وهو لشتين ؛ ثم تلتها مدارس أخري حتى كان عام ١٨٦٤ ، وفيه وقعت الحرب بين الدانمرك وبين ألمانيا ، فحطمتها الجيوش الألمانية
حطما - ولكنها ردت على الهزيمة الطاحنة بالاستكثار من مدارس الشعب العليا ، فلم يأت عام ١٨٧٢ حتي كان لديها من هذه المدارس أربع وخمسون مدرسة ، وقد بلغ عددها اليوم سبعا وخمسين
وتكاد هذه المدارس تكون جميعاً ( داخلية ) يقيم فيها الطلبة ، ومدة العمل فيها ثلاثة أشهر للنساء في الصيف ،
وخمسه أشهر للرجال في الشتاء ؛ وهي مدارس خاصة يملكها الأفراد أو مجموعات من الأفراد ، ويقتصر جهد الحكومة فيها على إعانات تساعدها بها . وأما الطلبة فيها فمن الفلاحين وصغار الملاك ، وقليل منهم من العمال . ولا يقبل فيها إلا من زادت سنه علي الثمانية عشرة ، وليس من طلبتها إلا عدد يسير ممن تزيد معارفهم على المعارف الأولية ، فمعظم تلاميذها من الشبان الذين اتجهوا بعد المدرسة الأولية إلي الحياة العملية ، فقضوا في ممارستها ، ما بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة ، يعملون في الحقول أو ما سوى الحقول من أعمال الحياة .
وليس ثمة ما يجبر أحداً على الدرس ، ولا ما يطمع الطلبة فيما تعطيه تلك المدارس من شهادات أو درجات علمية ، فالعلم فيها لا يقصد إلا للتثقيف . وتبلغ نفقات الدراسة والإقامة نحو أربعة جنيهات كل شهر للنساء ،
وأكثر من ذلك قليلا للرجال . والطالب يدفع هذه النفقه من عنده إلا إذا أعفى من نصفها نظير منحة من الدولة تخصص لإعانة الذين لا يستطيعون دفع تلك النفقات . ومع أن كل نفقات هذه المدارس أو نصفها يقع على كاهل الافراد ،
فقد قدر أن نحو ثلاثين من كل مائة شخص من الفلاحين في بلاد الدانمرك يتعلمون فيها ، وإنه لمن المدهش حقاً أن يكون الأمر كذلك في بلاد الدنمرك ، وأن يبذل الفرد هذه النفقة راضياً ، مع أنه لا يتلقي في تلك المدارس إلا ثقافة مما يبدو للأنظار السطحية أنها لا تفيد الشعب العامل في حياته العملية ، فإن الدراسة هناك ليس لها صبغة
مهنية ، مع أن الطلبة جميعاً يدخلون تلك المدارس من عمار العمل في الحياة ، ويزمعون أن ينطلقوا بعد إتمام دراستهم فيها إلي عمار العمل في الحياة ، فالدراسة هناك تتناول آداب اللغة ، والتاريخ ، والإنشاء ، والديانة ، ومبادئ العلوم ، والرياضة البدنية ، ( وللنساء الحياكة ) ، ثم الموسيقى وبعض المدارس يزيد على بعض في مستوي دراساته ومناهج تعاليمه .
وهذه المدارس تكون عادة في الريف ، يدخل إليها الداخل من طريق ضيق تحف به البساتين ، وهي في مظهرها تشبه المزارع . ومن أول ما يسترعي النظر في داخلها ما علق على جدرانها من الصور ، وكثير منها من صنع مشاهير رجال الفن في البلاد . ثم يسترعي النظر في منهجها أنها تحتفل بالغناء الجمعى ، والكتاب الذي يجمع أغانيها يحوى طائفة صالحة من الشعر القديم والمحدث والمترجم عن اللغات الأخرى .
وليس في هذه المدارس شيء من أنواع الجبر علي الدرس . وليس فيها امتحان ولا شهادات ، فالطلبة فيها يدرسون لأنهم يحرصون على ورود مناهل العلم حرصاً خالصاً ، لا تشوبه رغبة في الاستكثار من التظاهر بالشارات العلمية .
فلمدرسة الشعب العليا ثلاث ميزات هي السر في نجاحها ، لأولي : أنها تعلم الكبار ، والثانية : أنها داخلية ، والثالثة : أنها قوة دافعة للروح .
لم تحاول الدانمرك أن تحل مشكلة تعليم أبدائها بالزيادة في سن التعليم الإلزامي ، فأكثر الناشئة الدانمركية يخرج من المدارس العامة في سن الرابعة عشرة ، ثم يعمدون حينا إلي العمل في غمار الحياة ، ويعودون في سن الثامنة عشرة إلي هذه المدرسة العليا لاستكمال دراستهم
وقد رفض جرونتفج أن يسمح لأحد بالدخول في مدرسته قبل سن الثامنة عشرة ، وأسر علي ذلك إصرارا الا هوادة فيه ، ولم يكن ذلك أثرا من آثار رأي رآه بالنظر
والفكر ، بل كان رأيا استقر عليه بفضل التجربة المتصلة والأخطاء المتكررة التي وقع فيها وتعلم منها . فقد دلته التجارب على أن الطلبة الصغار لا يستطيعون الاستفادة الكاملة من الدراسة ، لأن ذكائهم لم يتفتح بعد ، ولأن إقبالهم على الدرس لم يكن على ما ينبغي للطالب المجد ، فرسخت فى ذهن جرونتقج من هذه التجارب أن فكرة " التعليم الثانوي للجميع ، بعد سن الرابعة عشرة ، إنما هي أضمن سبيل للإسراف في الأموال وإضاعة الوقت الثمين . ومن رأيه أن الذي يريد أن يستفيد بالتعليم الصحيح لا يستطيع ذلك إلا إذا عاني أمور الحياة حينا ، وتأمل أحوالها عمليا في نفسه وفي غيره ؛ فهذه هي الوسيلة لا وسيلة غيرها ، إلى تفهم ما في الكتب من وصف الحياة .
وقد ذات التجربة علي أن مثل هؤلاء الكبار الذين أنوا إلي المدرسة بعد ممارسة الحياة ومعاناتها، يستطيعون أن يدركوا فى ثلاثة أشهر أو خمسة ما يحتاج إلى كد وعناء لمدة خمس سنوات كاملة ، إذا كان الطالب لا يزال مراهقاً لم يخبر بعد شيئا من أمور الحياة . وليس في هذا القول ما هو
بعيد عن العقل ، وقد أجريت تجربة شبيهة بهذه في انجلترا ، فإن جامعة أكسفورد ، قد أباحت للمطالب ، إذا كانت سنه فوق الثالثة والعشرين ، أن يعفى من امتحان الدخول بها إذا كان قد أتم دراسة خارجية إضافية بعد وقت العمل لمدة ثلاث سنوات ، لا تزيد مدة الدراسة في كل منها على أربع وعشرين
جلسة ، كل منها لمدة ساعتين . وقد كان من هؤلاء من نجح في دراسته الجامعية نجاحاً كبيراً ، مع أن جهود دراسته الإعدادية لا تعد شيئا إذا قيست بجهود الطلبة المعتادة .
والسر الثاني في نجاح التجربة هو أن الدراسة فيها داخلية ، فهذه الوسيلة وحدها هي التي تجعل الطالب ينغمر لمدة أشهر متعاقبة في الجو التعليمي انغمارا كاملا ، فهناك تتأثر الروح ، وبنفعل الشخص انفعالاً قويا بما في المدرسة من روح حي ، ويريد هذا الأثر قوة أن المدرسة في مكان
منعزل في الريف ، بعيد عن ضجة المدن ومشاغلها ، فيكون أثر الحياة الاجتماعية فيها بالغاً بما فيه من فكر ، وما يحيط به من فن وجمال ، وليس ذلك بالمستغرب ، فقد كانت اعظم المدارس القديمة أثراً شبيهة بالمجتمعات في النوادي والبيوت ،
مثل مدرسة سقراط في رحبات الألعاب ، ومثل أكاديمية أفلاطون ، وليسيه أرسطو ، ومتحف الإسكندرية ، وما إليها .
والسر الثالث في نجاح التجربة هو اعتمادها على تثقيف الروح والنفس ، وتكوين الشخصية ، فإن التعليم الفكري لا غني له عن أن يقترن بتغذية الروح وتقويم الخلق ،
ولا تستقيم الحياة إلا بتعاون ناحيتى العلم والنفس ومدرسة الشعب تتجه اتجاها ظاهراً نحو تغذية الروح ، لأن المقصود منها أن تعد الإنسان للعمل لا لمجرد اكتناز العلوم .
ومن أعجب العجب أن التعليم في مدرسة الشعب الدانمركية لم تكن له صبغة مهنية ، ومع ذلك فقد ساعد على تقدم البلاد تقدما اقتصادياً يكاد يبلغ حد الإعجاز ؛ فإن طلبة هذه المدرسة ثم يتعلموا فيها زراعة ولكنهم يخرجون منها وقد امثلأت قلوبهم بالحماسة إلي الإتقان والإحسان ،
فإذا بهم يصبحون خير الزراع . قال أحد رؤساء مدارس الشعب الدانمركية : " إن الطلبة يأتون إلينا نياما ، ولا فائدة في تعليم من كان نائماً ؛ فنحن تعمد إلى قلبهم فتوقظ فيه الروح ، فإذا بسائر الكيان يتبعه وتنم فيه اليقظة " إن الحياة ملأي بالآلات العجيبة والنظم المحكمة .
ولكن هذه جميعاً لا قوة لها إذا لم تفتح لها حركة الروح ، والفكر المثالي يستطيع أن يخلق الآلات ويبتدعها ولكن الآلات بغير فكر مثالي لا تلبث أن تصدأ وتبلي . وقد أثرت المدرسة الشعبية العليا في الدانمرك أثرا عظيما في نواح ثلاث : في الشخص ، وفي الحياة الاقتصادية ، وفي السياسة فأما الشخص فقد تحرك فيه الروح كما تقدم ، فخرج
إلي الحياة مليئا بالحماسة والتفكير السليم ، واستطاع بروحه المطهر أن يبتدع أحسن نظام تعاوني في العالم ، لأنه قد صغا روحه فجعله أعظم ثقة بالناس وأقدر على أن يكون محلا لثقة إخوانه .
وقد تكونت من هؤلاء الأشخاص طبقة وسطى مستنيرة ، كان لها أعظم الأثر في إنهاض الاقتصاد القومي من سقطته السحيقة ، حتى جعلت الدانمرك من أسعد بلاد أوروبا حالا ؛ مع قد صارت هذه الطبقة الوسطى المستثنيرة من اكبر عوامل التقدم في الميدان السياسي . فحزب الزراع هناك أقوي الأحزاب وأقواها دعوة إلي التجديد والتقدم .
