هذه محاضرة ألقاها الدكتور محمد فاضل الجمالي في نادي القلم العراقى بتاريخ ٩-٤-١٩٥٦
اخوانى الكرام : يسعدنى ان اكون اول متكلم فى نادى القلم العراقى بعد ان استأنف حياته من جديد آملا ان يقوم هذا النادى بمهمتين متواضعتين على الاقل . اولاهما ايجاد الصلة الاجتماعية بين رجال الفكر والادب من ابناء هذا البلد وذلك بعقد الاجتماعات المتوالية والاستماع الى ما تنتجه قرائح الاعضاء والزوار ومن ثم ايجاد علاقات الصداقة والاخوة بين الكتاب والادباء العراقيين وزملائهم فى الاقطار العربية الاخرى وبقية انحاء العالم الحر . اما المهمة الثانية فهى تشجيع ذوي المواهب الادبية والفكرية الممتازة على الانتاج ومساعدتهم بشتى الوسائل على نشر ما ينتجون ونقده نقدا بنائيا يتحلى بالروح العلمية والرياضية .
لقد اخترت موضوعا لحديثى الليلة "نظرة الى الفكر العربى اليوم" لاعتقادى بحاجتنا الماسة الى فحص النفس ومعرفة الاهداف والاتجاهات فى حياتنا الفكرية ذلك اذا شئنا ان تكون الحياة الفكرية عندنا متصلة بحياة الامة وعاملة على خدمتها وتطورها
وقبل ان اتناول الموضوع أود ان اشير الى ان استعمال كلمة " فكر " في " الفكر العربي " هو من قبيل الخطأ الشائع اذ لا يوجد شيء شاخص محدود اسمه " فكر " وانما هناك فعل او عمل يقوم به الانسان هو " التفكير " فالكلمة يجب
ان تدل على فعالية حراكية لا على شىء ثابت فالتفكير هو كالمشى تقوم به القدمان فليس هناك شيء شاخص ملموس اسمه " مشى " وانما هناك فعالية تقوم بها القدمان اذن فالصحيح ان يكون موضوع حديثى الليلة " نظرة الى التفكير العربى اليوم " وليس إلى " الفكر العربي " واذا استعملنا كلمة الفكر فيجب ان يفهم منها التفكير ،
والتفكير عملية يستخدمها الانسان فى تفاعله مع المحيط لايجاد الوسائل للتكيف له او السيطرة عليه .
والمحيط الذى يتفاعل فيما الفكر الانساني يشمل المحيط الطبيعى والروحى والاجتماعي والاقتصادى والثقافى والسياسى . فالتفكير في مناطق جبلية باردة يختلف عنه فى منطقة صحراوية حارة والتفكير فى محيط صناعى مدني يختلف عنه في محيط ريفي او بدوى والتفكير فى مجتمع ابتدائى يختلف عنه فى مجتمع حديث معقد والتفكير فى مجتمع دمقراطى مدنى حر يختلف عنه في مجتمع دكتاتوري عسكري والتفكير فى بلاد عريقة فى العلم والحضارة يختلف عنه فى بلاد تسودها الامية والجهل . والمحيط الاجتماعي الذي بالتفاعل معه يحدث التفكير يكون اما محيطا مفتوحا نسبيا فيه المجال حر والابداع والتجديد فى التفكير كما هو الحال في العالم الحر مثل البلاد الاسكندنافية وسويسرا وانكلترا وفرنسا واميركا وكندا واستراليا وغيرها وبذلك يكون التفكير خصبا مجددا بناء خلاقا . واما ان يكون المحيط الاجتماعي مغلقا بحيث يصبح التفكير جامدا خاملا قلما يبدع او ينشئ وقلما يعمل على تطوير المجتمع فالتفكير يصبح عملية اجترار ذات ارجاع رتيبة .
والمحيط الاجتماعي يكون مغلقا بتأثير عوامل منوعة . فالمجتمعات الابتدائية التي تعيش وفق تقاليد ونظم قبلية لا تهيء للفرد وسائل التفكير التي تعمل على الخروج عن تقاليد العشيرة واساليب حياتها هى مجتمعات مغلقة ، فهناك قبائل في جزيرة العرب وافريقيا لم يطرأ عليها اى تطور يذكر منذ قرون . والمجتمعات التى تعيش تحت ضغط عقائد وطقوس دينية قاسية لا تسمح للفرد بان يفكر تفكيرا حرا طليقا ليعمل على تطور المجتمع ونموه هي مغلقة ايضا . وهناك مجتمعات حديثة تعيش فى ظل دكتاتوريات عسكرية أو مدنية ، دكتاتورية فرد او دكتاتورية جماعة كل هذه مجتمعات مغلقة نسبيا لا تسمح للفكر الانسانى بان يصول ويجول بان يفحص وينتقد بان يبدع ويفكر .
وقد كان يسهل في الماضى دوام المجتمعات المغلقة بسبب العزلة التى كانت تتمتع بها المجتمعات عادة اما اليوم فبفضل المواصلات السريعة التى تسهل الاسفار وبفضل السينما والاذاعة وسرعة انتقال الاخبار والافكار بواسطة البرق لم يبق من المجتمعات المغلقة نسبيا الا القليل . اذ تفاعل الفكر فى معظم هذه المجتمعات بالمؤتمرات الجديدة وكانت نتيجة هذا التفاعل بين تطور تدريجى نحو حياة فكرية جديدة وبين ثورات دامية تصحبها نظم دكتاتورية ترفع عن الفكر الغطاء القديم المكون من النظم الاجتماعية الجامدة الصلبة لتستبدلها بغطاء جديد من الحديد والنار
وهذا فعلا ما هو جار في البلاد التى تحكمها دكتاتوريات حديثة . لاشك في ان اكبر محنة تجابه الفكر الانسانى اليوم هى فى الشعوب التى تجتاز دور الانتقال من المجتمعات المغلقة القديمة الى مجتمعات جديدة . فهل سيكون هذا الانتقال الى مجتمعات جديدة حرة مفتوحة نسبيا ام يكون الانتقال من مجتمع مغلق قديم الى مجتمع مغلق جديد ؟
هذا وان انتشار الغوغائية والفوضى والانحلال الفكرى والخلقي فى المجتمعات المفتوحة تقليديا او قيام حالة حرب او خطر داخلي على الامن العام قد يؤديان الى عملية غلق هذه المجتمعات المفتوحة وذلك بقيام اجراءات بوليسية مؤقته او دكتاتورية طويلة المدى هذا وان ما قامت به اميركا مثلا فى السنوات الاخيرة من احتياطات فى سبيل سلامتها مس بعض الشيء الحريات التقليدية ومن هنا قامت ضجه المفكرين الاحرار فى اميركا على ما يدعى ب " المكارثية " .
بعد هذه المقدمة العامة لنرجع الى استعراض الفكر العربي اليوم : لا شك في ان الفكر العربى اليوم اليوم يعيش على الأكثر في مجتمعات تكاد تكون مغلقة . فلا يزال الكثير من البلاد العربية تسودها بقايا الحياة القبلية وبعضها مجتمعات يطغي عليها سلطان التقاليد الدينية او النفوذ الأكايروسى الجامد الصلب . ومع ان الغطاء اخذ يرتفع عن المجتمع العربي منذ بداية القرن التاسع عشر بنهضة محمد على الكبير في مصر ومجىء البعثات الاجنبية الى سورية ولبنان وقيام المطابع الحديثة في القاهرة وبيروت تلك المطابع التى نشرت مؤلفات شبلى شميل وقاسم امين والدكتور فانديك ثم آراء السيد جمال الدين الافغاني ومؤلفات الشيخ محمد عبده الا
ان تأثير كل ذلك في الحياة الفكرية العربية لا زال محدودا نسبيا ومع هذا فانتشار المدارس والجامعات وسفر المئات بل الالوف من الشبان والشابات الى ديار الغرب وانتشار الصحف والمجلات والكتب والاذاعة والسينما كل هذه تعمل على رفع الغطاء عن المجتمع العربي . والفكر في المجتمع العربى اليوم هو فى حالة غير مستقرة وغير منسجمة . فالفكر العربى في لبنان الذي يتمتع بحرية اجتماعية وسياسية وافرة هو منوع ومشتت نسبيا فلبنان بحكم واقعه التاريخي والجغرافى اصبح سوقا حرة لشتى انواع التفكير ففيه ما هو رجعى متحجر وفيه ما هو حديث حر وفيه ما هو حديث مغلق . لنزن حانوت كتب فى لبنان ولنتصفح ما فيه من الكتب نشاهد معرضا لمتناقضات الافكار ونشعر باضطرابات فى الاتجاهات الفكرية . اما سورية فانها تلى لبنان في نزعتها الحرة والتفكير القومي فيما هو الغالب . على انها تتارجح بين حرية فكرية كاملة وبين رجعية صارمة بين نظام اجتماعي سياسي مفتوح وبين دكتاتورية عسكرية سافرة او مستترة ، اما مصر فانها تتمتع بتقاليد عريقة من حرية الفكر وهى تجمع الى جانب التفكير الديني القديم المتجدد المتمثل في الازهر الشريف التفكير الحر الحديث المتمثل فى جامعة القاهرة . الا ان النظام العسكرى القائم فى مصر اليوم يشكل ولاشك غطاء اجتماعيا حديثا له اثره في عالم الفكر المصري ومن ورائه العربي . اما فى العراق والاردن وليبيا فتوجد نظم يفترض فيها ان تجعل المجتمعات مفتوحة ولكن هذه المجتمعات المفتوحة تعيش جنبا الى جنب مع نظم قبلية مغلقة وحتى النظم المفتوحة هذه فانها تغلق بين حين وآخر باسم المحافظة على الامن العام والسلامة اما فى المملكة السعودية واليمن فنستطيع الاجمال بان المجتمعات هناك مغلقة وان التفكير فيها هو من النوع القديم الرتيب وذلك لان المدنية الحديثة لم تفعل فعلها فى مجتمعاتها بعد . هذا ولن اتناول تونس والجزائر ومراكش الآن الآن لانها في دور كفاحها القومى السياسي اليوم
وخلاصة القول ان الفكر العربي يتفاعل فى معظم الاصقاع والاحايين في مجتمعات عربية مغلقة على ان هناك نوافذ تختلف من حيث صغرها او كبرها فى قطر آخر اخذت تتخلل المجتمعات العربية الحديثة اليوم .
ولما كانت المجتمعات العربية من النوع الذي وصفنا فتكون الامية فيها متفشية عادة وعدد القراء قليلين نسبيا الامر الذي يجعل مورد الكاتب فى بلد كالعراق مثلا
موردا ضئيلا ثم هناك ضعف فى الثقافة العامة يؤدي الى ضعف في النقد او التقدير والتشيجيع . ثم هناك فقر فى معظم البلاد العربية باستثناء لبنان ومصر الى المطابع الراقية والطبع المتقن وضعف فى التصوير والتجميل ما يعمل على تنمية الذوق ويجعل القراء يقبلون على الانتاج الفكرى بشوق . يصحب كل ذلك شئ من الازدراء لدى بعض الكتاب والمفكرين للقراء والمطالعين ممزوجا بشئ من الكسل وعدم الاكتراث في اخراج نتاج تفكيرهم بالدقة الكاملة والضبط العلمي واللغوي المطلوب .
اما من حيث المادة فاود ان اشير الى اربعة انماط من الانتاج الفكري ولها تأليف جديد بعقلية قديمة عقلية ما قبل العلم الحديث . وهذه الكتب انما تمثل الاجترار الفكرى على حقيقته فالكاتب لا يعيش في القرن العشرين وانما يعيش فى عصر الجمود والركود عن حياتنا الاجتماعية والسياسية " والتاليف من هذا النوع تسوده اللفظية المنمقة والمبالغات فى التعبير ومن هذا النمط ايضا ما ينشر من كتب وينظم من كلام (يدعى تجنيا بالشعر) لغرض الارتزاق والتسول . وثانيها ما يبعث حيا من تراثنا القديم بعد درس وتمحيص وفق الاساليب العلمية الحديثة وهذا الانتاج هو مما يخدم تاريخنا الثقافى القومى خدمة جليلة الا انه ليس فيه من تفكير جديد سوى تقدير قيمة المؤلف واخضاعة للاساليب العلمية الحديثة .
وثالثها وهو الشائع هو الانتاج المنقول عن الكتب الغربية الى الغربية عن طريق الترجمة او التأليف . وهنا يجب ان نعترف للكاتب العربى بفضل تعريف امته بما انتجته قرائح الغرب من تفكير حديث . على ان معظم ما صدر من هذا القبيل لا يتناول امهات الكتب الغربية وهذا امر تنبهت اليه بعض المؤسسات العلمية والتجارية التى اخذت تعنى بنقل نفائس الكتب الغربية الى العربية .
اما النمط الرابع فهو الدراسات العلمية المبتكرة التى يقوم بها رجال الفكر العربي اليوم وهو من النزر اليسير فلو زرنا مكتبة ما في اي بلد عربى وتصفحنا ما فيها من كتب لوجدنا ان الكتب التى تمثل الانتاج الفكرى العربى الحديث الخالص تعد على الاصابع
لا شك في ان امة تقف على عتبة نهضة جديدة تحتاج الى عناية خاصة بهذا النوع من الانتاج . ولكن كيف يمكن ضمان هذا الانتاج والتقدير لرجال العلم والفكر وضمان وسائل العيش المحترم لهم لا يزال ضئيلا ؟ وهذا امر يدفع
بالكثيرين من رجال الفكر الى ترك الحياة العلمية والفكرية والتشبث بالوظائف الادارية والانتساب الى مهن اخرى يكسبون من ورائها بعض الجاه الزائل ووافر العيش . والحقيقة ان من اهم ما تشكوه الامة العربية هو انصراف بعض رجال الفكر الى المادة وجعلها هدفا فى حد ذاته والا لما رايت بعض الاساتذة يتركون الكراسي الجامعية سعيا وراء المناصب مع ان الاستاذ في جامعة مالا يمكن ان يجوع . نحن لا نريد ان تقلل من اهمية المادة وضرورتها فى المجتمع الحديث ولكننا نحتاج الى شىء من التقشف النفسى والنزعة المعنوية من رجل الفكر تلك النزعة التى تجد اللذة فى الدرس والبحث والاكتشاف ومع سعينا الحثيث فى الدعوة الى الترفيه المادي على رجال الفكر فاتنا نحث الشبان من رجال الفكر ان يجعلوا المادة واسطة لا غاية
ولنرجع الآن الى معالجة نقطة تنجم عن بحثنا هذا الا وهى الفوضى الفكرية التى قد تنشأ في مجتمعنا نتيجة تباين الثقافات الحديثة التى ينشأ عليها شبابنا وشاباتنا الذين يدرسون في الغرب سواء أكان ذلك في اوروبا او اميركا . فهناك من ينشأون على فلسفة مثالية واخرون ينشاون على فلسفة براغماطية وآخرون ينشأون على فلسفة طبعية وآخرون على فلسفة مادية ديلكتية ، ان هذه الفوضى الفكرية عندنا هى انعكاس للفوضى الفكرية فى عالم اليوم . ولم نكن لنحسب حسابا لاختلاف الفلسفات فى عالم الفكر العربى اليوم لولا ان المادية الديلكتيه تتذرع بالوسائل الديماغوجية المنافية لروح العلم لنشر رسالتها . ولولا ما ابتلى به مروج هذه الفلسفة من تعصب اعمى لا يختلف في طبيعته عن تعصب العهود المظلمة في القرون الوسطى . ففي نظرهم ان كل ما ينطقون به هو علم مهما كان بعيدا عن العلم وكل ما يقوله غيرهم هو بورجوازى وغير علمى مهما كان علميا . وليس سلطان ستالين على علوم اللغة والادب والتاريخ والتاريخ الطبيعى ببعيد عنا فقد حبر ستالين مقالات انتقد فيها آراء العلماء السوفيت قبل بضع سنوات واعتبر البعض منهم بورجوازيين واضطرت الحلقات الفكرية هناك ان تأخذ بوجهة نظر الرفيق الكبير ، كنت اطالع مقدمة كتاب ينسب للمرحوم المستر فيشنك وعنوانه (القانون في روسية السوفيتية) ومما لفت نظرى فى هذه المقدمة زعم المؤلف بان اقوال لينين وستالين فى القانون هى المنابع الاساسية للعلم اما ما جاء به علماء القانون فى
فرنسة وانكلترا وامريكا فمرجعه على الأكثر بورجوازى ولا يمت الى العلم بنسب ولكن منابع العلم هذه سرعان ما تعكرت اذ ان آراء ستالين المقدسة بالامس اصبحت عرضة للنقد والنقض اليوم الامر الذى يجعل السير فى رهاب زعماء المادية الديلكتية امرا غير مأمون العواقب لاولى الفكر وأود بهذه المناسبة ان اروى لحضراتكم حديثا حصل بني وبين المرحوم السيد فيشنسك فى دعوة عشاء كان قد اقامها لرؤساء الوفود العربية فى نيويورك وقد كان غائبا عن حضور جلسات الامم المتحدة فى ذلك اليوم .
المتكلم : لم نرك اليوم فى الجمعية العمومية فهل كنت تعد خطابا للغد ؟ . فيشنسك : كلا فقد كنت ارتاح واقرأ الروايات المسلية . المتكلم : الا تحب الموسيقى وهلا تستمع اليها وقت الاستراحة فيشنسك : نعم وانا اعزف الفيولنس المتكلم : ما الذى تقصدونه فى روسيا حين تصفون المؤلف الموسيقار بالبورجوازية ؟ فيشنسك : اولئك الذين يقلدون الغربيين ويؤلفون للطبقات البورجوازية وليس لعامة الشعب
المتكلم : الا تعتقد ان عامة الشعب يجب ان تتثقف بحيث تصبح تتذوق ما تتذوقه البورجوازية فشنسك : نعم هذا صحيح واظن انه من الخطأ وصم مؤلفي الموسيقى بالبورجوازية .
المتكلم : هل لكم ان تدلوني على موسيقار ألف للجماهير ؟ فيشنسك : المؤلف المحب إلى هو ايبولوطوف ايفانوف مؤلف (الواح قفقاسية) شارل مالك : ما رأيكم فى الاديب الروسى الكبير دستويفسك ؟ فيشنسك : انه بورجوازى المتكلم : مستغربا : كيف يكون ذلك ودستويفسك هو الذي علم الشعب الروسي الثورة على الظلم والاستعباد .
فيشنسك انه بورجوازى اعقب ذلك نقاش بين شارل مالك وفيشنسك حول الاديب الكبير دستويفسك لم يؤد الى تفاهم ثم انتقل البحث الى الاديب الروسى الشهير تولستوي فاعترف فيشنسك انه ليس بورجوازيا . والحقيفة ان من يدرس عقلية زعماء المادية الدياكتية ويراقب التقلبات الكيفية التى تحصل فى وجهة نظرهم ليشعر بالخطر الذي يحدق بالفكر البشري عامة وبالفكر العربي الناشئ خاصة هذا وان خطر الفلسففة الديلكتية على المفكرين فى الغرب المستقر الناضج ليس كبيرا اذا ما قيس بالخطر الذي يجابه حيلا جديدا
من العالم العربي قطع جذوره القديمة تقريبا ولم تثبت له جذور جديدة مستقلة بعد ، فوقوع هذا الجيل من المفكرين العرب فريسة للتعصب المادي الديلكتي خطر على مستقبل الانسانية لا يعادله اى خطر .
هذا وافضل علاج للازمة الناشئة عن اختلاف الثقافات والفلسفات التي نشأ عليها رجال الفكر العربي هو ان يجتمعوا الى بعضهم فى نواد او جمعيات او مؤتمرات ويعالجوا شؤون الفكر العربى معالجة علمية موضوعية حرة وهم بذلك قد يتوصلون الي وضع فلسفة قومية موحدة تأخذ من مختلف الفلسفات والاساليب افضلها ولا تتعصب الا للحقيقة . الجو العلمى الحر هو الاساس السليم لاى بناء فكرى عربي جديد . اما تسمية كل ما ينطق به زعماء المادية الديلكتية علما واعتبار ما ينطق به غيرهم بعيدا عن العلم فهو تجن على الفكر الحر . ولم استغرب حين ادعى امس مساء احد الاخوان العرب بانه توصل الى ان الحياد هو السياسية التى يجب ان ياخذ بها العرب بادلة علمية قاطعة لاننا الفنا هذا الاسلوب من المناقشات . لا شك فى ان الذين يقتنعون بخرافة الحياد لبلاد كبلادنا هم ايضا يدعون بانهم توصلوا الى اقتناعهم بادلة علمية فلسفية اذن فايهما هو العلم الصحيح ؟ لا شك فى ان التكفير باسم العلم لدى هؤلاء لا يختلف عن التكفير باسم الدين فى القرون الوسطى . اذن فيجب اليقظة عند الجدل مع حملة المادية الديلكتية وعدم الاستسلام المجرد لهم اذا نطقوا باسم العلم
لا شك فى ان الفكر العربي اليوم اليوم يجتاز ازمة خطيرة ترجع اولا الى ظروف محلية تاريخية يجب التغلب عليها تدريجيا وبطريق التنوير العام والاقناع وليس بطريق الاستفزاز . وثانيهما الازمة المتأتية من فوضى الاراء والمعتقدات في العالم اليوم والتي يظهر اثرها فى بلاد ناشئة كبلادنا بصورة تهدد كياننا الامر الذي يحدث بهذه الخطورة فى البلاد الغربية العريقة فى تقاليدها الفكرية الحرة،
وقبل ان انهى حديثي هذا اود ان اوجه سؤالا يجب ان يوجه كل منا الى نفسه وهو : هل لحامل الفكر العربى رسالة قومية ام انه يعيش لنفسه ؟ جوابى على ذلك بالايجاب . وهذه الرسالة يجب ان تتكون من رسالة انسانية عامة تصلح لكل زمان وكل مكان لخصها افلاطون فى الخير والحق والجمال . ورسالة قومية علمية خاصة لخصها فى التحرير والتوحيد والبناء الاجتماعى فحامل الفكر عالما كان او اديبا فيلسوفا كان امر موسقارا مهما كانت مهنته ومهما كان اختصاصه يجب ان يحمل الرسالة كاملة بشقيها الانساني والعربي . وانى لارجو ان يعمل اعضاء نادى القلم العراقي على حمل الرسالة هذه وتأديتها كاداة كاملة غير منقوصة والسلام عليكم
