-٢-
وقد صورت دائرة الأمريكية ، كما صورت دائرة المعارف البريطانية منزلة المرأة ؛ فقالت الأولى : إن القبائل الأمريكية الشمالية خاملة إلى أبعد حد في عملها ، حتى إن الحب لا يوائم إلا النساء ، ومن شأن الأهل أن يزوجوا الشبان أبناءهم وإن كان اعتراف العريس لعروسه بالحب جريمة لا تغتفر . وفي " جيانا " لا يصرح الزوج لزوجه أن تأكل معه ، بل تعمل على خدمته أثناء طعامه ، وتقدم إليه الماء ليغسل يديه بعده ، وفي منطقة البحر الكريببي وجزائره ليس من حق المرأة أن يشاهدها الرجل وهي تأكل ! وفي جميع البيئات الهمجية بوجه عام تحمل المرأة الأثقال ، بينما يتقدمها الرجل في الأمام لا يحمل شيئا إلا سلاحه ! وفي روسيا وسيبيريا كانت هنالك شرذمة من الأثرياء إلى عهد قريب يتصرفون في زوجاتهم كما يريدون ، كأنهن عبيد لهم ، وليس من شك في أن الغريزة الجنسية هي التي حطت بالنساء إلى هذا الحد ، ولا سيما في أعين الرجال ، ومنذ فجر التاريخ كان الرجل في المجتمع الهمجي يبتاع المرأة كما يبتاع الماشية ولم يكن للحب وجود في مجتمعهم على الإطلاق .
وليس من شك في أن الجمال مقرون بالرغبة النوعية هو المؤثر الذي يؤثر على الرجل ليختار امرأة على امرأة أو يفضل حسناء على حسناء ، وليس من شك أيضاً في أن المرأة تفضل القوة والرشاقة في الرجل لأنهما من علائم الجمال .
ولم يكن يعرف الإنسان الأول الزواج كما نعرفه اليوم ، وقد راقب كثير من علماء الأحياء الحيوان والطير ! فاتضح لهم أن بعضها يعيش معيشة الأزواج ، حتى إن الدكتور إيليس Ellis. H صرح في كتابه : " دراسات في سيكولوجية الجنس " أن الزواج الحقيقي الصحيح لا يوجد إلا بين الطيور . وكان الإنسان الأول لا يزور امرأته إلا بين الحين والحين ، ويتركها بمفردها على مدار السنة ، وكان اهتمام الأخ بأبناء أخته أكثر من اهتمام الزوج نفسه بهؤلاء الأبناء . وقد تعددت أنواع الزواج من زواج بالفوضى إلى زواج بالأسر إلى زواج بالشراء . وكان زواج الأسر معروفا عند الصقالية القدماء حتى مستهل القرن التاسع عشر . وقد أخذ الزواج في منشئه طابعا بسيطا لا أثر للطفوس الدينية فيه ، ولا سيما في جزائر الأقيانوس الباسفيكي كجزائر ساموى
وهو اي وزيلندة الجديدة . وقد أقبل سكان هواي على الزواج بعدما كان معظمهم لا يتزوجون إطلاقاً . وفي جزائر كارولين يختار الفتى عروسه ويأتي بها إلى بيت أبيه . فتفرك أمها ظهرها بزيت النارجيل وتضع إكليلاً على رأسها فيكون ذلك بمثابة عقد شرعي . وأهالي جزيرة جلبرت شديدو الغيرة على نسائهم ، حتى إذا كلم رجل امرأة لا يسلم من يدز زوجها .
ومن عادات الرواج في أواسط إفريقيا حيث تجرى الطبيعة الإنسانية علي السجية والسليقة ، يذهب الخاطبون من قبل أهل الخطيب إلي بيت الفتاة ليروها ، فإذا راقتهم أقبل وفد آخر ومعه الهدايا ؛ فإذا قبل والد الفتاة والفتاة تأهب الجميع لولاتم العرس ، وإذا رفض الوالد ولم ترفض الفتاة جاء وفد ثالث ومعه الخطيب نفسه أو والد الخطيب وأعوانه وأتباعه ؟ فيضطر الوالد إلى تزويج ابنته ليبني لها زوجها بيتا عاليا مواجها لبيت أبيه . والرجل الذي يتزوج هنالك بامرأة يحق له أن يتزوج بكل أخواتها اللواتي هن أصغر منها إذا شاء ، وعلى كل حال لا يجوز لأحد أن يتزوج بواحدة منهن إلا برضى ممن تزوج بأختها الكبرى . وفي بعض القبائل الأخرى ينتشر الزواج الجماعي في موسم من مواسم السنة كالمصريين القدماء . وعند بعض الأجناس يكون للزوجة الحق في الزواج من آخر إذا زادت رحلته على عشرين يوماً ؛ وكانت الأمم الأربية كما يقول فوستل دى كولوني تعتبر العزوبة إثماً ، وكان الرومان يعتقدون أنها ضرورة خلقية وواجب عام . وقد أخذت فكرة الزواج تتطور ، حتى أصبح الزواج واجباً مقدساً .
وليس من شك في أن الجمال مقرون بالرغبة النوعية . هو المؤثر الذي يؤثر على الرجل ليختار امرأة على اخرى أو يفضل حسناء على حسناء ، وليس من شك أيضاً في أن المرأة تفضل القوة والرشاقة في الرجل لأنهما من علائم الجمال.
وقد عرف بوفير Buffier الجمال فقال : إنه هذه الصورة الدقيقة الخاصة التي هي أعم من الصور الأخرى في الأنواع . . وقد تكلمت دائرة للعارف البريطانية عن مقاييس
الجمال التي هي من أسباب الحب ، فتكلمت عن شكل الخدود ونوع الأنوف ولون الوجوه ؛ ومما قالته عن تفضيل الألوان : إن الأوربي بحكم العادة يحب فتاة بيضاء ، على العكس من الرجل الحبشي الذي يحب فتاة سوداء . فالعادة والعرف هما اللذان يؤثران في اعتبار الجمال وإن لم يكونا من أسباب الجمال بل من أسباب التعلق بالجمال . والرجل القوي الباسل ترشحه الطبيعة ليكون مناضلا ، والمرأة الرقيقة الوادعة تحتاج إلى الحماية ، ومن ثم لك تر رجلا يقدر امرأة لقوتها الحيوانية أو لشجاعتها الشخصية ، بل إن المرأة تحتقر الرجل الذي يؤثر هذه الخصال ؛ فالرجل بطبيعته قد خلق ليحكم ، والمرأة بطبيعتها قد خلقت لتطيع ؛ ولهذا كانت المرأة أوسع من الرجل خيالا وأرق منه حساسية ، ولكن هنالك فرقاً واسعاً بين الرجل والمرأة ؛ وملاحظة قيمة بينهما لا يمكن إغفالها ، وهي أن رقة المرأة مكملة لقوة الرجل ، ونعومة المرأة متممة لخشونة الرجل . ولكن للرجل مع هذا الامتياز في الحب وانتقاء الحبيب ، لأن المرأة انطوائية اكثر من الرجل على نفسها وحبيبة لا تجرؤ على الصراحة في الحب إلا لماما .
وقد قالت دائرة المعارف البريطانية كذلك : إن الحب ينشأ بعد التقدير والإعجاب ، ولكنها عادت فتساءلت وسألت القراء معها عن رأيهم في الحب الذي ينشأ من أول نظرة كما يقولون بدون أدنى تقدير ، بل قل بتقدير مفاجئ وسريع وسريع جداً لسلوك المرأة ؟ !
وقد أجابت دائرة المعارف البريطانية نفسها علي هذا السؤال فقالت : إن الإعجاب ينشأ على قوانين علم الفراسة . إلى جانب أن هنالك في الذهن أفكاراً سابقة عن الجمال تركز في الجمال في هذا الوجه الحبيب وتنطبق عليه ، وهذه الأفكار تأتي إلي الذهن من طريق التجربة وبمرور الزمن.
وقد عقدت دائرة المعارف البريطانية بعد ذلك مقارنة بين قدرة الرجل على الحب وقدرة المرأة على الحب فقالت : إن من حق الرجل أن يغازل ، بينما من حق المرأة أن يتغزل بها ! وعليها أن تقبل أو أن ترفض أو أن تقدم أو تدبر . ولعل أفضل خصلة تتحلى بها الأنثى التواضع ، فالطبيعة قد حمت الأنثى بها لتحميها من الدعوات الكاذبة قبل الزواج ولكى
تكون وثاقا متينا في الحب الزوجي المتبادل .
ولا أدري كيف تببح دائرة المعارف لنفسها التحدث بمثل هذا الحديث الذي لا نرى اثره في هذا العصر الحاضر الذي تتحلى المرأة فيه بالكبر والخيلاء . .
ولكن مثال الجمال على حد قول الدائرة هو أن تكون المرأة جميلة الملامح حلوة القسمات ، وأن تكون رقيقة وادعة متواضعة ، فكل هذه الصفات تنتزع في الحال التقدير منا ، ولكن هذه الصفات إذا ما امتزجت بجمال فضاح يصبح التقدير والرغبة في الحال حبا وعاطفة متأججة .
وقد كان الإغريق يطوفون بيوت أحبائهم ويطوقون أبوابها بالأزهار والنوار والورود ، وعندما لا يحظى حبهم بالنجاح فإنهم يتفننون في أساليب إثارته وأفانين تحريكه في قلوب أحبائهم ، فكانوا يصنعون التعاويذ والرقى ويعجنون الدقيق بأنواع من الزيتون ظانين أن هذا يثير الحب . .. وكانوا يطحنون الدقيق ويحرقون الزهور ويذيبون الشموع ويصنعون أحجبة من ريش لبعض الطيور وعظام الأفاعي وبعض الأسماك ابتغاء الحب ؛ ولكن الحب بدون سحر لا يمكن التخلص منه ولا يمكن الشفاء منه ؛ فأبولو نفسه قد صرح بأنه لا يجد دواء ، له اللهم إلا العجب ! . .
وإلى جانب هذا نصح بعض المحبين بالاغتسال من بعض الأنهار المقدسة ابتغاء الخلاص من الحب .
وقد تكلمت دائرة المعارف البريطانية عن الحب في الطب ولم تتعمق في الحديث عنه ، بل صرحت بتلك المبادئ ، الأولية المعروفة والظواهر الجلية المألوفة ، كالتماع العيون واضطراب الخفقان وكثرة الزفرات وشحوب الوجه وظلام العيون في بعض الأحيان وذهاب النوم وفقدان الشهية وإتيان الرزية وانتشار البلاء .
وقالت دائرة المعارف البريطانية : إن الحبيب أو العاشق برغم هذا كله كان يطوق دار حبيبته بالأزهار ويقدم لها قلائد النوار كأنها إلهة من الآلهة
ولم تشر دائرة المعارف البريطانية إلى ألوان الحب الأخرى ، ولعل أحسنها حب ان ومراحله ومدارجه .
وإن كانت المعاجم الإنجليزية الكبيرة قد تحدثت عنها لقاموس سير موري sir moury
ولكن يجب أن نذكر تلك الآية الكريمة النفيسة من الإنجيل ( الله المجد ) ؛ فهذه الآية تعد دستورا للدين المسيحي . ومن ثم كان من الواجب على المسيحي أن يحب الناس جميعا ابتغاء حب الله ومرضاته . وهذه الآية الكريمة تتلى بين الحين والحين في الكنائس والأديرة ، وتحتوي برغم صغرها على معان رفيعة وأغراض سامية واتجاهات نبيلة .
أما في الدين الإسلامي ، فقد تبحر بعض الصوفية في الحب الإلهي وتعددت طرائقه وسبله ، وظهر في أفق التصوف الإسلامي أعلام كبار يشار إليهم بالبنان ؛ وقد جاء في الأثر عن رسول الله : " رحم الله امرأ أحب فعطف فمات شهيدا . ."
ولسنا الآن في صدد تحقيق هذا القول وبيان نصيبه من الصحة أو الخطأ ، ومن الصواب أو الخطل ، ولكننا مع هذا نقول : إن الدين الإسلامي في جوهره محبة وإخاء ووفاء . ويروون أن داود كان يقول :
اللهم إني أسألك حبك وحب من يجبك والعمل الذي يبلغني حبك . اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ومن أهلي ومن الماء البارد .
وقد جاء هذا المعنى في الدين الإسلامي حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم : ( يحبهم ويحبونه )، وقال كذلك : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ، وقد قال أحد الصوفية :
المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه . والمحبة استهلاك في لذة ، والمعرفة شهود في حيرة وفناء في هبة ؛ وقد روى عن رسول الله انه دعا إلى الحب والتصوف في قوله : ( من أحب الله فليحبني ، ومن أحبني فليحب أصحابي ، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن ، ومن أحب القرآن فليحب المساجد . . )

