1 - من عدة أشهر مضت تفضل حضرة الأستاذ دريني خشبة فزارني وتحدث معي في مشروع قانون خاص بالزواج تعتزم وزارة الشئون الاجتماعية استصداره . وقد تشعب الحديث فتناول مسألة تعدد الزوجات . فقلت له إن الذي أفهمه من مقارنة بعض الآيات القرآنية ببعض أن الأصل عندنا نحن المسلمين تحريم التعدد ، وبينت له وجه استدلالي .
فنشر حديثي في عدد مجلة المجتمع الصادر في فبراير سنة ١٩٤٧ . ثم علمت أن أحد الأفاضل من المشتغلين بالفقه الإسلامي رد على ردا نشر في عدد مارس سنة ١٩٤٧ من تلك المجلة . فاطلعت على كلام حضرته فإذا به يعترض على بما حاصله أنه مصرح للمسلم بزواج أربع ، وكل ما يطلبه إليه القرآن إنما هو العدل المستطاع بين الزوجات ، وأن هذا مدلول عليه بقوله تعالى : " فلا تميلوا كل الميل فنذروها كالمعلقة " ، وأني في حديثي تركت هذه العبارة التي هي موطن الحكم ، وأن عملي في تركها كمثل من يقول : " ويل المصلين " تاركا ذكر باقي الآية - إلي أقوال أخري لحضرته في الإعتراض .
ولأسباب شخصية خاصة بي وأسباب تجريبية مما رأيته في أحوالنا الاجتماعية أمسكت عن الخوض في هذا الموضوع الذي اتحسس أن الكلام فيه وفيما هو من واديه يكثر بلا نتيجة .
ولكن في يوم ( ٣٠ سبتمبر سنة ١٩٤٧ ) شرفني بعض أفاضل إخواني بالزيارة وبينهم أستاذنا أحمد بك أمين . وقد جر الكلام إلي هذا الموضوع ، ولاختلاف الآراء فيه بدر مني أني سأكتب رأيي تفصيلا وأنشره بمجلة الثقافة . ومع أن إنجاز هذا الوعد ليس فيه سوى الإسراف على صحتي دون جدوي ، فقد آثرت أن أتحامل على نفس وأنجز ولو مع التراخي ، فإن الحلف شين .
آيات القرآن ووجوه الاستدلال بها
- هاك نص الآيات القرآنية التي بنيت وأبنى عليها رأيي ، وكلها في سورة النساء : -
أولا : الآية الثانية من السورة وهي : " وآتوا اليتامي أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلي أموالكم إنه كان حوبا كبيرا " .
ثانيا : الآية الثالثة ونصها : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعولوا " .
ثالثا : الآية التاسعة والعشرون بعد المائة ونصها : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ، فلا تميلوا كل الميل فتذورها كالمعلقة" .
2 - وأقول : إن الكلام في الايتين الثانية والثالثة من السورة مسوق لتحقيق فضيلة العدل في المعاملة . فأشار في أولاهما إلي ما كان حاصلا من أكل المخاطبين أموال اليتامي الذين في ولايتهم ومن العبث بها ؛ وقد أمرهم باجتناب هذا العبت وعدم التورط فيه لأنه إثم عظيم .
ولما كان بعض اليتامي إناثا في حجر المخاطبين وكان لهن أموال تحت يدهم وكان من عادائهم السيئة أنهم يتخذون هؤلاء اليتامى زوجات لهم ويمسكونهن هن وأموالهن ضرارا ، وكان هذا أشنع مظهر من مظاهر أكل مال التيامي ، فتتميما
لفكرة تحقيق العدل (التي في الآية الثانية من السورة ) وتثبيتا لها أشار في الآية الثالثة إلي هذا المنكر ، وأتى بأبلغ ما يكون من القول لصرفهم عنه . إنه يقول لهم : إذا فهمتم قولي في الآية السابقة وعلمتم أن أكل مال اليتامي مطلقا (من ذكور وإناث ) إثم كبير ، فلا تتذرعوا إلي هذا العبث بنكاح اليتيمات اللاتي في حجوركم ، بل تعففوا عن نكاحهن المفضي بكم إلي أكل أموالهن ، ولديكم ممن تستطيبونهن من غيرهن من النساء كثيرات ، تستطيعون أن تنكحوا منهن ما تشاءون ، لا واحدة ولا اثنتين واحدة بعد أخرى ولا ثلاثا واحدة بعد الاثنتين الأوليين ، بل حتى مثنى وثلاث ورباع ، أي جزافا بلا حساب ولا عدد .
٤ - فهذه الآية ليست مسوقة لتحديد عدد الزوجات مطلقا ، بل هي مسوقة بالذات وبالقصد الأول إلي التضيق على المخاطبين في نكاح من تحت حجرهم من اليتيمات ، مع تبكيتهم لعدم انصرافهم عن هذا المنكر من تلقاء أنفسهم ، والحال أنهم يرون أن لهم مندوحة عنه ، وأن شفاء شهواتهم ورغباتهم ميسور التحقق لهم من غير تلك السبيل الآثمة الخطرة وكل متذوق يعلم كم في التعبير بهذه الكيفية من الهرؤ والسخرية بالمخاطبين من جهة إبرازه أمام نظرهم صورة تكاد تكون مجسمة لتعلميهم عن إدراك ما هو في متناول يدهم عفوا صفوا لا إثم فيه ، وارتكابهم ذلك الإثم الذي هم في غني عن ارتكابه .
غير أنه مع هذا التوسيع التقريبي العظيم لم يترك فكرة العدل التي هي أساس القول في هذه الآية وفي التي قبلها ، بل سارع إلي التنبيه إليها والتنويه بها فقال : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " . بل إنه كما يثبتها في أذهان المخاطبين أكسدها بذكر العلة المرغبة الموجبة فقال : " ذلك أدنى ألا تعولوا " .
٥ - ويلاحظ في الصدد الذي نحن فيه أنه لا فرق بين أن يكون النص أبقى على التعدد المطلق المألوف للعرب كعادتهم أو أباحه إلي الأربع فقط كما يقول حضرات المخلفين ، فإن الرباط الذي وضعه في قوله " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " يسقط قيمة كل كلام في التعدد وإلى أي حد يكون ، ويجعل العبارة تؤول إلي شئ واحد هو : أن الشارع يستوي عنده أن يتزوج الرجل واحدة أو ألفا ما دامت معاملاته لكل واحدة من زوجاته تكون عادلة ، وما دام يسوي بين الجميع في هذه المعاملة العادلة ، وما دام لا يخاف من نفسه عدم العدل ، وبحيث إنه إن خاف عدم العدل فواجبه أن يقتصر على الواحدة .
6 - ألا إن النص في نظري بعيد - كما أسلفت - كل البعد عن إفادة أن الآية مسوقة لتحديد عدد الزوجات الجائز جمعهن ، كما يقال . وذلك :
أولا : لأن تحديد عدد الزوجات من الأمور الأساسية في التشريع للعرب لأنه يصادم عادة متأصلة فيهم ، والقرآن أجل من أن يأتي بهذا الشأن الأساسي بصفة عرضية جوابا لعبارة شرطية بعيدة بظاهرها عن هذا الشأن ولا مناسبة بينها وبينه . إذ الحق أن أحدا لا يستطيع أن يفهم ما هو الارتباط بين خوف عدم الإقساط في اليتامى وبين نكاح النساء وإلى أربع فقط ، إن القرآن لأجل بلاغة من أن يأتي بهذه المفارقة .
ثانيا:لأن كلمة ( ما ) في قوله " ماطاب لكم " هي من أقوى ما يكون في إفادة العموم , ولست أميل إلى ما قد يقولونه من أنها موصولة مستعملة في محل كلمة " من " . بل الذي أطمئن إليه أنها فكرة بمعنى (أي شئ ) ، فهي من أعم ما يكون في الدلالة ، أى فانكحوا مما ينكح أى شئ طاب لكم ، أي آية امرأة أو أية مجموعة من النساء طابت لكم ، ولا شك أن هذا التعيير في ذوق كل عربي أعم من دلالة " ما " إذا فهمت على أنها موصولة .
ومتى اطمأن الناظر إلي أن لفظ ( ما ) عام ذلك العموم ، وأنه بأصل وضعه يطلق على الإنسان والحيوان والجماد وسائر الموجودات ، ولا يتحدد إلا بالوصف المباشر الذي ينعته ، وهو هنا " طاب لكم من النساء " فما يطعن على بلاغة القرآن وتساوق عباراته وتناسبها أن ينحدر من هذا العموم الكلي إلي التحديد بالأربع ، بل إنه انحدار يكون غير مقبول شكلا ( كما يقول الناس في وقتنا الحاضر ) . إذ لا مشاكلة بين ذلك الإطلاق المبتدأ به وبين هذا القصر المفاجئ الذي يصدم الفكر لأنه من واد آخر مفارق لوادي التعميم ، وهو في التمثيل أشبه الأشياء بفارس يكبح فرسه ويكرهه على الوقوف فجأة وهو في أوج انطلاق عدوه . وبلاغة الآية لا يحتمل هذا العبث الشديد .
ومما تجب ملاحظته أن القرآن عندما ما نعت كلمة ( ما ) المذكورة راعي عمومها المطلق فاستعمل في النعت كلة (طاب ) ولم يستعمل كلمة ( حل ) لأن ( الطائب ) قد يكون حلالا وقد يكون حراما ، فمدلوله أعم وأشمل من مدلول الحلال . وهذا من أبدع ما يكون في مراعاة المشاكلة . فحرام إذن أن يعبث أحد بهذه البلاغة المتناهية .
ثالثا : لأن التغاضي عن مقصود العبارة القرآنية وفهمها على ذلك التحديد الحرفي يؤول بنا إلي نتيجة منكرة ذلك أن مثني وثلاث ورباع معناها المتفق عليه عند الجميع اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ، لأنها أوصاف معدولة عن أصلها هذا العددي . ومثل هذا التعبير سواء كأصله أو كما عدل به إليه مستعمل الآن وقبل الآن في كثير من الظروف . يقول الضابط لجنوده : سيروا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة ( أو يقول لهم ما يساوي هذا بالضبط في فصيح العربية الموجز : سيروا مثني أو ثلاث أو رباع ) ؛ فإذا أراد الجنود تنفيذ هذا الأمر وجب أن يكون حدث السير واقعا من كل اثنين منهم معا في آن ، أو من كل ثلاثة منهم في آن ، أو من كل أربعة في آن ؛ بحيث إنه إذا سار واحد منهم مفرده ثم سار الآخر من بعده بمفرده فإن سيرهم لا يكون مثني ( أي اثنين اثنين ) بل يكون موحد فقط . وكذلك إذا قلت لأحد الناس :
كل هذه العنبات مثني وثلاث ورباع ، فتنفيذ هذا يكون بأن يأخذ في اللقمة الواحدة حبتين من العنب أو ثلاث حبات أو أربعا .
أقول هذا لإفادة أن المعنى الحقيقي للفظ ( مثني ) يقتضي أن الحدث المتبوع بهذا الوصف يقع في وقت واحد من الفاعلين أو على المفعولين . فقوله : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " معناه بحسب حقيقة هذه الألفاظ يقتضي أن حدث النكاح يقع في الوقت ذاته على اثنتين أو ثلاث أر أربع ، أي أن يأتي الرجل لامرأتين فيتزوجهما في وقت واحد بعقد واحد أو أن يأتي لثلاث نساء أو لأربع فيتزوجهن في وقت واحد بعقد واحد كذلك . وهذا من أشد ما يكون إفسادا للفكر ، لمخالفته لما هو معلوم من ماجريات العادة عند العرب وغير العرب في الزواج . هذا الفساد الشنيع الذي يؤول إليه المعنى يفيد أن تلك المغالاة اللفظية يستحيل أن يكون معناها الحرفي هو المقصود ، بل هي كناية عن الأخذ الجزاف المنافي لكل تحديد ، وقد جاءت هنا للغرض الواضح الذي أشرت إليه وهو تقريع الخاطبين والهزؤ بهم لتماديهم في أكل أموال اليتيمات بالباطل عن طريق نكاحهن ، وتعاميهم عن الباب الواسع الموصل إلي تحقيق رغباتهم من النكاح بلا حرج ولا فسوق ولا أثام . أما رجوع الأمر بعد هذا الكلام إلي قوله : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة . . " فهو تعجل منه بالعودة إلي ما يجب من تحقيق فكرة العدل التي قامت عليها الآية التي نحن فيها والآية التي قبلها وكثير مما بعدها من الآيات
رابعا- لأن عبارة الآية " مثني وثلاث ورباع " أتت بكل ما في العربية من ألفاظ الصفات العددية التوزيعية
إذ ليس في العربية (خماس ) ولا ما يليها ، وخلاصة ما قاله ثقات اللغويين المختصين أنه ورد فيها لفظ ( عشار ) سماعا فقط ولكنه من الشذوذ .
وهذا يدلك على أن القرآن استقصي في الآية كل ما في العربية من ألفاظ التوزيع الجزاف ولم يترك بعدها لفظا لمزيد . ومن التسلل الرخيص على عبارة الآية أن تلتمس منها إرادة تحديد الزوجات بشيء من المجاميع التوزيعية البينة بها . ولقد يخيل إلي أن هذا التسلل الرخيص هو من عمل بعضهم أيام التدوين واجتهادهم في تصويب ما استقر عليه الإجماع في بيئتهم من عدم تعدي الأربع . وجدوا ألفاظ هذه الآية تنتهي إلي ( رباع ) فحملوا هذا اللفظ متكأهم وأخذوا يؤولون الآية ويفسرون العربية على غير ما لألفاظها من الدلالات والمفاهيم .
بل إن من أبلغ ضروب التسلل ما عمدت إليه بعض البيئات من قولهم إن الآية إذ قالت : " مثني وثلاث ورباع" فقد أباحت للمسلم تسعا من النساء ، لأن ( مثني ) معناها اثنتان و ( ثلاث ) معناها ثلاث و ( رباع ) معناما أربع ، وهي متقاطعة بالواو المفيدة للجمع وجموع هذا تسع ، ثم من تأييدهم هذا الفهم الجرئ بما كان من ترك النبي قسما من الزوجات ، وأخطر من هذا التسلل زعم بعضهم أن المسلم التعديد إلي ثماني عشرة لأن الفاظ الآية تفيد التكرير .
ومن عبارات الحق التي يدعم بها الباطل أن المقتصرين على أربع ردوا على أولئك بأن التسع من خصوصيات النبي لا يشركه فيها مسلم ، وظنوا أنهم بهذا الرد ألزموا بنظريتهم في حل الأربع فقط مخالفيهم أولئك المتطرفين .
وأقول إن الحق بين , هو أن الآية لم تعمد قط إلي تحديد عدد الزوجات بالنص ، لا بأربع ولا بتسع ولا بثماني عشرة كما هو مزعوم . ولا يطعن على أي دين من الأديان أنه يترك تعدد الزوجات على أصله من الإباحة ؟ إنما يعلم الدين أن لا يأمر بالعدل التام فيها بين الزوجات المتعددات ؛ والدين الإسلامي يأمر به بأقوي العبارات ويشدد في أمره ؟ التشديد ، بل يصرح بأنه فوق استطاعة الإنسان .
خامسا - لأنهم - تأييدا لتفسيرهم الإكراهي - يقولون إن في الآثار أن فلانا أو فلانا كان تحته ثماني نساء أو عشر ، فلما نزلت الآية كلم النبي وأمره بإمساك أربع ومفارقة الباقيات .
وأقول : كيف تطمئن قلوب المؤمنين إلي الأخذ بمثل هذه الأحاديث ؟ إنه حتى مع التسليم جدلا بأن الآية تحدد عدد الزوجات ، فان فلانا الذي يروون حكايته إما أن نساءه كن جميعا لديه في الجاهلية ، وإما أنه جمعهن بعد الإسلام ومن قبل إسلامه هو ، أو بعد إسلامه ومن قبل نزول قوله تعالى : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " وعلي أي الفروض فهل يعقل أن مثل هذا الرجل الذي قد يجوز أن يكون كل نسائه والدات ، ويجوز أن يكون له من كلهن اطفال في دور الرضاع - هل يعقل أن أية شريعة سماوية أو وضعية تأتي بخراب بيت مثل هذا الرجل وتشتيت بعض زوجاته وما قد يكون لهن من أطفال ؟ هذا منكر لا يأتيه شرع الله ، ولا يمكن أن يكون النبي أمر به إلا إذا تصورنا النبي - وحاشاه - قد فارقه ما فطر عليه من الخلق العظيم ، وأية ضرورة دينية أو اجتماعية عاجلة تدعو الشرع الإسلامي إلي مثل هذا التخريب العاجل الشنيع ؟ ألا يكفى أن يكون القانون نافذا في المستقبل وأن الله الغفور الرحيم يعفو عما سلف ، بلا إسنادا للحكم ولا رجعية ؟ أظن هذا هو الحق وأنه هو مراد القرآن ، وهو جار على طريقة القرآن .
ومن ناحية أخرى فان قوله : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع ، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة . . " إن فرض أنه مسوق للتصريح بتعديد النساء إلي أربع فقط (على التفسير
القسري الإكراهي الذي يريده أصحاب هذه النظرية ) ، فإنه يقرر أيضا حكما أساسيا هاما هو وجوب الاقتصار على واحدة عند خوف عدم العدل بين الأربع المزعومات . وهذا الحكم الأساسي كان يقتضي بطبيعة الحال أن يأمر النبي الناس بمفارقة ما زاد عن واحدة ، لأن الخوف يملأ كل نفس حتى نفس النبي . فلماذا يترك النبي تنبيه الناس إلي هذا ويقتصر على تنبيههم إلي مقتضي الحكم الأول الخاص بعدم الزيادة على الأربع ( كرأيهم ) ؟ إن هذا ليجعلنا نرتاب كل الارتياب في صدق تلك الأحاديث التي يحتجون بها .
دفع اعتراض
٧ - أما ما قيل من أتي في حديثي الأول أشرت إلي لآية الأخرى الواردة في نفس سورة النساء ، ولكني ذكرت جزءا منها فقط هو قوله : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " وتركت باقيها وهو قوله تعالى : " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة . . " وأن هذا الذي لم أذكره هو موطن الحكم ، وان عملي في تركه كعمل من يقتصر من الاية القرآنية علي قولها : " ويل للمصلين " - كل ما يقال من هذا لا جد فيه . وحضرة المعترض الفاضل يعلم طبعا أن لاجد فيه ؛ ولكن يبدو أنه يريد الاعتماد على الأدلة الخطابية التي لا تجدي فيما نحن فيه . وإن أرادني على بيان عدم حد هذا القول ، فإني كمثله لا أرجع للعبارات الاصطلاحية التي يراها ثقيلة . بل يكفي أن أقول إن هناك طريقة عملية بسيطة تبين فساد التشبيه : هي أن تد كر العبارة القرآنية أو غيرها مجردة ، وان تنتظر هل يقال لك : ( هذا صحيح ) أو يقال : ( هذا كذب ) . فكل عبارة يقول لك سامعها : ( هذا كذب ) تعرف بلا رجوع إلي الاصطلاحات العلمية أنها عبارة لا تستقل بذاتها ، ولا يجوز فصلها عما يتممها . فإذا قلت : " لا تقربوا الصلاة " فقط أو " ويل للمصاين " فقط قيل لك ( هذا كذب ) ، فتعلم من هذا أن عدم تتميم الكلام خطأ فاحش . أما كل عبارة لا تسمع أحدا بعدها إلا قائلا : ( هذا صحيح ) مثل قوله تعالى : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا وبين النساء ولو حرصتم " فإنها تكون عبارة مفيدة معنى تاما صحيحا كل الصحة ، وكون لك أن تقتصر على إيرادها وأن تستنتج منها أو تفرع عليها ما شاء الله أن تستنتج أو تفرع مما لا يمنعك منه مانع شرعي أو عقلي . وكل هذا معروف طبعا وترديدي إياه الآن لجرد التذكير .
٨ - إن آية أول السورة بعد أن وسعت في الزواج ذلك التوسيع التقربي الجراف الذي لا تحديد فيه قالت : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " ، وآية آخر السورة تقول : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " ولفظ ( العدل ) وارد في الآيتين بحروفه ، فلا يمكن أن يكون معناه فيهما إلا واحدا على حقيقته الشاملة للمعاديات ثم المعنويات الباطنية جميعا . ولقد فهمت أن الآيتين متكاملتان وأن أولاهما إذا كانت أوجبت على من يخاف عدم العدل بين زوجاته أن يقتصر على واحدة ، فإن الثانية إذ قررت أن هذا العدل غير مستطاع مهما حرص الإنسان عليه ، فقد أكدت بهذا أن الخوف حقيقة واقعة لا محالة ، فكان تأكيدها هذا أدعي إلي الإقتصار على واحدة وأوجب له وجودا لا انفكاك منه . فهمت هذا وقررته وقلت إني من دعاته والمؤمنين به . فقال حضرة المعترض : إنه يحتج على بالجملة التابعة للآية الثانية وهي قولها : " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة . . وإن القرآن أباح التعدد إلي الأربع ، وإنه لو كان أراد تحريم تعدد الزوجات حقيقة لسهل جدا أن يعمد إلى النص على هذا رأسا في عبارة موجزة تقتصر على بيان تحريم التعدد وحكمة التحريم بما في التعدد من جور .
فمؤدي احتجاج حضرة الأستاذ أن الأصل القرآني هو أن التعدد مباح دائما بلا شرط ولا قيد ولكن إلي الأربع فقط ، وان عبارة " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " وردت لتنظيم السير عند الأخذ بهذه الإباحة المطلقة الدائمة إلي الأربع .
٩ - وأقول إنه لو صح هذا الفهم لتعارضت هذه العبارة على الدوام والاستمرار تعارضا شديدا مع عبارة " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، ولاضطرب قلب المسلم وما فهم كيف أن الله يأمره عند مجرد خوفه من عدم العدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة ، وكيف أنه مع حكمه في قوله : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " بأن هذا العدل غير ممكن مهما حرص الرجل على تحقيقه - كيف أنه مع حكمه هذا الحكم القاضي بتحقق الخوف حتما بصفة دائمة والمقتضي عقلا وبطريق الأولى وجوب اقتصاره على واحدة - كيف أنه هو نفسه يسقط عمل هذا المقتضي ويجعل الرجل حرا في تحديد الزوجات ، وكل ما يطلبه إليه هو العدل بينهن ما استطاع ؟ أقول لاضطرب قلب المسلم ولم يدر هل بعبارة " فلا تميلوا كل الميل فتزروها كالمعلقة نسخ الله أمره الأول وهو الاقتصار على واحدة عند خوف عدم العدل فسخا أبديا ؟ أم أنها مرادا آخر ؟ إشكال شديد تصطرع فيه ذمة من يريد السير على مقتضى شريعة الله القائمة . واحتجاج حضرة المعترض لا ينتج إلا إذا كان هذا النص الذي يحتج به قد نسخ النص الأول فأصبح لا معول عليه ، وأصبح النص الثاني المذكور وهو قوله : " فلا تميلوا كل الميل " هو النص الأبدي المعول عليه . وما أظن أحدا يجرؤ أن يقول بهذا النسخ .
لا إشكال في النصوص
١٠ - والواقع الذي يبدو لي أن ليس في عبارات القرآن التي نحن بصددها شئ من الإشكال أو الغموض لو نظرنا إليها على بساطتها ونظرنا إلي حال العرب الأولين عند نزولها ، وأدركنا أن القرآن كتاب هداية وإرشاد ، كان يتنزل ويبلغ للعرب رويدا رويدا تبعا لحالهم الاجتماعية واستعدادهم النفسي الذي يتربى بالزمن شيئا فشيئا بغير عنف لا تقتضيه الظروف .
ذلك بأن الآية الأولى - كما أسلفنا - لم تأت قط بقصد التصريح بتعديد الزوجات ، ولكن إلي أربع فقط كما هو مزعوم ، وإنما أتت - بظاهرها - غير ملائمة من أخذ أي عدد كان من النساء ، ولكنها مع هذا التوسيع التقريبي الجزاف خشيت أن يسيء المخاطبون فهمها فنيهتهم إلي لزوم الاقتصار على واحدة عند خوف عدم العدل . وبما أنه يبدو أن النبي وكثيرا من الناس كانوا علي عادة العرب متزوجين بأكثر من واحدة ، فخوفهم من عدم العدل حاصل بالطبع وقلوبهم واجفة واقعة في الاضطراب حتما ، وهي حال لا تطاق ، فما العمل ؟ هل يسارعون إلي العمل بقوله : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " وحينئذ يفارقون ما زاد على الواحدة ؟ أم أن الله في لطفه وكرمه والدين الإسلامي في يسره وسهولته ينظر إلي الزوجات التي تبين ، والأطفال التي تهمل ، واليبوت التي تخرب ، والعرب الواجب تأليف قلوبهم لا تنفيرهم ، فيجعل تشريعه للمستقبل ويتساهل في الماضي وفي أثر النكاح القائم ويتركه حتى يزول بطبعه بعد قليل من الزمن ، شأن كل تشريع سليم يرضاه العقل ويطيقه الاجتماع ؟ يبدو لي أن هذا هو الواقع ، وأن المسلمين هلموا وجأروا هم والنبي إلي الله متعلمين من هذه المحنة الراهنة ، فلطف الله بهم فبين مراده بأن أنزل قوله : " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة "
لا تنظيما للمستقبل الأبدي كما يقولون ، بل تنظيما للحالة الوقتية الناشئة عن تلك المحنة التي وجدها المسلمون حانقة بهم ، وهي حالة الزوجات المتعددات الموجودات فعلا عند تزول هذا القول ؛ وذلك بأن يراعي العدل بين الزوجات المذكورات بقدر الاستطاعة وبأن لا محل لمفارقتهن وعدم الإبقاء إلا على واحدة فقط منهن بسبب خوف عدم العدل .
١١ - وهذا الفهم الذي نفهمه من اضطراب المسلمين وشكواهم ومن تخفيف الله عنهم على الوجه المذكور - ( الذي هو مجرد تخصيص أو بيان لحكم " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " من جهة زمان تطبيقه ) - هذا الفهم تؤيده نصوص القرآن نفسه ، فإن الآية ( رقم ١٢٩ ) التي ورد فيها قوله : " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " إنما نزلت ضمن ما نزل بعد قوله تعالى في الآية ( رقم ١٢٧ ) " ويستفتونك في النساء . قل الله يفتيكم فيهن وما يتلي عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ..." فأنت تري في هذه الآية ( رقم ١٢٧ ) ما يؤيد فهمنا من أن العرب ضجوا وجاروا بالشكوي من المحنة التي وجدوا انها نزلت بهم فاستفتوا النبي وانت تري أيضا أن هذه المحنة المشكو منها والمستفتى فيها أشار القرآن إليها وإلى موضوعها إشارة واضحة ، وذلك بتصريحه بأن الاستفتاء هو في النساء ، ثم بتصريحه بأن فتواه هي هي ما سبق تلاوته عليهم في القرآن في يتامي النساء اللاتي كان العرب يأكلون أموالهن ويريدون أن يتزوجوهن ، أي تذرعا لأكل أموالهن . والذي سبق للقرآن تلاوته عليهم في هذا الصدد إنما هو قوله تعالى في الآية الثالثة من السورة : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة . . " ولا شك أن إشارة القرآن في الآية ( رقم ١٢٧ ) إلي الآية ( رقم ٣ ) المذكورة إنما هي توكيد منه لهذه الآية ( رقم ٣ ) ولفت نظر إلي وجوب العمل بها . علي أن القرآن لم يكتف بهذا التوكيد المفهوم بطريق الإشارة والإيماء ، بل إنه - كيلا يتأول العرب أي تأول في معني خوف عدم العدل المفهوم من قوله : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " - قد سارع قبل قوله : " فلا تميلوا كل الميل " إلي قوله : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " ، فكان هذا زيادة تثبيت منه لمقتضى قوله : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " كما كان بيانا منه واضحا لوجوب العمل بقوله هذا في المستقبل وتأكده تأكدا محتوما .
١٢ - فعبارة " فلا تميلوا كل الميل " المراد الاحتجاج بها ليست إذن - يعلم الله - سوي حكم وقتي ينقضي بانقضاء الموجود من الزوجات عند تزولها مهما يكن عددهن . ومن المستبعد عقلا أن تكون - كما يزعمون - تنظيما أبديا للسير عند تعدد الزوجات إلي أربع ( أو إلي تسع أو إلي ثماني عشرة كنظريات المتطرفين ) . مستبعد هذا مثلا ، إلا إذا قيل إن الله الغي قوله : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " أو أنه مع إيجابه على الناس تشغيل عقولهم فإنهم يجوز لهم تأويل كلامه بما يخالف مقتضي العقل ، ولو حكم العقل بأن ما يذهب إليه هو الأولى . ومن ذا الذي يقول ذلك ؟
١٣ - ومتى فهمنا عبارة " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " على هذا الوجه المعقول الموافق لأصول التشريع أبعدنا عن نصوص القرآن شبهة التعارض والإشكال والنسخ ، وعن الدين شبهة ظلم النساء المتزوجات فعلا إذ ذاك بلا موجب اجتماعي أو ديني ، وعن مسلمي ذلك الوقت مضض العنت اللازم عن تنفيذ مثل تلك الاحاديث التي يروونها عمن يقولون إن النبي أمرهم بترك لزائد عن أربع من النساء .
١٤ - وخشية سوء التأويل لا يفوتني هنا تكرير القول بأن القرآن الكريم لم يحرم تعدد الزوجات بنص صريح
قاطع خاص ، بل إني إذا كنت ذكرت في حديثي الأول أنه يحرم التعدد فواضح من الحديث ذاته أن ذلك استنتاج من الايتين ( رقم ٣ )و ( رقم ١٢٩ ) واحتياط مني بصفتي مسلما يجب ان يعتني بتقرير ما يغلب على ظنه أنه هو المقصود للنصوص الواردة بكتاب شريعته .
١٥ - أما ما اعترض به من أن القرآن ( لو أراد تحريم تعدد الزوجات لنص على هذا ......الخ ) فيبدو أن أساسه ما تلقفه حضرة المعترض من كلمة( بتاتا ) التي وردت في حديثي ، تلك الكلمة التي توهم بظاهرها أنه تحريم مطلق لا مثنوية فيه . فأنا أعذره في اعتراضه . ولكني أعتب عليه لتركه ما في تفصيل الحديث وتلقفه تلك الكلمة الشاردة لبناء الاعتراض " وهو لابد عالم بأن المحادثات الشفوية ، وبخاصة في مثل هذه الموضوعات الحساسة ، غالبا ما يلابسها التشدد في تأييد الاعتقاد فلا تخلو من شرود بعض الألفاظ . وبقطع النظر عن هذا ، فإن ما يقوله الآن هنا غير قويم ؛ لأنا جميعا نعرف - كما أشرت إليه من قبل - ان الدين الإسلامي عالج نقائص العرب تدريجيا مع الأناة والتلطف والابتعاد عن كل ما ينفرهم بلا مقتض . ومسألة تعدد الزوجات كانت من العادات المتأصلة فيهم ، فمصادمتهم بتحريمها بالنص القاطع القاسي لا محل لها . لكنه لهذا أسهل طريق وأحكمه ، طريق التحدي بالعدل . والعدل لا ينفر عربي ولا غير عربي من سماع لفظه ولا من إقرار معناه . اشترط عليهم العدل بين الزوجات ، فكانت وسيلة سائغة من شأنها - لو أخذ بها - أن تكون موصلة إلي الفرض غاية التوصيل ؛ بل إنه - كما أفهم - لطف بهم فلم يكلفهم في الموجود من الزوجات إلا العدل المستطاع ، ولم يحمل حكم الاقتصار على واحدة عند خوف عدم العدل نافذا في هذه الوجودات . وإذن فما محل اعتراض حضرة الأستاذ المعترض ؟ إنما المحل للاعتراض هو دعواهم على الآية أيها تحدد الزوجات المحللات إطلاقا بأربع . إذن هنا موطن القول بأن القرآن لو أراد لتعمد أن يقول بعبارة بسيطة موجزة : ( يحل نكاح النساء إلي أربع ) أو ( يحرم نكاح أكثر من أربع ) ، بل - بما أن عدم الزيادة على أربع هو من باب محرمات النكاح - كان من الأولى أيضا أن يذكر أمره به في آية " حرمت عليكم أمهاتكم " بأن يأتي بعد عبارة " وأن تجمعوا بين الأختين " فيقول : ( ولا أزيد من أربع إلا ما قد سلف ) - أو كان يذكره استغلالا كما ذكر " ولا ننكحوا ما نكح آباؤكم " . ثم هو لا يحتاج في تسويغ هذا التحريم الشئ من العلل لأن العلة واضحة .
منهج القرآن والأصل المتبادر فى هذه المسألة
١٦ - وينبغي لي أن أسارع إلي القول بأن أفعال الله تعالى تقوم على الحق ودينه يقوم على الحق . والعدل هو ميزان الحق أي هو الطريق الوحيد الممكن للحق في هذا الوجود ، وليس للحق من ميزان غيره . ولذلك نجد القرآن الكريم يشيد بالعدل ويبحث على تحريه في كل منحي من مناحي الأعمال المقصودة للدنيا أو للآخرة ؟ وما هذا إلا ليتحقق في ملكوت الله قيام الحق . وفيما عدا الحق المعلوم من الدين بالضرورة كوجود الله وقدرته والبعث والحساب وما شاكل هذا مما علينا اعتقاده ؛ فإن العدل الذي هو وسيلة التمكين للحق أمر نسبي يتغير مجراه بحسب الأحوال والظروف . فمن بيده تدبير أمور العباد يلاحظ ظروفهم ملاحظة دقيقة ، ويقر العدل فيهم موازنا دائما بين النفع والضرر فيما يأتي من التدابير وما يذر ، غير مجير فيهم إلا ما هو نفع محض أو ما نفعه أكثر من ضرره .
١٧ - على هذه الوتيرة سار الدين الإسلامي في تدبير أمور المسلمين . عالج أحوال العرب بكل تؤدة وسار بهم رويدا
رويدا بلا طفرة نحو ما كانوا ميسرين له من الكمال الخلقي والرقي المادي . وكل يعرف كيف كان تدرجه في كثير من الأنظمة التي وضعها . وفي الموضوع الذي نحن بصدده الآن قد ترك القرآن الناس على حريتهم وعاداتهم يتزوجون أي عدد من النساء يريدون وغير صحيح - في نظري - أنه حد من هذه الحرية نصا أي تحديد . بل كل الأمر أنه نبههم إلي القاعدة الأساسية في تشريعه ، وهي مراعاة العدل والابتعاد عن مزالق الجور ، فأوجب على المسلم عند ما يقوم في نفسه الخوف من عدم العدل أن يقتصر على زوجة واحدة . ثم أكد هذا المعنى تأكيدا لا هوادة فيه بقوله : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بن النساء ولو حرصتم " . فأصبح الأصل الواجب أن يجتذبه كل مسلم يريد الاحتياط لنفسه هو الاقتصار على زوجة واحدة .
١٨ - وهنا يعرض السؤال الآتي : ألا هوادة في هذا الأصل ولا محيص عنه أصلا ؟ . والجواب حاضر ميسور ، وهو ما قرره السلف ويقره العقل من أن الشرط إذا أنتفي بطل المشروط ، ومن أن العلة الموجبة إذا زالت زال المعلول ، ومن أنه لا تكليف بما لا يطاق ، ومن أن الضرورات تبيح المحظورات - تلك القواعد التي لها مصادر أساسية في القرآن ذاته ، كقوله تعالى : " وإذا حللتم فاصطادوا " وقوله : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وقوله : " وما جعل عليكم في الدين من حرج" وكقوله بعد تحريم بعض أصناف الطعام : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه "
١٩ - وهذا بين لك حل التعديد في حالتين : الأولى إذا انعدم الشرط بأن انتفي موطن خوف الجور بتاتا والثانية إذا فضت الضرورات الماسة إباحة التعدد ولو مع قيام خوف الجور . فإذا فرض أن للرجل زوجة مرضت وأصبحت نهائيا في حال لا تصلح معها للزوجية ، فمثلها يستحيل أن تكون محلا لتحقيق العدل في القسم ، وكل ما ينبغي من العدل في حقها إنما هو إجراء النفقة عليها بالمعروف بحسب حاجتها ، يجريها الرجل على أبيه أو أمه أو أخته أو غيرهم ممن تلزمه نفقتهم . فهذه الصورة وما قد يشبهها لا مانع شرعا ولا عقلا يمنع فيها من التزوج ثانية .
ثم إن الأمر قد يقوم فيها من الظروف ما يقضي عليها حتى بتعديد الزوجات ، كأن تدخل أمة في حرب تقضي على كثير من رجالها فيقل عدد سكانها وتتضاعف فيهم نسبة الإناث ، ويكون لا محيص من تعديد الزوجات تكثيرا للنسل من الذكور الذين يرفعون الأمة من وعدتها . فهذه ايضا صورة تبيح طبعا تعديد الزوجات ، إذ الضرر من خوف الجور في لا يصح أن يقام له وزن بجانب ذلك النفع العظيم الذي يأتي به التعديد ، وهو المحافظة على كيان الأمة ومنع تقوضه بسبب قلة رجالها وصيرورتها هدفا لأعدائها .
٢٠ - وانت إذا دققت النظر وجدت أن فكرة تحقيق العدل هي أيضا القاضية بتعديد الزوجات في مثل الصورتين السابقتين . ذلك أن الضرورة الطبيعية تقضي على الرجل مباشرة الاختلاط الجنسي ، والزنا محرم عليه شرعا ، وامرأته في الصورة الأولى لا تصلح لهذه المباشرة ، فمن العدل في حقه أن تبيح له التزوج بغيرها وإلا فقد ظلمته بتكليفه ما لا يطاق وكذلك من العدل في الصورة الثانية عدم تعريض الأمة للهلاك بحرمانها من تقوية نفسها ، ولا وسيلة إلي هذه التقوي إلا بتكثير النسل من الذكور ، ومظنته إنما هي إباحة تعديد الزوجات .
وحاصل ما تقدم أن الأصل في الأحوال الاعتيادية هو الاقتصار على زوجة واحدة ، وان هذا الأصل قد يقضي العدل نفسه بالخروج عليه في بعض الصور ، ولكنها تكون صورا استثنائية تقدر بقدرها ، ومن بيده امر السياسة الشرع يلاحظ هذا ويأمر به بحسب مقتضيات الأحوال .
خصوصيات النبي
٢١ - بعد هذا لك أن تسأل : أليس للنبي خصوصيات وإن كان فما هي ؟ .
والجواب أن له خصوصيات ولكنها فيما يتعلق بالزواج ليست خصوصيات تمتع , بل خصوصيات حرمان أو تكاليف مست إليها الضرورة لتحقيق المصالح الدينية والاجتماعية ، وقضت بها السياسة الشرعية القائم هو دون غيره بإجرائها
إنك إذا قرأت سورة الأحزاب وجدت فيها عبارة خاصة بزينب بنت جحش وزيد بن حارثة معتوق النبي ومتبناه الذي كانوا يدعونه ( زيد بن محمد ) كعادة العرب في الأدعياء , ثم عبارة اخري بعدها يقابل خاصة بما أحله الله للنبي من الأزواج .
وكلتا العبارتين يظن من يأخذ بظاهرهما أنهما خصوصيتا تمتع اختص بهما النبي . ولواقع أن أولاهما بلية ابتلي بها لضرورة التشريع الماسة ، والثانية خصوصية يكاد كل ما فيها يكون مشوبا بالحرمان ولايهاظ كما ستري :
٢٢ - يظن بعضهم في قوله تعلى " واذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه . فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها " . يظنون أن الذي كان يخفيه النبي في نفسه ويخشى فيه الناس دون الله هو ميله لزينب بنت جحش ، ويحسبون أن الله يعتب عليه لندم تصريحه بهذا الميل خشية تعبير الناس له . ولكن لا ريب أن هذا الظن إثم . إذ ما محل العتب على رجل يحب امرأة ويكتم حبها ؟ هل الأصل الأخلاقي في أن الرجل عليه أن يلقط بين الناس مشتهرا بنفسه وبمن يحبها ؟ أم أن الأخلاق الكريمة توجب كتمان الحب والتستر فيه ؟ وعلى الأخص متي كان حاصلا بالمخالفة لعادات القوم وتقاليدهم ، وذلك حتى لا يفضح الرجل نفسه وغيره ؟ أليس أن من أفشي حبه كشف ستر نفسه فكان في عرف الناس مجنونا ، ومثله عند العرب مجنون ليلى ومن أشبهه ؟ أو كان بالأقل مستهترا ، ففسقه الناس ، وتنقصوه مهما علا مركزه كامري القيس الذي لقبوه بالملك العليل ؟ وإذن فمن المستحيل خلقيا وعادة أن يكون مراد الآية ما ظنوه ، بل إن هذا الظن - كما تقول - إثم ، وإثم كبير .
٢٣ - والحق أنك لو التفت , في آخر الآية الرابعة من نفس سورة الأحزاب ، إلى قوله تعالى : " وما جعل أدعياءكم أبناء كم ، ذلكم قولكم بأفواهكم . ولله يقول الحق وهو يهدي السبيل " . ثم إلي قوله عقب هذا في الآية الخامسة " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم . . الخ " - لو التفت إلخ هذا لعلمت أن الله تعالى أراد إبطال نظام النبي كما هو معروف عند العرب ، وذلك لفداحة نتائجه التي منها خلطهم المتبني بنسب متبنيه ودعوتهم إياه كذبا لغير أبيه الحقيقي ، فأشار في النصوص المذكورة إلي ذلك الخلط وعابه ونهي عنه .
ولما كان التبني من المباحات يأتيه من يريد ويهمله من يريد , وإبطال يتحقق بمجرد الكف عنه ، وهذا الكف أمر سلبى يستوي فيه كل تارك له سواء أكان الإمساك من جانبه إطاعة للنهي منه أم كان لسبب آخر ، فلهذا قصد الله إلي شئ عملي يبهر الناس ويثبت في قلوبهم ضرورة العمل بما يريده من إبطال ذلك النظام . وإذ كان أخطر نتائج التبني وأظهرها إغراقا في الكذب والتلبيس اعتبارهم المتبني كابن الصلب حتي من حيث تحرم حليلته على متبنيه سواء طلقها هو. أو مات عنها . فقد اختار الله إبطال هذه النتيجة ، وأن يكون إبطالها بفعل إيجابي لا مستقر ولا وقتي ، بل علي ظاهر ومستمر باق بين الناس ، وذلك لما رآه من أن مثل هذا الفعل هو وحده الذي تقوم به الحجة ويتحقق المقصود .
وإذ كان من البعيد عادة أن يحدث في العرب مثال رجل متبني كزيد بن حارثة له امرأة يختلف معها وبطلها أو يموت عنها ثم يأتي متبنيه فيتزوجها - إذ كان هذا الحادث في ذاته بعيد الوقوع في البيئات العربية لشذوذه فيها كل الشذوذ ، فقد اختار الله النبي ليكون هو مثال المتبي الذي بدور على شخصه تحقيق موجب التشريع . وواضح أنه إنما اختار هذه الشخصية الفذة البارزة لتكون الأحدوثة في الناس أسير ، والتسامع بها آكد وأوفى ، والعلانية فيها أمم ، والحجة أبلغ . جرت المقادير بأن يختلف زيد وزوجته . فاني الذي اختاره في لذلك الغرض كان من اطبيع من تنفيذ ما أمر به من ترك زيد يطلق زيب حتى يتزوجها هو من بعد ، وكان طبيعيا أن يتراخي في هذا التنفيذ ، وكان طبيعيا جدا أن يخفي في نفسه تأذبه ونفوره من أن يكون هو نفسه الذي ابتلي بأن يكون شخصه مدار التشريع في هذا الموضوع ، وكان طبيعيا جدا أيضا أن تدفعه غريزة الحياء وكرم اليجار بادى الرأي إلى ما يشبه معارضة هذا الأمر بانصح لزيد أن يمسك ) زوج ويتقي الله ، ففعل مضطرا على رجاء أن ينظر الله إلى ما هو واقع فيه من المشقة فيخف عنه ، كما جرت عادته تعالى معه في مثل هذا من الآرق .
فالذي أخفاه في نفسه ليس ميله لزينب كما ظن بعض الظانين ، بل هو تأذيه ، وهو - قبل أن يكون نبيا رسولا - إنسان بشر يجد من أشق التكاليف على نفسه أن يبادر إلى تبلغ أمر الله في هذا الموضوع ، وان يسارع لي العمل على تنفيذه ، وأن يعرض نفسه بهذا أمام قومه لنهمة شقيمة عندهم ، هي أنه أعان على تطليق زيد لريفب كما يتزوجها ، خروجا ، تقاليدهم التوارثة ، وذلك عوضا عن أن يعمل جاهدا على تصالحهما والتوفيق بينهما وألا يصرفه عن هذا المسعي الحميد صارف ، كما هو المأمول منه والمنتظر من كريم أخلاقه في مثل هذه الظروف . وقول الآية " وتخشى والله أحق يخشاء " ليس سوي عتاب من الله له على تراخيه في امتثال امره وفي العمل على تنفيذه ، وباقي الآية نفسها وهو قوله تعالى : لكيلا يكون على الزمن حرج في أزواج أدعيائهم إذا فضوا منهن وطرا . . يدلك دلالة واضحة على أن كل المقصود إنما هو التشريع الذي أشارت إليه هذه العبارة الأخيرة . فكل ما في الآية ترتيب مقرر محتوم للوصول إلى هذا المقصود . وقول الآية الأخيرة " وكان أمر الله مفعولا " من أبلغ ما يكون في الدلالة على عتاب النبي لتراخيه في تنفيذ أمر الله الذي من شأنه ومن حقه أن يكون مقعولا واقعا حما على الرغم من أي إبطاء أو تراخ . وقول القرآن من بعد : " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ، وكفي بالله حسيبا " - هذا القول ايضا باع في الدلالة على صدق ما أسلمنا من أن علة يراخي النبي إنما هي تخرجه وتأذيه ذلك التأذي الذي أشرنا إليه ، وبالغ في الدلالة أيضا على أن الموضوع هو أمر قد جرت به إرادة الله وقدره مما لاحرج على النبي في المسارعة إلي تنفيذه ، ومما لا محل لأن يخشى فيه أحدا سوى الله .
فأنت تري من كل هذا أن مسألة زينب وزيد بن حارثة التي طالما طلعن بها المرجفون هي في حقيقتها المفصلة في القرآن بلية ومحنة للنبي استحق العتاب على تأذيه منها وعدم المبادرة إلى الامتثال لها ، وليست تمتيما له كما يزعمون .
٢٤ - أما العبارة الثانية الواردة في سورة الأحزاب فهي قوله تعالى : " بأمها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتهم احور عنك مما أفا ، الله عليك ، وبنات عمك وبنات عمانك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاق هاح من سك ، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين . قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملك أعائهم لكيلا يكون عليك جرح وكان الله غفورا رحيما " .
يقولون إن هذا الكلام أني يخصوصية للنبي ولاسيا في تعقيب القرآن عليه بقوله : " ترجي من تشاء متهن وتؤوي اليك من تمشاء ومن ابتهت ممن عزات فلا جناح عليك " .
٢٥ - وأقول مبدئيا : إن سياق آية التحليل المصدر بها هذا الكلام يدل على أنها نزلت كما هي دفعة واحدة . وقد جاء من بعد في نفس السورة قوله تعالى : " لا يحل لك النساء من بعد . . "
وظاهر هذه العبارة الأخيرة قد يدل على أن آية التحليل نزلت بعد أن كان النبي قد تزوج كل من تركهن عند وفاته . لكن هذا الفهم يمنع منه ما ورد في الآية من قولها ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبي أن يستنكحها ) هذه العبارة الشرطية التي لا يمكن أن يقع الحدث فيها إلا مستقبلا . وإذن يتبين القول بأن البعدية في قول الآية الآخري " لا يحل لك النساء من بعد" ليست بعدية زمان بل هي بعدية أعيان أي غيرية ، وبأن آية التحليل تبيح للنبي أنواعا من الأزواج معينة فيها بالتحديد ، ليس له غيرها ، وأن من ضمن هذه الأنواع طبعا من كن موجودات عنده بالفعل وقت نزولها ، ويجب طبعا أن يكون منها من حلق له النص أحدهن بعد تزولها .
بعد هذا أقول إني علي أي حال لست أجد في كلام آية التحليل التي نحن بصددها شيئا خاصا يفيد تمتيع النبي بما لم يكن متمتعا به غيره من المسلمين الذين صحوه وشايعوه إلى ما بعد واقعة الأحزاب التي ترأت الآية في سورتها ، بل إن الرخص التي يتضمنها كلام الآية كادت كلها تكون مقترنة بالشقة والتضييق في تفصيلها كما شبست مهما من بعد في جملتها .
٢٦ - أما من جهة التفصيل فأنت ترى من قوله " اللاتي آتيت أجورهن " أن الله لم يحل التى الزوجة إلا إذا كان قد عجل لها المهر ، مع أن المسلم أن يتزوج ويباشر حقوق الزوجية بدون تعجيل المهر . وإني بمقارنة ما تردد في هذا المقال من آيات القرآن وجملها بعضها ببعض لا أشك في أن هذه الجملة ليست تصريحا بحل زواج مستقبل ، بل هي إقرار لحل نوع الزوجات الأجنبيات المهيرات الموجودات قبلا عند نزولها . واستعمال القرآن صيغة الماضي في " آتيت أجورهن " يتمشى مع هذا الفهم وقد يؤيده ويغلب على ظني أن هؤلاء عن المواتي كن موجودات عنده وقت نزول " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " كسوة وعائشة وحفصة (دع زينب بنت جحش التي لها شأن خاص ) وإذا صح رأي فرض أن النبي كان باقيا في ذمته لأية من أولئك الثلاث شئ من مهرها ، فإنه لا شك قد اضطرب عند نزول هذه الجملة ووفي لكل منهن ما قد كان باقيا في ذمته لها من المهر حتى تستمر حلالا له فالنبي بهذا قد ضيق عليه وحرم مما لم يحرم منه أي مسلم .
وكذلك مما أحل المسلم أن ينكح ما ملكت يمينه إطلاقا ، ولكن هذا الإطلاق قيد في حق النبي يقول الآية " مما أفاء الله عليك " فلم يحلل له من ملك اليمين الا ما كان سببا من في الحرب ، أما الرقيقات اللاتي تباع في الأسواق فلم يحلل له شئ منهن كما هو محلل لكل مسلم .
وكذلك لكل مسلم أن يتزوج بنت عمه أو بنات عمته أو بنت خاله أو بنت خالته إطلاقا ، أما النبي فحرم من هذا الإطلاق يقول الآية : " اللاتي هاجرن معك " . أى أنه منع من تزوج أية من قريباته هؤلاء ما لم تكن قد هاجررت معه من مكة إلي المدينة .
والذي أفهمه في مسألة المرأة المؤمنة التي تهب نفسها للنبي أنها تصور حال فئتين من النساء أولاهما المقطعات اللواتي لا عائل لهن فيترامين على من يتوسمن فيه القيام بماشهن ، فهي كما تقول الآن في العامية ( تلقيحة ) وثانيتهما المؤمنات
الصالحات اللوتى يلذن بالنبي تدينا وتقوي ، ويكون من شأن النبي حمايتهن مروءة وتدينا وتقوي . فمؤمنة الصورتين داخلة فيما أشار إليه لفظ الآية . ولكن الله في لطفه بالنبي وفي علمه بفقره وعدم استطاعته الإنفاق على تلك اللائدات ، وفي علمه فوق هذا بأن مشاغله الدينية قد لا تسمح له بقبول كل وافدة منهن ، أشار بقوله " إن أراد النبي أن يستنكحها " إلي عدم إحراجه إلي النهاية في هذه البلوي ، فقرر لهذا أنه ليس مكلفا حتما يزواج كل طارئة من تلك الوافدات ، بل إنه حر مختار في القبول وعدمه ، وجلى أن ترك هذه الحرية للنبي كان ضرورياكل الضرورة ، لأن المرأة المؤمنة التي تهب نفسها للنبي قد تكون مجذومة أو مصابة مرض آخر معمد أو مشهورة في القوم بسوء السلوك في ماضيها ، أو قد تكون متدينة مجذوبة قريبة من الجنون ، ومنصب النبي لا يحتمل ألبتة تعريضه للعدوي ، ولا للتميز وسوء الغالة ، ولا أن يكون بيته مستشفى مجاذيب . فترك الحرية له في القبول كان - كما أقول - ضروريا حتى بقدر حال كل وافدة وينظر ما إذا كانت مصلحة الأخلاق والدين والاجتماع تقضي عليه بقبولها وحمايتها في بيته أم لا .
والحاصل أن تفاصيل الآية دالة على حرمان النبي مما لم يحرم منه المسلمون ، وعلى تكليفه بما لم يكلفوا به . وشبهة الميزة التي تراءي في مسألة المؤمنة التي تهب نفسها للنبي هي شبهة وهمية ، وليس من الإنصاف أن يقال عنها إنها ميزة تلقاء ما بها من عظيم البلوي . وكما تدرك أنها في الحقيقة بلوي وبلوي عظيمة ، بحسبك أن تتخيل أن الحكومة المصرية مثلا أصدرت قانونا يلزم كل من تولي رياسة الوزراء أو مشيخة الأزهر أن يتزوج أية امرأة مصرية مؤمنة تعرض نفس عليه - بحسبك هذا لتدرك يقينا أن يوما واحدا لا يكاد يمضي على صدور مثل هذا القانون حتى يضح الرئيس أو الشيخ ويفر من منصبه ، وهذا حتى لو كانت الوافدات أبكارا مكنونات مكفيات المئونة ، لا أرامل أو مطلقات من المسنات المعدمات المستميتات .
٢7 - ذلك من جهة التفصيل . وأما من جهة الإجمال فإن المقرر لكل المسلمين أن الرجل إذا مات نساؤه أو طلقهن فله أن يتبدل بهن غيرهن في حدود الشروع . لكن النبي حرم من هذه الميزة التي يتمتع بها كل المسلمين . وجاء هذا الحرمان عاما ساريا حتى على نسائه اللاتي كن عنده قبل نزول هذه الآية ، كسودة وعائشة وحفصة وزيب . قال تعالى بعد ما تقدم : " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا " ! ! أرأيت هذا الحرمان ؟ ! ثم أرأيت هذا التحذير بل التهديد الذي بالجملة الأخيرة ؟ ! أفلا تحس كأنما هذه الجملة ترسم أمام نظر النبي لوحة رهيبة تتراءي فيها عين القدر شاخصة إليه محملفة فيه ترقبه وترصده لتري هل يطيع أو يعصي فيبوء بالرضوان أو بالعتاب ؟ !
٢٨ - لننظر الآن كيف كان في العمل أحد النبي بنص آية التحليل التي نحن فيها :
إن القرآن - كما أسلفت لك من التدليل - لم يمنع تعدد الزوجات بنص صريح خاص ، بل ترك العرب أحرارا في زوج أي عدد يريدون ، وكل ما اشترط عليهم أبدا الاقتصار على واحدة عند خوف عدم العدل بين المشددات ، ولكنه بين مراده بهذا فجمله ، فيما يتعلق بالموجودات وقت الاستفتاء ، آيلا إلى مراعاة العدل المستطاع بينهن ، وأنزل لهذا قوله فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " .
فكل أزواج النبي اللواتي كن عنده وقت تزول هذا القول واستمررن إلي وقت واقعة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة ونزول سورتها ، كان شأن النبي فيهن كشأن باقي المسلمين في نسائهم اللاتي كن عندهم وقت نزول القول المذكور
(أي فلا تميلوا كل الميل . . ) واستمررن إلي وقت واقعة الأحزاب ونزول سورتها أو إلي ما بعد ذلك .
٢٩ - ولست أعرف بالضبط تاريخ نزول عبارة " فلا تميلوا كل الميل " ولا من هن اللواتي كن عنده وقت نزولها ، ومن هن اللواتي أخذهن بعد نزولها . ولكن المعروف على كل حال أن سودة وعائشة وحفصة ، هؤلاء الثلاث هن من أوليات من كن عنده في أوائل سني الهجرة ، وكان معهن رابعة هي زينب بنت خزيمة أخذها في السنة الثالثة وتوفيت في الرابعة قبل واقعة الأحزاب . فهؤلاء الثلاث (أو الأربع ) هن اللواتي كن عنده وقت نزول قوله تعالى : " فإن خف ألا تعدلوا فواحدة " ذلك القول الذي بين - على الوجه الذي أسلفنا - بعبارة " فلا تميلوا كل الميل " وبديهي شأن النبي فهن كان كشأن كل المسلمين من جهة حلهن له وعدم التزامه بالعدل بينهن إلا بقدر استطاعته .
فإذا فرضنا أن الست الباقيات قد أخذهن بعد نزول العبارة المذكورة - سواء أكان أخذه لكلهن بعد واقعة الأحزاب أم أنه أخذ بعضهن قبلها - فإنك فيما تقدم قد رأيت العلة التشريعية الخاصة بأخذه إحداهن زينب بنت جحش وما لابس أخذها من البلوي . أما الخمس الأخريات فمنهن جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق وصفية بنت حسى سيد بني النضير كانتنا سبيتين أسرنا بعد غزو قوميهما وهلاك أبويهما وزوجيهما ، أي أنهما من ملك اليمين المباح إطلاقا للمسلمين من قبل . فلو أن النبي كان أحدهما عقب أسرهما فلا خصوصية له في هذا ولا استثناء . ولكنه لم يأخذهما مباشر بل إن هاتين السيدتين اللتين كانت لهما السيادة في قوميهما بعد هلاك أبوبهما وقعتا في نصيب بعض العرب المحاربين معه فلم تطفى جورية هذه الحال . فكاتبها من هي عنده على مال ليعتقها ، فاستنجدت بالنبي طالبة أن يعينها على قضاء مبلغ المكانية . ففي هذا الوضع الذي يستدر عطف الجماد ماذا تنتظر أن يكون من النبي وهو من هو في سمو الخلق ورجاحة العقل ؟ دفعته المروءة والمصلحة الدينية إلي استنفاذها هي وصفية بنت سيد بني النضير ، وعدم تركهما لسوقة العرب وهما العزيزتان ذلتا . انتشلهما بأن عمل على إعتاقهما وتزوجهما مثقلا على نفسه وحده بتحملهما . وهذه المواساة التي اندفع إليه كان من نتيجتها أن جذبت قوميهما إلي الإسلام لاعتبارها مصاهرة من النبي لهم .
ولقد يخطر في بالك أن تقول إن النبي كان في استطاعته قبول النجائهما إليه وان يحميهما في بيته بعد ان اسلمتا وعتقتا من غير أن يتزوجهما . ولكن يفوتك أن النبي بوصفه القوام على الآداب والأخلاق في الإسلام كان لابد له أن يتخرج من هذا الذي يخطر ببالك . لأنه لم يكن يقيم هو وعائله في قصر فسيح مترامي الأماكن والبيوت كالقصور التي كانت من بعد للخلفاء ووزرائهم أو التي تراها للأمراء والرؤساء اليوم ، بل إن منزله في المدينة كان بالبداهة موجزا قليل الأماكن ، والمقيم به مهما تحرز لابد أن يطلع من النساء المقيمات معه فيه على بعض العورات التي لا يجوز بحسب أخلاق الإسلام أن يطلع عليها أجنبي . ونفس سورة الأحزاب التي نحن فيها نزلت بآداب للنساء مما يزيد في ضرورة التخرج . اضف إلى هذا أن كثيرا من العرب كانت أخلاقهم غير مأمونة ، وكان بنفس المدينة كثير من المسلمين المنافقين الذين آمنت ألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ، فكانوا متحفزين يتصيدون أقل الشبه ضد الإسلام وفي الإسلام ويجسمونها . وإن النبي لم ينج من شر تقولاتهم في مسألة الإفك المشئومة ، فما ظنك لو أنه أدخل في بيته سيدتين معروفتين مترفتين ممن لا يحل له الاطلاع على مواقع زينتهما شرعا ؟ ! كل هذا يشهد بأن زواج النبي بهما كان هو الوسيلة الوحيدة المتعينة لإمكان حمايتهما فى بيته حماية قوامها نوع الألفة المسقط لكل تحرج وكلفة .
وأما الثلاث الباقيات وهن أم سلمة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وميمونة بنت الحارث فهن من أشرف بيوت العرب ،
وكن جميعا أرامل مسلمات صالحات بائسات . وكان أخذه لكل واحدة منهن له علة قوية هي أيضا ضرورة دينية أو اجتماعية ماسة ما كان يستطيع ألبتة تفاديها بوصفه القوام وحده على مصالح الإسلام والمسلمين
ولا مانع يمنعك من اعتبار هؤلاء الثلاث عن وجويرية وصفية أيضا من المؤمنات المنتجات إليه المشار إليهن في الآية ، وأنه اختارهن من بين الوافدات عليه للأسباب القوية التي تجدها - ولا بد - في كتب السيرة عن سبب أخذه لكل منهن .
٣٠ - ولعلك قائل أيضا : إذا كان القرآن مع عدم منعه التعدد بالنص أوجب العدل أو الواحدة ، وقد صرح بأن العدل غير مستطاع للإنسان فكيف أجاز هنا للنبي التعديد ؟ .
قول يخطر وسؤال بعن وشبهة أشرنا إليها عقب إيراد نص الآية . ولكن هل نسيت أن ما تحتج به هو الأصل وأنه يخضع لقاعدة ) الضرورات تنبح الحظورات ( ؟ وهل تظن أن هناك ضرورات أمس وأقوي من تلك التي عرضت وأشره إليها ، فلم يجد النبي فيها بدا من الامتثال لقضاء الله أو من العمل بما توجيه الروءة والنخوة ومكارم الأخلاقي ؟ ولا شك عندي أن ما لم أشر إليه هنا من الضرورات وأحلت فيه على كتب السيرة لا يمكن أن يكون أقل مما أشرت إليه مسبب واقتضاء . ومن جهة أخري هل بلغ بك اليأس من روح الله أن تظن أنه بقدر على النبي أولئك المطلقات والأراامل المقطعات ثم لا يخفف عنه هذا البلاء ؟ لهون عليك ولا تظن هذا ، فان الواقع أن الله خفف عنه بقوله : " ترجي من تش منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغبت ممن عزات فلا جناح عليك " . ولكن هذا التخفيف يشف ظاهره عن إعفا من مراعاة العدل ، فإنه تعالى بقوله : " ذلك أدنى أن تغر أعينهن ولا يحزن ويوضين مما آنيتهن كلهن " قد نبه إلي أقر في قلوب النساء عاطفة الرضا بكل ما يأتيه النبي من التصرف الذي أبيح له معهن . وإذ كان المقصود من العدل رضا النساء واطمئنانهن وهذا حاصل هنا بشهادة الله ، فقد توافر العدل وخرج النبي من عهدته ، وسقطت الشبهة .
٣١ - من كل ما تقدم تري أن نصوص سورة الأحزاب ، التي قدر الله فيها على النبي أخذ زينب بنت جحش ، ثم أخذ ما أحل له غيرها من أولئك المطلقات والأرامل البائسات ، هي نصوص كل ما فيها محن وتكاليف مشوبة بالشقة والحرمان . ومصلحة الإسلام هي التي أوجبت على النبي تحملها ، ولو أنه كان حرا غير مقيد بأحكام الله وكان ممن يعملون لإرضاء شهواتهم لتخير لنفسه من حسان الأبكار ما أراد .
٣٢ - وإذن فلا محل لإقحام خصوصيات النبي فيما نحن فيه ، فإن هذه الخصوصيات قائمة على مبادئ الضرورات التشريعية والأخلاقية ، والنبي هو وحده صاحب السياسة الشرعية المكاف دون غيره بتنفيذ ما تقضي به الضرورات تحقيقا لمصلحة الاجتماع . ومع ذلك فقد رأيت كم في هذا التحليل من الحرمان ومن البلوى ومشقة الأوضاع .
أما الذي نحن فيه فنبر هذا . نحن إزاء نص في الآية الثالثة من سورة النساء يقولون إنه يصرح بزوج أربع إطلاقا ، وإن النبي مستثني منه ، أي أنه عند تساوي الأوضاع وعدم قيام ضرورة من الضرورات فللمسلم أربع ، ولكن للنبي أن يزيد على أربع ، أي ولو بغير ضرورة ماسة أو مصلحة اجتماعية عامة . وهذا هو الذي لا أسلم به مطلقا ، بل إني أراه تحريفا للمبادئ وتطبيقا للرخص في غير موطن تطبيقها .
سؤال آخر محتمل
٣٣ - كأبي ببعضهم يقول إذا أطقنا مع الكراهة فولك إن الأصل القرآني يوجب الاقتصار على الزوجة الواحدة وإن الخروج على هذا الأصل لا يجوز إلا لضرورة ماسة تقدرها السياسة الشرعية بقدرها ، فإنا لا تسلم بما تقوله من أن نظرية إباحة التعدد إلي أربع إطلاقا قائمة على التسلل على لفظ (رباع ) الوارد في الآية ، والاعتماد عليه لتصويب ما استقر عليه الإجماع ، فهل أنت لا تحترم إجماع المسلمين ؟ أو هل أنت أعلم باللغة العربية من أهلها العرب المسلمين الأولين ؟
هذا سؤل أوجهه إلي نفسي قبل أن يوجهه المغرمون بالجدل اللفظي . وجوابي عليه بسيط :
أما أن إطاقة رأي لا تكون إلا مع الكراهة فلك لا يهمني في ديني ، لأنه لا يخرجني من الجنة ولا يدخلني النار . واستحقاق الجنة أو النار ليس بأمانيهم ولا أماني غيرهم . إنه رهن بأرائي أنا وبعملي أنا دون آرائهم هم وعملهم هم . ثم هو متعلق بإرادة الله ومشيئه ، وإرادة الله ليست في سند تحت إذنهم يحولونها كيف شاءوا لمصلحة من شاءوا وضد من شاءوا .
وأما عن الإجماع فاني ما ناقشت قط في حجيته في البيئات التي يتسلط فيها ولو كان فاسدا . إنه آمذ مجراء قضاء على الرغم مني ومن كل إنسان . ولو كنت من المغرمين بالنساء لكان من الحمق أن أتزوج خمسا منهن ، لأن السلطة العامة في مصر تقوم في وجهي وتفرق بيني وبين واحدة منهن ، رضيت أو أبيت . لكني مع هذا الانصياع لحكم القضاء اعتقد أن الإجماع الذي يسري على المسلم ديانة له صور ثلاث : الأولى - أن يقوم في أساسه على نصوص قرآنية مسلم بصحة قيامه عليها مباشرة ، أو بطريق القياس الصحيح ، والثانية - أن يقوم على سنة نبوية يطمئن الضمير إلي صحتها وإلي صحة قيامه عليها مباشرة أو بالقياس الصحيح كذلك ، والثالثة - أن يكون إقرارا من الناس كافة لعادة من المباحات لم يأمر بها كتاب ولا سنة ولم يمنع منها كتاب ولا سنة ، لا مباشرة ولا بالقياس . وهذه الصورة الثالثة هي التي يصح أن يطلق عليها اصطلاح ( الإجماع ) أما الصورتان الأولى والثانية فان الدليل الشرعي فيهما ليس هو إجماع الناس إنما هو نص الكتاب أو السنة أو هو القياس الصحيح على نص أها . والمسألة التي نحن بصددها غير مقول إن فيها إجماعا من الفسيل الاصطلاحي المذكور بالصورة الثالثة ، بل يقولون إن الإجماع فيها قائم على العمل مباشرة بقوله تعالى : " فانكحوا ما طلب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " وقوله من بعد ، " فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " ولا شك أن الحكم ما دام مرده إلي النص فإن لكل مسلم ، وإن انصاع قضاء للاجماع المرتب عليه ، أن يعترض وبين ما يعتقده في الأساس من خطأ التأويل . فأنا مع انصياعي لما استقر عليه الإجماع في بيئتنا المصرية وما وافقها ، من أن المسلم زواج أربع نساء لا يسأل عن العدل بينهن إلا بقدر استطاعته - صرحت وأصرح بأن الأساس القرآني الذي بدون عليه هذا الإجماع لا يصلح ألبتة لأن يكون أساسا لرأيهم . وإذ كنت لا أتطاول أنا ولا غيري إلي ادعاء العلم بالعربية كأهلها العرب المسلمين الأولين ، فاني - علما بقصوري هذا - لم آت في بياني بشيء إلا مأخوذا عن شيوخ اللغة الأولين .
وإذن يري أن السؤال الوارد برأس هذه الفقرة بعضه لا أهمية له والبعض لا إنصاب فيه .
سؤال آخر في لب الموضوع
٣٤ - بقي معرفة كيف مال المسلمون إلي عدم التدقيق في تأويل النص القرآني وانحدروا إلى القول بإباحة الأربع إطلاقا ، ثم إلى الإجماع في بعض البيئات عليه ؟ .
مغلبة الجواب على هذا السؤال هي تاريخ الفترة الأولى في الإسلام من ابتداء الهجرة إلي أواخر القرن الثاني الذي ابتدأ فيه شئ من التدوين . ومن المسلم به أن العرب كانوا أميين ندر منهم من يعرف القراءة والكتابة . والخلفاء الراهن لم يعنوا بغير القرآن ، فهو وحده الذي نقلوه إلينا فضا ناسا كما أنزل . ومن المسلم به أيضا أن عمر بن الخطاب رضي الله منع كناية الحديث اكتفاء بالقرآن ولكي لا يشتبه شئ منه به ، ولم يقم في مدة الخلفاء الراشدين ولا في مدة بني أمية مؤرخ دون الحوادث العاصرة له ووصل إلينا كتاب منه . بل إن عمر بن عبد العزيز في آخر القرن الأول أحس - كما يقولون - بضرورة تحقيق الأحاديث النبوة وكتابتها ، خلافا لرأي ابن الخطاب ، ولكن لم يتم هذا المقصود في عهده بل إن أقدم كتاب من الكتب المعتبرة الآن في سيرة النبي هو - إذا لم يخطئ ظني - لابن هشام التوفي سنة ٢١٨ أي أنه كتب مدة العباسيين في آخر القرن الثاني أوائل الثالث بعد نحو مائتي سنة من وفاة النبي . وكل كتب الحديث المعتبرة الآن جمعها أصحابها في أواخر القرن الثاني أو في القرن الثالث وما بعده . وإذا كان المدون بها أقرب الأثر إلي الصحة فإن هذا التقدير ظني ، ولامانع من أن يكون بعضها موضوعا لا حقيقة له . خصوصا متي علمنا أن الإجماع تام وقوع الوضع في الأحاديث ، لأغراض سياسية وغير سياسية ، من أعداء الإسلام ومن المنافقين ، بل ومن بعض صالحي المسلمين .
35- ومن ناحية أخرى فإن تلك الفترة الأولى من بعد الهجرة إلي آخر القرن الثاني كانت كلها فترة نشر للدين وقتال لمن اعترض سبيل الدعوة إليه . قاتل النبي المشركين وغيرهم من العرب في وقائع خيبر وأحد والأحزاب وغيرها ، وعقب انتقاله إلي الرفيق الأعلى في أوائل الحاوية عشرة من الهجرة اشتغل المسلمون في خلافة أبي بكر بحروب الردة في بلاد العرب نفسها - تلك الحروب الدالة على أن بعض العرب الذين أسلموا كانوا أعرابا لما يدخل الإبان تماما في قلوبهم . ومد خلافة عمر وعثمان كانت كلما عهد فتح في فارس والشام وفلسطين ومصر وأرمينيا وغيرها . وفي مدة علي قام الخلاف الحزبي وكانت الحرب الأهلية بينه وبين معاوية . ومدة الأمويين كلها كانت عهد فتح في أفريقيا وأسبانيا وغيرهما رقم ثورات حزبية أو مذهبية إلي آخر ما هو معروف بالتواتر من الاضطراب فيها وعدم الاستقرار .
36 - فأنت إذا تمثلت تلك الظروف التي كانت تلابس العرب في فترة الإسلام الأولى ، وأضفت إلي هذا ما تصفه بالمشاهدة في العصر الحاضر من أن أخلاق الأمم تتدهور حتما إيمان الحروب وعقبها إلى حين ، لا فرق في ذلك بين غالب ومغلوب ، ولا بين متدين وضعيف الإيمان ، ثم لو أضفت إليه أيضا أن الجنود في كل أمة يتجادلون ويتجاوز لهم عن كثير من الأنام في مقابل أنهم وهبوا حياتهم نفسها طرقا وقدموها كرها فداء لوطنهم ولأهليهم وذويهم المنخدعين القاعدين . إذا تمثلت كل هذا ، وأعملت عقلك لوصلت إلي الإجابة على السؤال ، ولكانت إجابتك أصح من كل تاريخ مدون ، لأن سندها المشاهدات والنواميس الاجتماعية التي لا تتخلف ، ومرجعها حكم العقل وحده لا شهادة شاهد يجوز عليه التلفيق عمدا أو سهوا في رواية الحوادث وفي الحكم عليها .
والذي يهدي إليه العقل بعد استصحاب ما تقدم أن شبان العرب الذين خرجوا لقتال كانت الضرورة الطبيعية تدفعهم إلي الاختلاط الجنسي ، وكانت هذه الضرورة تتسلط عليهم كلما فرغوا من واقعة ، وحق لهم الخلو إلي الراحة ، والإسلام شئ من لذات العيش ومباهج الحياة . ولقد ترامت غزواتهم في مواقع متعددة بكل قطر من تلك الأقطار الشاسعة التى فتحوها في عهد عمر وعثمان وبني أمية . فلا غرابة ولا شذوذ ولا استبكار في عمل الجندي منهم إذا مات نفسه ، في فترة الراحة التالية الموقعة ، إن إجابة داعي الطبيعة العتيد ، ولا سبيل له في هذا إلا التزوج ، لأن الزنا محرم عليه . والوقائع كانت متعددة ، والتنقلات كثيرة ، والطبع الداعي هو الطبع لا يفتا داعيا .
لكن الجنود - إذا أراد الواحد منهم بعد إحدي الوقائع أن يتزوج فوق من تزوجها بعد واقعة سابقة - كانوا يجدون قوله تعالى : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " مانعا من التعدد كان الجود يجدون أمامهم هذه العقبة ، ولكنهم من جهة أخري يعرفون أن آبائهم وأجدادهم المسلمين متزوجون قبل رفاء النبي ( أو كانوا في حياته وقبل وفاتهم هم متزوجين ) بعدة من النساء ليس ما بهم ) أو ما كان عليهم ( إلا العدل بينهن بقدر الاستطاعة عملا بقوله تعالى : " فلا تميلوا كل اليل فنذروها كالمعتقة - كان الجبود يجدون هذا فيتأقفون لسابهم ميزة التعديد تجرد تأخرهم في الوجود ، مع اختصاص كتب من القاعدين بها تجرد تقدمهم فيه ، والحال أن هؤلاء القاعدين المتمتعين بكثرة الأزواج من عهد النبي بعيدون عن مواطن المشقة والهلاك ، وليسوا أجدر منهم بالامتياز . ومهما يكن حكم تلك العبارة وقتيا - كما أسلفنا - فإن واقع المشاهدات والضرورات كان في وجدانهم أقوي أثر وأشد فعلا من كل نفسه .
٢٧ - ذلك وضع تقوم الفطرة البشرية ذاتها دليلا على حدوثه ولا تقبل لبغيه شهادة أي شاهد ، ومن المكابرة الماراة فيه . والعقل بحكم بأن تلك المفارقة الحقيقة تدفع الجنود إلي التحلل من حكم الآية إلي تحديد النساء ، فيتزوج الرجل منهم واحدة أرأ كثر في كل بلد قاتل فيه واقتصر . وإنك لتعلم من المشاهدات الآن أن الجندي - كما أسلفنا - عدائل وأنه يفتقر له ما لا يفتقر للقاعد اغتفر إذن أو الحل والعقد للجنود هذا التجاوز ، وبديهي أن السياسة الشرعية ما كانت تأبي هذا الاحتقار ، لأن الرفع الذي كان يحدث للدين الإسلامي وللوطن الإسلامي من استرضاء الجندي وتحصينه من الزنا أكثر بكثير من إثم التعديد .
٣٨ - استمر الجنود إذن على التعديد كما إخال ، ولكنهم في داخل ضمائرهم لم ينسوا أنهم لا يستطيعون العدل وأن واجبهم ديانة الاقتصار على واحدة فما العمل ؟ لم يعدموا من يهون عليهم هذا الوضع بالحيل الشرعية المأخوذ بها من عهد إبراهيم الخليل وأيوب . نلمس المتلمسون لفظ ( رباع ) في الآية فحملوا لهم الأربع إطلاقا وألزموهم الوقوف عندها . وظروف المتع قد ساعدت على هذا الوقوف . ففحوا فارس وبعض بلاد الترك وأرمينيا والشام وغيرها ، وسبوا منها ما لا يحصيه الحد من النساء الجميلات الآتى نوموهن . وفي هذه السبيات المملوكات الجميلات ما بقي بالمقصود من الإنسال وبالحاجة الجنسية ، وفيهن كل النساء عن الحرائر أو المهيرات النقيلات النفقة من عربيات وغير عربيات .
ويغلب على الظن أنه لولا هذه الظروف المسهلة لما تنازل الجنود عن التعديد ، ولاستحلوه إلي ما فوق الأربع ، ولوجدوا من بينهم على هذا ، كمن أفني بعض طوائف المسلمين الذين يقولون إن الآية تحلل تسعا ، بل إن ألفاظها تفيد التكرار فتحل ثماني عشرة ؛ ولملك لو بحثت لوجدت معظم الفنين بهذا والأخذين موالي من البلاد المفتوحة لم يخصهم من السبيات شئ ، ثم هم يستكفون شراء الرقيقات لأنهن من بلادهم المفتوحة ذاتها .
٣٩ - ولقد يخيل إلي أيضا أن أولئك الجنود الذين استنوا تلك السنة قد شابهم عليها أهلهم الذين قضت عليهم بعض الأسباب بالتخلف من الخروج إلي ميادين القنال لأن هؤلاء المتخلفين سواء منهم الشبان أو الشيوخ كانوا جميعا يعلمون أن لا محل لتعديلهم كالجاربين فعلا ولا لممذرتهم في التعديد إذا أراد الشبان منهم التزوج بأكثر من واحدة ، أو أراد الشيوخ - من الأولين ، الساري عليهم حكم " فلا تحيلوا كل الميل الاسترادة من الأروج فوق الواحدة الباقي ممن كن عندهم وقت تزول هذه العبارة ؛ مكان من مصلحة جميعهم المبادرة إلي تحديد سنة الجنود وإلي تعميعها . وهؤ المتخلفون إذا كان لهم من غرائرهم دافع إلي مناصرة السنة التي استنها الجنود فان السياسة الشرعية أيضا كانت ترى المصلحة في هذه المناصرة . وذلك لأن الحرب تهلك الجنود وتقلل عدد المواطنين ، ومن الواجب التغاضى عن العمل بالواحدة في حق المتخلفين وإباحة تديد زوجاتهم لزيادة النسل الذي في زيادته مصلحة الإسلام والمسلمين .
ولقد كان أهم ما يشغل الناس بداهة هو الحرب ومبادئها المختلفة وما تأتي به من القائم وما تكسبه للإسلام من أنصار أما الزوجات وتعددهن وعدم تعددهن فبديهي أنه كان من الأمور الثانوية التي لا يحسن أن يشتغل بها الرؤساء وأولو الحل والعقد والحرب قائمة على ساق وقدم . كما أن حالة التراخي الخافي الذي يصاحب فترات الحروب كانت صاح كل الصلاحية للأخذ في هذه السكة بأبي حل كان ما دام أنها ليست من أصول العقائد التي لا هوادة فيها .
٤٠ - استمرت إذن اعادة الأربع هذه التي أسسها الجدود - وأغلب شبان المسلمين وكهولهم كانوا جنودا - استمرت ودامت بدوام الحروب والثورات في القرنين الأول والثاني . فلما جاء عصر الأموين في آخر الثاني وأوائل الثالث كانت قد صارت من التقاليد القديمة المستقرة المحبية إلى المسلمين والملائمة لغرائزهم الموروثة من آبائهم العرب من غار الدهور ، فاضطر الفقهاء في كثير من الجهات إلي مسايرتها وتدوين الواقع من متابعة الناس لها ، وتساهلوا في تأويل سندها القرآنى كما تساهل فيه الحاربون الأولون .
هذا ما أجيب به علي السؤال . وحاصله أني بالبداعة ملزم قضاء بمسايرة الإجماع في مسألة تعدد الزوجات إطلاقا إلي أربع في بيئنا المصرية ، ولكن ديانة أراه غير قائم على سند من القرآن صاخ لقيامه عليه ، بل أساسه عمل المجاهدين الأولين في أول الإسلام وإقرار من بيدهم السياسة الشرعية لعملهم ، وجنوح الفقهاء في تسويته إلى تأويل النصوص بالشبهة اللفظية مسايرة لهم ، وما كان في استطاعتهم غير هذا خصوصا وليست المسألة من العقائد الى تدعو إلى التخرج ونبذ المسايرات .
أكتوبر سنة ١٩٤٧

