الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 983الرجوع إلى "الرسالة"

بحث في الموسيقى الشرقية

Share

بقية ما نشر في العدد الماضي

السلم العربي

ذكرت آنفاً أن لكل لحن من الألحان العربية سلما خاصا  ولكن لها سلماً عاماً أصيلاً تتفرغ منه درجات أنصاف ودرجات أرباع وهذه الأنصاف والأرباع تستعار من الدرجات الأصلية بالضغط على الوتر بالإصبع، أو باستعمال (البكلة) في القانون التركي، أو باستعمال ضغط الإصبع، أو بدوزنة القانون دوزنة خاصة حسب اللحن المراد. وهذا ما يجعل الموسيقى العربية ممتازة على الموسيقى الغربية بحيث تصدر الألحان المختلفة محاكية الانفعالات النفسانية. الأمر الذي ليس له مشابه في الموسيقى الإفرنكية. وتشترك معها في هذه المزيه الموسيقى التركية.

وربما كانت الموسيقى اليونانية أميز منهما في هذا القبيل لأن في سلمها 1/8 و 1/16 من الدرجة علاوة على النصف والربع كما يقال

والموسيقى العربية اقتبست كثيراً من الموسيقى التركية وهذه  من اليونانية الأصلية المسماة (البيظنطية) وفي ألحاننا العربية كثيرا من الروح البيظنطية . ويقال إن المرحوم السيد درويش الملحن العظيم كان يختلف كثيراً إلى الكنائس الأرثودكسية لكي يسمع  البصلطيكا اليونانية أي البيزنطية لكي يقتبس منها العبارات الموسيقية الجميلة أو المؤثرة أو الحنونة. وفى أدواره التي سجلها لنفسه في أقراص الفونغراف كثيراً من الروح البيظنطية

السلم العربي (والتركي أيضاً) أدق السلالم الموسيقية في كل العالم لما فبه من أنصاف الدرجات وأرباعها، ويقتبس منه العازف بدل درجاته الأصلية حسب مقتضى اللحن الذي يعزفه

ولإيضاح ذلك نرسم السلم العربي في درجاته وفروعها   (الأنصاف والأرباع) كما ورد في كتاب الأستاذ فرج الله وردى الذي نحن بصدده صفحة ١٥٣ مع مقارنته بالسلم الأفرنجي   وأرباعها، ويقتبس منه العازف بدل درجاته

دو سي لا صول  فا  مي  ري  دو  

اهتزازات 1200 1150 1100 1050 1000 9500 900 850 800 750 700 650 600 550 500 450 400 350 300 250 200 150 100 50

ذرات 1200 1167 1110 1086 996 972 906 882 816 792 702 678 612 588 498 474 408 383 318 294 204 180 114 90

كردان ماهور تم ماهور ارج  حجم تم حجم حسيني لك حصار حصار تم حصار نوي تلك حجاز  حجاز تم حجاز جهاز كاه بوسلك تم بوسك سيكاه كردي تم كردي دوكاه تك زر كوله رست اورصد

الوتر المطلق

ولا أفهم لماذا لا يكون عدد اهتزازات الدرجة الأولى من السلم الأعلى مضاعف اهتزازات الدرجة الأولى من السلم الأسفل.

أعنى أن تكون اهتزازات (دو)  العليا (كردان) مضاعف اهتزازات دو السفلى لأن تلك بداية السلم الأعلى . وهى في الجدول ليست كذلك لأن العليا جواب للسفلي وهذه قرارها

ولكن الأمر على خلاف ذلك بل هو بعيد جداً عن هذا الظن

وفي كتاب الأستاذ الله وبردى ستون رسماً وجدولاً للسلالم  الموسيقية المختلفة الغربية والشرقية والقديمة والحديثة. وفيه تحقيق علمي للنسب المتصلة الموسيقية وعلاقتها بالأنغام وغيرها  حتى إذا طالعتها دهشت لسعة اطلاع المؤلف وسعة تفكيره  ودراسته وتحار في كيفية استيعابه لها، ولا تكاد تصدق أن عقلاً واحداُ حذق تلك العبارات المختلفة واستخرج تلك الأرقام حتى ليخيل لك أن الموسيقى ضرب من العلوم الرياضة. وإنها  لكذلك في دراسة هذا الكتاب الساحر.

الجمال الموسيقي:

ربما كان القسم الرابع من الكتاب أجذب الأقسام لنفس القارئ المحب للفن لأنه تبسط واسع في الجمال الموسيقى فأستأذن حضرة المؤلف بكلمة مختصرة أبسط بها ذلك التبسط قلنا آنفاً إن مزية الموسيقى العربية (والتركية أيضاً) هي في أجزاء هذه الدرجات من أنصاف وأرباع لأن لكل لحن طريقة  خاصة في استعمال هذه الأجزاء مثال ذلك أن العازف الذي يعزف لحن النهاوند يستعمل (راجع الجدول) نم الحجاز بدل  جهاركاه، ويستعمل كردى بدل سيكاه، ثم دوكاه الأصلية إلى أن يستقر على الرست (وقد أكون مخطئاً في هذا الترتيب) وهكذا لكل لحن استعارات خاصة من الأجزاء. فإذا عزف العازف هكذا ثم عزف على الدرجات الأصلية جهاركاه سيكاه دوكاه رست شعرت حالا بالفرق في اللحن لأنه في هذه الحالة يكون اللحن رستا لانها وتد ، وهكذا بتنوع الألحان العربية بتنوع العزف  على الأرباع والأنصاف بدل الدرجات الأصلية، وبواسطة هذه  الاستعارات يتولد عند العرب عشرات الألحان وهي التي تحكي  العواطف الروحية المختلفة. وليس في الموسيقى الإفرنكية إلا القليل من هذه التنوعات لاستعمال أنصاف الدرجات (أو  ما يسمونه هكذا وما هو بأنصاف) كما رأيت، ولذلك تعتبر الموسيقى العربية أرقى وأجمل بكثرة التنوعات التي فيها. ولا بدع أن تكون كذلك لأن أقدميتها صقلتها وجعلت التفنن فيها بدائع فنية ككل تطور وارتقاء. والموسيقى الإفرنكية بنت الأمس،

ويظن أصحابها أن الاقتصاد فيها على أشياء الأنصاف وتقييدها بالعلامات جعلها فنية راقية، وعندي أن هذا التقييد جعلها سخيفة في أذن الشرقي. الموسيقى روح لا مادة، فيجب أن توضع تحت أمر الأذن (العصب السمعي) كما يفعل العازفون العرب،  فتكون أوقع في النفس وأكثر اندماجاً بالروح وأخلب للب

أما اللذين يستحبون هذه دون تلك أو تلك دون هذه فأوتار أعصابهم السمعية قد تدوزنت على سلالم ألحانهم فصارت تهتز مع  اهتزازات موسيقاهم وتنفر من اهتزازات الموسيقى الأجنبية.

فهؤلاء مخطئون في استهجان موسيقى غيرهم والعكس  بالعكس. وإذا كان الشرقي أو الغربي لا يود أن يسمع إلا موسيقاه فلا تلمه إذا قال لك إن موسيقاه أطرب من تلك أو أن الموسيقى الأجنبية أطرب له من موسيقاه لأنه تعود سماع الموسيقى التي تطربه منذ صغره. فهناك أشخاص لا يتذوقون الفن  ولا يفهمون أصوله ولا يطربون لأي موسيقى، فيقولون لك إن  الموسيقى الإفرنكية ذات أصول وقواعد وفنون ولذلك يحبونها، والحقيقة أنهم لا يحبون شيئاً. ويقولون أيضاً أن الموسيقى العربية أو الغناء العربي عار من الأصول والقواعد والأغاني لأن  الأغاني كلها فوضى. هؤلاء جهلاء أغبياء جداً وإنما هم يقولون هذا القول لكي يتمسحوا بالإفرنج ويقال عنهم انهم متمدنون.

ولما كان السلم الإفرنجي لا يطابق السلم العربي حتى في درجاته الأصلية فيتعذر جداً على العزف أن يعزف لحناً عزفهاً على آلة إفرنكية مقيدة الدرجات كالبيانو والأرغن وأمثالهما. فإذا عزف عازف عليها لحنا عربيا ظهر ناشزا حتى انك لا تستطيع أن تسمعه إذا  كنت قد ألفته على الآلة العربية كالعود والكمنجة والقانون.  لا تستطيع أن تعزف أذان الصلاة على البيانو أو نحوه وتشمئز إذا سمعته؛ ولكن إذا سمعت الأذان من كمنجة الأستاذ سامي الشوا شعرت أنه ناطق بكلامه.

وكانت فتاة لبنانية تدرس موسيقى إيطاليا (حسب السلم  الإفرنكي طبعاً)  فغنت مرة سوريين أغنية بسيطة لبنانية على السلم الأفرنكى فلم يطق أحد سماعها لأنها كانت تغنى العربي على السلم الأفرنكى. وهنك أناس يستنكرون تكرار الكلام  والتلحين بالغناء العربي. فهؤلاء محقون في استنكارهم وربما كان

هذا التكرار هو العيب الوحيد في الغناء العربي المصري. والذنب فيه هو ذنب المغنين أنفسهم لا ذنب الملحنين. لأن الملحن قد يكرر عبارة ولكنه لا يكرر لحنها وإنما يلحن لتكرارها لحناً آخر. ومع ذلك لا نعذره كل العذر لأن الشعر عندنا سواء كان  معرباً أو زجلاً غنى بالكلام فلا داعي لقضاء نصف ساعة أو أكثر في غناء أغنية كلامها معدود الألفاظ إلا إذا كان الكلام مكرر متنوع الألحان. سمعت مرة في الإذاعة المصرية مغنياً ينشد قصيدة (نالت على يدها ما لم تنله يدي)  فقضى حصته في الإذاعة في إنشاد الأربعة الأبيات الأولى وكان يكرر كل بيت منها بكلامه ولحنه مراراً حتى زهقت وأعتقد أن جميع السامعين زهقوا أيضاً. والقصيدة تشتمل على أكثر من عشرة  أبيات فكان في وسعه أن ينشدها كلها وأن يتفنن في ألحانها أو  أن يعتمد على ملحن خاص يلحنها له.

الموسيقى والشعر:

وربما كان الشعر العربي يمتاز على أشعار معظم الأمم الأخرى ولا سيما الإفرنجية لأنه موزون وذو مقاطع معدودة ومحدودة في كل بحر من بحوره. ووزن الشعر العربي يتفق مع الألحان الموسيقية اتفاقاً طبيعياً لأن الشعر موسيقى والموسيقى شعر. ولهذا أفرد  الأستاذ الله ويردى قسماً من كتابه العجيب فصلاً خاصاً مطولاً للعروض. بحث فيه بحثاً فلسفياً ثم علمياً مستفيضاً وضبط جميع الأوزان العروضية وتفعيلاتها وشرح قواعدها شرحاً علمياً عجيباً. فننصح لمن يريدون درس العروض أن يطلعوا على الفصل السادس من الكتاب في التوزين والإيقاع بل أن يدرسوه درساً.

بقيت لي ملاحظة طفيلية أرجو أن يغتفرها لي حضرة  الأستاذ المؤلف وهى أنه ورد في مباحث الكتاب بعض اصطلاحات خاصة بالموسيقى. مثل ذرة وكوماً وليما وبعد طبيعي وبعد طبيعي وجناحان إلى غير ذلك مما هو من خصائص العلم الموسيقي وهو غير مفسرة في الكتاب التفسير الذي يحتاج إليه الدارس. وكان جديرا بحضرة الأستاذ أن يضع لهذه الكلمات

معجماً آخر الكتاب أو في أوله مستوفى الشرح يرجع إليه  الدارس كلما وردت أمامه كلمة منها إلى أن يستوعبها تماماً. وحبذا لو كان يضع للموسيقى كتاباً تعليمياً مدرسياً يقلل فيه جداًول الأرقام للطلبة الذين يريدون أن يتعلموا الفن حسب الأصول  والقواعد.

وأخيراً أني متعجب جداً من جَلد الأستاذ ومقدرته على إذكاء هذا الفن من الناحية العلمية ولا سيما النسب الرياضية وغيرها، ولا أظن أحداً غيره درس هذه الدراسة المستفيضة. حقاً أنه يستحق جائزة نوبل إذا أمكن أعضاء لجنة نوبل  الإطلاع على ترجمة هذا الكتاب.

اشترك في نشرتنا البريدية