الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 14الرجوع إلى "الثقافة"

بحث في النفس :, عواقب النصحية

Share

قد يتناول النصيحة إنسان من إنسان ، كما يتناول وعاء الملح على الطعام ، أو كما يتناول لفافة التبغ ، أو كما يتناول بذهنه النكتة من الملح والنكات في غير ما إحنة ولا الم ، ولكن النصيحة قد تكون مجلبة الشر بماركب في النفوس من إثرة وشر .

فانك قد تلطف في النصيحة ، ولكنها ، وإن كانت نافعة للمنصوح إذا اتبعها ، قد تكون كريهة ، إما لأنها تشعره أن الناصح قد امتاز بسداد الرأي وعلاء بالحجة ، وكل نفس تشعر بغضاضة إذا عنها نفس أخري ، مهما كانت صديقة أو عزيزة ، وإما أن النصيحة تنهي عن أمر فيه ضرر محقق ، ولكنه لذيذ محبوب ، فإذا اقتنع المنصوح مما في الأمر من الضرر ، ووجد ان الضرر أعظم من اللذة ، وطاوعته نفسه ، عمل بالنصيحة وابتعد عما حذره الناصح منه ، ولكنه لا يغفر للناصح أنه نصحه بالابتعاد عن أمر لذيذ ، كأنه هو الذي حرمه من لذته ، أو كأنما قد سرق الناصح منه شيئا ، أو كانما قد غبنه وظلمه وأهانه . ومن الغريب أنه قلما يشكر الناصح على نجاته من الضرر ! وإذا شكره شكره بلسانه ، أو بلسانه ويجزء من قلبه صغر أو عظم ، وبالجزء الباقي من قلبه بشعر بشيء من الامتعاض أو الكره أو الرغبة في الأذي . وهذا الشعور في المنصوح يختلف مقداره ، فهو في بعض الناس تضايق خفيف يكاد يكون غير مفطون له ، وفي بعضهم يزداد حتى يصير مقتا ورغبة في الأذي ، بالرغم من أن

صاحب هذا الشعور قد انتفع بنصيحة الناصح . وهذا الشعور الموصوف في المنصوح اكثر ظهورا في الأطفال ، لأنهم لم يعتادوا إخفاء شعورهم أو المغالطة فيه كالكبار ، فالطفل قد تمنعه عما فيه ضرر كبير له فينتفع بمنعك إياه ، ولكنه قد يبكي من الغيظ ، وقد يشتمك إذا كان في هذا الأمر المضر الذي منعته عنه لذة يعقبها الضرر . وهذا الامتعاض الذي يشاهد في الاطفال يشاهد في الناس كلهم أو هو خفي في سريرتهم.

على أن الشعور بالسوء غير مقصور على المنصوح ، فإن الناصح قد يشعر بالأحاسيس المختلفة وكلها سوء ، وإن غالطت فيها النفس وموهتها . فإذا نصح إنسان إنسانا وتنبأ له بضرر في مخالفة نصحه ، ثم لم يتبع المنصوح نصحه ولم يحق به أذي ولم تصدق نبوة الناصح ولا إنذاره بالشر ، فقد يشعر الناصح بخيبة من أجل بطلان تشاؤمة حتي ولو كان المنصوح صديقه العزيز ، كانما يود الناصح بالرغم من ذلك ان يصدق تشاؤمه ، وان يحل بصديقه بعض الشر الذي تنبأ له به إذا خالف نصحه . وهذا الشعور بخيبة التشاؤم يختلف مقداره باختلاف نفوس الناصحين المتشائمين وتختلف عواقبه ، فإذا كان الناصح الخائب في نبوته شريرا سعي بين الناس يشتم صديقه تشفيا منه ، وتكاد نفس الناصح الخائب في نبوته تعد تلك الخيبة إنهزاما وانكسارا وخسارة فى مال أو ثكلا في أهل ، وكانما له ثرة عند صديقه .

أما إذا صدقت نبوته وصدق تشاؤمه ، وحل بصديقه

المنصوح ضرر من أجل عصيان نصحه ، فإن الناصح يزهو عليه ويفرح بالشر الذي حل به. ويختلف مقدار هذا الشعور أيضاً باختلاف نفوس الناصحين ، فقد يكون زهواً خفيفاً وفرحاً خفياً غير مقطون له ، وقد يكون زهواً وفرحاً يخالطهما الحقد والتشفي من صديقه النصوح لأنه خالف نصحه. وفي الحالة الأولى يفرح ولو أن الذى حاق به المكروه صديقه العزيز ، وكلما قابل صديقه الذي حل به الضر لامه وعنفه لأنه خالف نصحه ، وذكره أنه تنبأ له بالشر ، حتى إنه قد ينغص عليه حياته بالتعنيف والتذكير ، وقد يصير لومه وتذكيره ضرراً أشد من الضرر الذي حل بصديقه بسبب مخالفة نصحه ، والناصح المعنف قد يقطن إلى أنه يضايق صديقه بلومه وتذكيره وقد لا يفطن ، وهو على أى حال يتشفى لأن صديقه لم يتبع نصحه .

فإذا كان صديقه المنصوح المخالف النصح، والذى حل به الضر والأذى بسبب مخالفته النصيحة من أهل الخير، تضايق من الحاج الناصح في التعنيف والتذكير ، واكتفى بأنه تضايق منه. أما إذا كان هذا الصديق المنصوح المخالف الذي حل به ضرر مخالفة النصح ، وضايقه التعنيف والتذكير ، شريراً مثل الناصح المتشفى بالتعنيف ، أو إذا أغلظ عليه الناصح المتشفى بالتعنيف والتذكير إغلاظا قد يمزجه وقد لا يمزجه بالمزاح، فقد يحقد ذلك الصديق المنصوح المتضايق على الناسخ المعنف، حتى بعده كأنه هو المسئول عما حل به من الشر والأذى بسبب تشاؤمه ، وحتى يبغي أذاه. وقد يغالط الناصح المتشفى بالتعنيف نفسه ويوهمها أن إلباس التشفي والحقد لباس المزاح في التعنيف يسلب المنصوح المخالف الملوم حقه في التضايق من هذا التعنيف والتذكير المشوب بالمزاح أو بالملاطفة ، فإن المزاح قد يجعل التعنيف أشد إيلاما وأبلغ في التشفى ، حتى

ولو ادعى الممازح أنه لا يريد التشفى وإنما يريد الملاطفة بالمزاح. فمن مكارم الأخلاق إذا تنبأت لأحد بشر في مخالفة نصحك وصدقت نبوتك أن لا تذكره بما تنبأت به ، كي لا يتضايق منك ، وكى لا يحقد عليك، وكي لا تعدك نفسه - والنفس ذات أهواء وأوهام عجيبة - كأنك أنت الذي سببت له سوء العاقبة بتشاؤمك ، وإن كان سوء العاقبة الذي حل به كان بسبب مخالفة نصحك .

فمن الراحة لك والسعادة وكسب مودة الصديق ومنع أذاء عنك ، أن لا تذكره بما كان من سوء عاقبة مخالفته نصحك ، حتى وإن وجدت في حرمانك نفسك لذة تقويمه وتعنيفه وتذكيره ألماً شديداً ، وقد يكون في حرمان النفوس التشفي من أصدقائها حتى الأعزاء، ألم وامتعاض وتضايق ، فتحمل هذا الألم والامتعاض والتضايق من حرمانك نفسك لذة تعنيفه وتذكيره، فإن تحمله أليق بمكارم الأخلاق وأدفع للشر ، وهو على أي حال قد يحرمك لذة التشفى بأن ينكر انكاراً تاماً أنك نصحته ، وبينت له سوء العاقبة. وإن كان صاحبك ماكراً ماهراً ، فقد يحملك إنكاره أنك نصحته تلك النصيحة بالذات، ويحملك تعجبه من تذكيرك إياه بنصح لم يأت منك إذا أتقن صنعة ذات التعجب والانكار - أقول إن مكره قد يحملك على أن تتهم ذاكرتك فتشك في صحة ما نصحته به أو تشك في حصول النصح منك ، وهذا يفسد عليك لذة التشفي . وقد يبالغ في مكره ، فيحاول أن يقنعك أنه اتبع نصحك وأن نصيحتك هي التي أوقعته في الشر. وهذا أيضاً يتلف عليك لذة التشفي ، وحتى إذا لم يحدث شيء من ذلك فان ادعاءه نسيان نصيحتك يفسد أيضاً عليك لذة التشفي، لأنك لا تستطيع التلذذ بالتشفي إلا إذا كنت واثقاً أن صاحبك يتذكر نصيحتك ، ويتذكر مخالفته لها كي يندم على مخالفتها التى جرت سوء العاقبة له ، أما إذا حملك على الشك

في تذكره نصيحتك ، فان شكك يكون كشوكة تشوكك في جانب تشفيك وتؤلمك . خير لك أن تترك التشفى ممن خالف نصحك وأن محتمى بمكارم الخلق ، وأن لا تذكر صديقك بعواقب نصحك من خير فى اتباعه أو شر فى مخالفته

ومن قبيل عنف الناصح المخذول إذا تشفى من المنصوح الذى خالف نصيحته فوقع في الشر، ما يفعله بعض عواد المرضى. فكم رأينا من عائد لمريض يشتد في لومه ، وهو يظهر الاشفاق عليه والحنان له بلسانه ويقول : لو كنت فعلت كيت وكيت ما أصابك المرض، أو لو كنت امتنعت عن كذا وكذا ما مرضت ، أو لو كنت تجنت أكل كيت وكيت ما أصابك السقم ، أو لو كنت انقيت تيار الهواء لما وصلت إلى هذه الحالة، ويردد وبعيد اللوم والتحذير . ولو كان هذا القول على سبيل الإشفاق والنصح والحنان، لا كتفى العائد بذكره مرة واحدة أو مرتين ، ولكنه لا ينقطع عن ذكره كلما عاد المريض . وربما ذكره بالموت ويقول له : يا فلان ينبغي أن تكون أكثر حذراً ، وإن لم يكن حذرك حباً لنفسك فينبغي أن تحرص على توقى أسباب المرض حبا لأولادك، إذ من الذى يعولهم ويكرمهم ويعزهم بعدك إذا مت ؟ ويستمر العائد التقيل البغيض في هذا التعنيف ، حتى يتضاءل المريض المسكين في جلده وإن كان منتفخاً من الغيظ ، حتى يخيل لذلك المريض أن الموت أقل ما يستحقه من العقاب لأنه لم يوف" الوقاية حقها كرأى العائد، وإن كان يجهل رأى العائد قبل مرضه . ولا يستطيع أحد أن يقول إن مثل هذا الالحاح في مضايقة المريض بالنصح من قبيل الاشفاق ، بل هو من قبيل الرغبة في التعاظم بالعلم والحكمة والفطنة ، وانتهاز فرصة ضعف المريض للتعالى عليه بالقطنة والعرفان ، ومن الغريب أن بعض العواد لا يفطنون إلى أنهم يضايقون المريض بهذه النصائح : وهؤلاء في حاجة إلى شيء من الثقافة النفسية

اشترك في نشرتنا البريدية