إذا أردنا الكتابة أو البحث في تطور الإنسان على ممر الدهور والأيام، فانما نعني في الحقيقة تاريخ الانسان، تاريخ حياته وجهاده وكيف. . ومتى. . ومن أين أتى بشكله الطبيعي المألوف الذي نراه به اليوم. وكيف تكونت عنده القوى العقلية والقدرة على التكلم والتفاهم.
من الواضح الجلي أننا إذا حاولنا الكتابة في هذه الحادثات التاريخية القديمة، يجب علينا أن نوجه أبحاثنا وننظر بعيداً الى عصر
قديم جداً من العصور، يقع قبل التواريخ المدونة في الكتب بمراحل كبيرة جداً. ونجد لزاماً علينا في هذه الحالة أن نقص عليك أطيب القصص عن عصر لميوجد به رأي يفكر أو يد تسطر لنا ثمرات هذا التفكير.
ولقد خيل للعلماء أجمع استحالة تتبعهم وتفهمهم لما حدث في تلك الأحقاب السحيقة، ثم تسطير تلك الحوادث التي حدثت منذ آلاف السنين، لو لم تأت المصادفات ويساعد الحظ الحسن على كشف أستار الماضي الكثيفة. فانه في حوالي سنة ١٨٢٥ قامت بعثة أثرية دنمركية بالبحث عما قد يكون مندثراً في أراضي بلادها من أسلحة أو حلي أو آنية قديمة، ثم وضعت كل ما وجد في متحف كوبنهاجن.
وفي سنة ١٨٣٠ حينما ازدادت كمية المحفوظ به فكر مدير قسم الآثار س. ج. تومسون C.J.Thomsen تقسيم المحفوظات الى أقسام ترتب حسب نوع المعدن المصنوعة منه. إلا أنه في ذلك الوقت أتته فكرة طارئة، كانت ذات أثر بين في سير التاريخ الانساني، وذلك أنه ساءل نفسه عما إذا كان من المحتمل أن تكون تلك المحفوظات عنده في المتحف كل منها يمثل عصراً خاصاً من عصور الانسانية، وجاءت الحوادث بعد ذلك لتحقق صدق حدسه الذي خمَّنه، فقد وجدت أشياء أخرى بطريق المصادفة لفريق منعمال البناء عند حفرهم آبار منازل كلها من مرافق الإنسان الذي عاش في العصور السالفة، وكان أقربها لسطح الأرض الحديدية والبرونزية فالحجرية.
فأخذ علماء الدنمرك حينذاك يعرفون أن الأرض نفسها سجل صامت ثابت يحفظ تاريخاً صحيحاً لأعمال وحياة الإنسان في العصور السالفة، ووجدوا ذلك صحيحاً في كل جهة من جهات بلادهم: في المقابر القديمة، في الآبار وفي شواطيء الأنهار مما يملي عليهم التاريخ الصحيح للانسان القديم.
من كل تلك الأشياء وصل تومسن Thomseu الى نتيجة نهائية، هي أن تاريخ الإنسان القديم مقسم الى ثلاثة عصور: الحجري والبرنزي فالحديدي، وبذا كانت الدنمرك أحدث الجهات في التكوين جيولوجيا، هي أول مكان بحث التاريخ السحيق للانسان على هذا النمط العلمي الجديد.
حول العلماء الفرنسيون بعد ذلك طريق كتابتهم لتاريخ الإنسان وجاروا الدنمركيين في طريقتهم، ووجدوا مادة بحثهم الجديد في كهوف مقاطعة Dordogne وبدأ ادوارد لاريت F.larett ومعاونوه البحث فيها حزالي عام ١٨٦٠ فوجد أن معظمها كان مستعملاً قبل ذلك كمساكن أو مقابر في كل عصور التاريخ القديم، وكان من عدم اعتناء السكان الأقدمين بالنظافة وترك كهوفهم مملوءة بالبقايا والأدوات حظ حسن للتاريخ، وكان من تساقط المياه الملحية من سقوف الكهوف خير معوان وخير عامل على حفظ تلك البقايا الانسانية بعيدة عن الضياع أو التلف، وارتفع قاع الكهوف بالعوامل الطبيعية والجيولوجية، فحفظت الأرض بين ثناياها على ارتفاع ينيف على الثلاثين قدماً آثاراً عظيمة الشأن للحياة الانسانية من مدة طويلة من الزمن
ولم يطل الزمن بعد ذلك حتى عرف الفرنسيون أن كهوف بلادهم تحفظ تاريخ الإنسان لمدة أقدم بكثير مما تحفظه مقابر اسكنديناوه أو قدماء المصريين. ولم تكن العصور الانسانية الثلاثة المعروفة لهم سوى عصور حديثة جداً إذا ما قيست بما تنم عليه آثار كهوف فرنسا، ومن بينها الهياكل العظيمة المتحجرة للحيوانات التي كانت تعيش في تلك العصور، كغزال الرنة، والضبع ودب الكهوف. ولقد قسم اللورد ايفبري Lord Avebury العصر الحجري إلى قسمين: أسمي أحدهما العصر الحجري الحديث Neoliths القريب من العصر البرنزي وهو ما وجدت آثاره في الدنمرك، وأسمي الآخر العصر الحجري palaeoliths
وكلما ازداد الفرنسيون تعمقاً في حفرياتهم ازدادوا يقيناً بصحة ترتيب تلك العصور المختلفة وبتغيرات عديدة قد حدثت للمناخ وقتذاك، وعرفوا أنه لم يكن هناك عصر حجري قديم واحد كما ظن السير ايفبري بل جملة عصور متتابعة متناهية في القدم يمتاز كل عصر منها بميزات مختلفة، أمكن انتزاعها من الآثار التى
وجدوها. وزاد يقينهم في هذه النظرية تكرار وتماثل ترتيب الطبقات في كل الكهوف التي بحثوها. وقد وجد علماء الانجليز والألمان والطليان والاسبان بدورهم نفس الظواهر والترتيب الذي وجد في كهوف فرنسا.
وهكذا نرى أن الكهوف قد أمدتنا بالمعلومات والحقائق الخاصة بتاريخ الإنسان القديم، وأمكننا تسطير تاريخ دقيق لا عن المدة التي كشفت عنها حفائر الدنمرك فقط، بل عن مدة تتناهى في القدم عن تاريخ قدماء المصريين أو تاريخ بابل القديم. وإنك لتدهش حقاً إذ تعرف أن تلك الحفريات قد كشفت لنا عن ظاهرة ليست غريبة عن عصرنا، وهي مسألة الزي، أو "المودة"Fashion فقد ثبت منها أن مجرد وضع زي خاص لملبس أو زينة في بلد في تلك العصور كان كافياً لانتشاره في العالم القديم أجمع، ولذلك ترى أن أجدادك وأجدادنا الأقدمين كانوا مثلنا عبيداً للزي المتفشي في العصر. ولو أن زيهم كان أثبت قدماً وأطول بقاء من زينا الذي يتغير سريعاً بتغير الفصول والمناسبات.
لنر الآن إلى أي حد تعمق البحث في تاريخ الكهوف القديم. من الشكل رقم "1" يرى القاريء قطاعاً رأسياً في كهف مثلى كملت فيه الطبقات والعصور التي وصل العلماء إلى الكشف عنها. ومنه يمكنه أن يلاحظ أن العصور الثلاثة المعروفة (الحديدي والبرونزي والحجري) تقع في أحدث جهات الكهف كشفاً، ومن بعدها عصر سماه العلماء Azilian (لأن الحفريات التي دلت على وجوده عملت بالقرب من قرية Azile,Masd في فرنسا) يجيء بعده عصر سموه Magdalenian (نسبة الى كهف LaMadeine في مقاطعة الدردون) يتبعه عصر سمي Soltrean(نسبة الى جهة Solutreبالقرب من ماسون بفرنسا) فعصر أطلق عليه إسم Aurignacian (نسبة إلى قرية Aurignac في أعلى الجارون) وآخر هذه العصور عصر أطلق عليه إسم Mousterian نسبة إلى الكهف Le Maustier في مقاطعة داردونيDardogne
وليس هناك أدنى شك في صحة ترتيب العصور السالفة الذكر، لأن الابحاث التي قام بها العلماء بعد ذلك لم تكشف لنا إلا عن تتابع صورة طبق الأصل لما قد بيناه في هذا المقال. إلا أننا نقف لحظة
ونسائل أنفسنا ما هي فترة كل عصر من تلك العصور؟ ومتى بدأ كل عصر منها؟ .. ومتى انتهى كل منها؟.
إن السنين المذكورة في شكلنا رقم "1" ما هي إلا عدد تقديري تقريبي غير ثابت تمام الثبوت، وربما كشف لنا العلماء حديثا ما يدفعنا إلى تغيير في هاته الأرقام. لكننا مع ذلك نعلم أن فترة الكهوف قد انتهت بانتهاء عصر الجليد. ولقد استطاع علماء السويد وعلى الأخص البارون دي جير Baron de Geer أن يضعوا لنا تقديرا معقولا انتزعوه من آثار عصر الجليد وعرفنا منهم أن عصر الجليد قد بدأ في السويد من مدة ١٢٠٠٠ سنة مضت تقريبا. ونحن إذا قدرنا أن حياة الإنسان في الكهوف قد انتهت
من مدة ١٠٠٠٠ سنة أو ٨٠٠٠ قبل الميلاد لأمكننا أن نقرر لأقدم عصر من عصور الكهوف تقديرا غير مبالغ فيه وهو ٤٢٠٠٠ سنة
ولكي تعلم أيها القاريء أن أقدم عصر من عصور الكهوف هو أهم عصر في هذه العصور جميعا، يكفي أن نخبرك أنه بين طبقات الأرض في هذا العصر قد وجدت بقايا عظام متحجرة لعنصر من عناصر المخلوقات يختلف اختلافا عظيما جدا يبعده عن الصورة التي كان عليها أقدم الأجناس البشرية المعروفة. هذا النوع أو الجنس يعرف باسم انسان النيادرانتال Neanderthal Man ويمتاز هذا النوع بفرطحة الجمجمة وبروز عظام محاجر العين. كان رجاله ونساؤه ذوي قامات محدودبة يعتمدون كما تعتمد القردة على أيديهم في المشي.
وقد بدأ هذا النوع من أنواع الإنسان القديم يظهر واضحا جليا بآثاره ومخلفاته في أواخر أقدم عصر من العصور التي ذكرناها Mousterian مستريان.
ومن الآثار والمخلفات التي وجدت في الكهوف القديمة في جميع أنحاء العالم أمكن تتبع حياة الإنسان لمدة تنيف عن ٤٠٠٠٠ سنة في وقت كانت فيه أوروبا مسكونة بعنصر من العناصر الانسانية يختلف اختلافا بينا عن العنصر الذي نحن منه. عنصر أطلقنا عليه كما سلف Homo Neanderthalensis وثبت أن أوربا كان سيكنها في العصر القديم الذي أطلقنا عليه اسم Mousterian عنصر من الإنسان النياندرتال.
وبرغم أن الإنسان الذي وجدت آثاره كان فطريا أقرب في حياته الى الحيوانية فانه كان رجلا أو إنسانا بكل ما في جسمه من صفات وما في عقله من خواص وتفكير. وما دمنا نرمي الى الوصول لفجر الانسانية ومعرفة تاريخ النشأة البشرية فانه يجب علينا أن نتخذ لنا طريقا آخر يساعدنا على تفهم ما نريد ومعرفة ما نرمي اليه. هذا الطريق هو البحث في الأنهار والمجاري المائية. وإن البحث والتنقيب اللذين قام الناس بهما فيها، دلا على أن هناك آثارا ومخلفات قديمة تحفظها الأنهار والمجاري في قاعها وشواطئها ومدرجاتها، وكأنها تقدر مجهود الإنسان لحفظ كيانه، فعملت على حفظ آثاره وتخليد ذكره تنويهاً منها بعظمته وقوته. ولنا في مدرجات نهر التيمس اكبر دليل على
ذلك. ولقد ساعدت عملية الردم والتكوين التي تقوم بها الأنهار بما تحمله من غرين وغيره اثناء طريقها على حفظ اثار الانسانية، حتى جاء بورشيه دي بيرث B. De perthes فوجد في بلده ابفيل Abebville صخورا نارية (كان الناس وقتذاك يعقتدون انها من مخلفات الصواعق) اعتقد انها من عمل الإنسان ووجد بها اثرا من فن الانسان، واعتقد ان الإنسان قد استعملها قديما كـ (بلطات) يقطع بها الاشجار وغيرها، او يدافع بها عن نفسه وقت الخطر. كذلك وجد في نفس الجهة عظاما متحجرة لحيوانات قديمة منقرضة، وهنا نظر اليه الناس كنظرتهم الى من بعقله مس من الشيطان، لأن العظام التي كشف عنها ترجع الى عصر Pre Deluvian وهو عصر اعتقدوا ان الإنسان لم يوجد فيه. فكيف بهذا الرجل يقول ان الصخور التي وجدها من قطع وتشكيل من لم يكن قد وجد بعد؟
يتبع

