- 2-
. . وبعبارة اخرى اذا اردنا ان نبتعد عن كل التباس هل يمكن ان نرضى اليوم بان يقوم شاعر فينشدنا قصيدة على منوال المعلقات يبدأ فيها بالبكاء على الاطلال ثم ينتقل الى النسيب ووصف الناقة وما يقاسى من اتعاب السفر حتى يصل الى مدح بعض العظماء وذوى المنزلة فى البلاد التونسية ، وهب انه يستبدل الناقة بالسيارة فهل نقبل ذلك ايضا ؟
وهل يمكن ان نسمح اليوم لشاعر ان يتعصب لهذا المذهب او لذلك الحزب او لمدينة صفاقس مثلا فيمجد اهلها ويفضلهم على سائر مدن البلاد يمكن ان نعتبر بشاعر اخر ينظم قصيدة في الغزل ووصف الخمر كما لو كان في مجلس لهو من مجالس العصر العباسى ؟ كل هذه الاسئلة انما يكفينا مجرد القائها جوابا عنها لان الاطلال ووصف النوق والهجاء والفخر والدح والغزل ووصف الخمر وكل هذه المعاني في الشعر القديم بعيدة عن حياة اليوم بعيدة عن مشاغلنا اذ ان امالنا متعلقة بامور اخرى ومتجهة الى ما سيكون من مصيرنا كأمة حرة واعية بين الامم
نعم ، لقد كان الادب الجاهلى حيا لما راينا من صلته بحياة العرب فى ذلك العصر ، وكان الادب حيا في صدر الاسلام والعهد الاموي وقد وجدناه متين الصلة باختلافات السياسة وتشعب الفرق
وكان الادب حيا فى العصر العباسى الاول خاصة اذ جاءت مآثره عن مختلف مظاهر الحياة فى تلك الفترة : حياة اللهو عند الخواص ونهضة العلم والثقافة وحركة الشعوبية وغيرها
ولكن كل هذا عاد - إذا صح التعبير ميتا بالنسبة الينا وفيما يخص معانيه ومواضيعه واشكاله ، لان معنى الادب الحى هو ان يوافق الكلام فى نفس القارىء والسامع ما تكون متعلقة به وان شئنا قلنا ان الادب الحى هو الذي يعبر - فى ضروب من الجمال الفني عما لا يستطيع القارئ ان يعبر عنه وان كان يحس به في غموض بحيث انه يشعر عند قراءة النص انه يقف على افكار وعواطفه وميوله
ولاي شىء يصلح الادب القديم حينئذ ؟ لا لشىء الا المعرفة وكيف كان الناس يعيشون ويفكرون ويشعرون ولنعرف ما وصل اليه القدماء من صواب ومن خطأ ومن جمال وقبح ومن كمال ومن نقص ومن اجتهاد ومن تقصير حتى يتيسر لنا الاختيار وحتى نربط بين الماضى والحاضر وبين الحاضر والاتي .
والأدب القديم حافل بهذه المتقابلات ولكنه قد ثبت ان لا سبيل الى تقليده تقليدا اعمى لا في المواضيع ولا في الاشكال ولا فى الاسلوب فليس يمكن ان نكتفي في الأدب بالمعنى الذي وجدناه عند الامويين وهو ان يكون تربية وتاديبا بحفظ جيد المنظوم والمنشور وبمعرفة الاخبار لان المبدأ الاساسي الذي تقوم عليه التربية اليوم هو تنمية مواهب الطفل واطلاقها ان تكن متجهة الى الادب او الى العلم او الى الفن
ولا نستطيع ايضا ان تقبل ان يكون الادب اخذا من كل علم بطرف مهما اعحبتنا حيوية الجاحظ ومهما وجدنا عند ، من الافكار الصائبة والكلام الجذاب لان العلم اصبح اليوم يقوم على الاختصاص والتفرغ الى صنف منه او صنفين على اكثر تقدير
وانما ينبغى ان يكون ادبنا حيا مثل ما كان فى العصور السابقة اى ان يكون متصلا اتصالا متينا بما يشغلنا وبما نشعر به ونفكر فيه باعتبارنا أمة لا فرقة او مذهبا او قبيلة .
ولا باس بان نستعين بلمحة سريعة عن تطور الادب الفرنسى فى عصوره الاخيرة حتى تدرك بوضوح ما يجب من امرنا
كان الادب الفرنسى قبل القرن السادس عشر ينحصر فى قصص على السنة الحيوانات وفي ملاحم تدور حول اعمال بعض الابطال فى الحروب وخاصة الحروب الصليبية وفي شىء من الاشعار الغزلية الغنائية وكان جماعة من الرواة بجوبون فرنسا فيتحدثون بتلك الاخبار وينشدون تلك الاشعار فى قصور النبلاء
واما المسرح فكان لا يخرج عن مواضيع دينية ساذجة اهم اشخاصها الله واولياؤه والشيطان .
ثم جاء القرن السادس عشر واكتشفت كنوز الحضارات القديمة اليونانية والرومانية واقبل ذوو الثروة ومواليهم على هذه العيون الجديدة بشره ونهم فحفظوا وطالعوا وقلدوا القدماء .
وبعد ان كان الادب يعمه طيلة قرون ذلك التاثير الديني وتلك الصبغة القصصية ، فان المثقفين اصبحوا يعبدون " الفنون والاداب الجميلة وصارت الفكرة الحركة فيهم هى فكرة خدمة الانسان بصفته بشرا ورفع الجهل عنه وتثقيفه واخراجه من ظلمات القرون الوسطى الى نور النهضة الجديدة . واشتهر زعماء هذه الحركة وسار شعرهم وكلامهم بين الناس ولكن لم ينل واحد منهم ما تم لرابلي "Bablais" من الشهرة . وذلك ان هذا الناثر وكان طبيبا وراهبا واديبا . وضع كتبه بلغة شعبية واخذ فيها بالنقد اللاذع والسخرية الحادة المضحكة الى حد القهقهة كل من كان جائزا او محتالا او جاهلا احمق او فاسد الطباع والاخلاق او مرتشيا من بين الرهبان والاطباء والحكام والتجار والنبلاء والفقهاء ، بحيث ان هو مبتدع الادب النقدي الذي يرمى الى الاصلاح باسلوب يمزج بين الهزل والجد والافادة والاضحاك
وانقضى القرن السادس عشر وقد نشأت اللغة الفرنسية واصبحت لغة حية بتكلم الناس بها مكان اللاتينية ويكتبونها ويقرؤونها وهى اداة لهم عندما يفكرون وعندما يخلو الرجل الى نفسه . وجاء القرن السابع عشر وكان العصر الذهبى للمملكة الفرنسية ومن الطبيعى ان ظهر اذ ذاك ادب بلاط كان ملهاة للخواص والنبلاء يحدثهم بما يحبون من معاني الواجب والمروءة ومن مغامرات القصور.
ولكن واحدا منهم اخذ بتقاليد "رابلى" وانتحل الادب النقدى وهذا الرجل هو "موليار" فقد عالج بعض مساوىء المجتمع الفرنسي وقصد الى اصلاحها باضحاك الناس منها ورغم ان تلك المساوىء كانت فى اهل عصر ، فان "موليار" استطاع ان ينزلها فى منزلة بشرية بحيث ان تاثير حتى اليوم ولم يزل الناس يضحكون من بعض اشخاصه ويخشون ان يظهروا بطباع البخيل " او بطباع النساء العالمات او باخلاق ترتوف " الراهب الخبيث بل ان كل اشخاص " "موليار" اصبحوا امثلة سائرة بين الناس على مدى الدهر
ولكن العصر الذي يهمنا كثيرا في تاريخ الادب الفرنسى هو القرن الثامن عشر . ذلك ان المجتمع الفرنسى قد تطور ونشأت بجانب طبقة النيلاء والاقطاعيين طبقة اجتماعية وسطى " البورجوازية " من اصحاب الحرف والتجار والمهن الحرة واتراب هؤلاء . واصبحت هذه الطبقة تنظر الى النبلاء بعين الاحتقار لفراغ حياتهم ولانه ليس يميزهم في المجتمع الا الانفة والتجبر والظلم مع عجزهم الاقتصادي ومع مجونهم وفساد اخلاقهم . وكان من الطبيعى ان يتضامن عامة الفلاحين مع الطبقة " البورجوازية " ، اذ كان النبلاء يعتبرونهم عبيدا واصحاب العمل الشاق فى اراضيهم .
وهكذا اصبحت هاتان الطبقتان - وهما اغلبية سكان فرنسا فى ذلك العهد تنزعان الى قلب النظام القديم . فاما "البورجوازية " فكانت تريد ان يكون لها المناصب في السياسة والادارات وتريد ان تتمتع بالحرية فى نشاطها الاقتصادى وبمنزلة في المجتمع لا تقل عن منزلة الاشراف . واما الفلاحون فكانت غايتهم ان يتحرروا من نظام العبودية والاشغال الشاقة وان يكونوا احرارا فى اشخاصهم واملاحهم واعمالهم وان يكون لهم كل ذلك مضمونا .
والادب الذي يهمنا ؛ انما كان تعبيرا عن هذه الشواغل وهذه الاهداف وكان يرمى الى احياء وعي الناس حتى يفهموا وضعيتهم فى النظام القديم ويفهموا حقوقهم ويعملوا لانجازها وقد كان ادب " فولتار" و "روسو" و "ديدرو" و "مونتسكيو" يرمى الى تحرير العقول وانارتها .
و "روسو" الذي اعلن فكرة المساواة بين الناس من يوم يولدون وهو الذي بين ان الحكومات انما تقوم على ميثاق بينها وبين الشعب بحيث ان وظيفتها هى العمل لصالحه وان سيادتها مستمدة منه .
وكذلك "فولتار" فانه كان - مع خفة روحه - الرجل الذى قضى حياته فى مجاهدة الظلم والرشوة والجهل والتعصب الدينى ونفاق رجال الدين الذين كان ظاهرهم ورعا وباطنهم وسخا وخبثا وتدجيلا وعجزا . وكذلك "ديدرو" وبقية اصحابه فقد كانوا جميعا يؤمنون بان المستقبل للعقل والعلم والحرية فنصبوا الحرب لكل جهل ولجميع الاعتقادات الوهمية .
هذه هي النزعة العامة التى نجدها فى الانتاج الادبى والفكرى فى القرن
الثامن عشر . ومن الغلط ان يظن احد ان هؤلاء الكتاب كانوا السبب الاول بجمله قصصهم ومسرحياتهم ورسائلهم للثورة الفرنسية . لا وانما الاحوال التى كان يعيش فيها الفرنسيون هى التى انجبتهم وجعلت مواهبهم الخصبة تنطق بآمال طبقات الشعب الحية ووجهتهم الى معالجة مشاكلها الخطيرة ويكفينا دليلا ان كان كثير من الفرنسيين يتأثرون الى حد البكاء عند قراءة كتب حتى انه وجد منهم من اتخذها مكان الانجيل يقرأها ويعيد قراءتها ويكاد يحفظها حفظا . وكذلك نال " فولتار " شهرة لا نتصورها اليوم لكاتب فرنسى بقطع النظر عما عندنا نحن من البضاعة وكذلك اقبل الناس على مسرحية بومارشى : "زواج فيقارو" وقد مثلت لأول مرة قبل الثورة الفرنسية بخمس سنوات فمات امام المسرح من كثرة الازدحام ثلاثة اشخاص!
والقاريء يفهم هذا الازدحام عندما يتذكر ان المسرحية اخذت بالنقد اللاذع كل النظم الاجتماعية والعدلية والسياسية القائمة وان " فيقارو " - وهو خادم عند بعض النبلاء - يظهر من الوقاحة امام سيد ، ما لم يستطع احد قبل بومارشي " ان يجاهر به من طريق الكتابة او التمثيل . وانتصار "فيقارو" على سيده في المسرحية انما هو تنبؤ بما سيكون بعد سنوات من انتصار الشعب على طبقة الخواص
وانتصرت "البورجوازية" اثر الثورة الفرنسية وهى الى اليوم مالكة لزمام الحكم ولاسباب الثروة فى فرنسا . ولم يعد يعجب هذه الطبقة وهى الراضية المرضية - ان يتحدث الناس والعمال خاصة عن افكار الحرية والمساواة وحقوق الانسان وما اشبه هذا بل اصبح يعجبها ان يكون الادب والانتاج الفكرى - مهما اختلفت مظاهركا ومهما تنوعت - خاصا بنخبة محدودة وكما ان مسرحيات "كرناي" " وراسين " كانت للهو النبلاء وحاشية الملوك كذلك اصبح ما يسمى "الفن للفن" الادب الرمزي والادب المغلق " مقصورا على البورجوازية وعلى امتاعها حتى فى شكل النقمة عليها .
ونحن؟ كيف يمكن ان يكون ادبنا ؟ نحن امة مقبلة على نهضتها فى الميادين الاجتماعية والثقافية والسياسية وتريد
ان تتحرر من قيود الاستعمار والاستغلال الراسمالي وتثبت مكانها تحت نور الشمس ونحن امة - وهذا يجب ان يقال - ينقصها كثير من الوعى والادراك الواضح فى كل ما هى مقبلة عليه .
ونحن امه امامها مشاكل جسيمه متقادمه العهد حتى كادت تخنق انفاس الحياة فيها .
ونحن امة متاخرة عن قافلة الامم من وجوه عديدة فلابد لها من ان تجتهد وتجتهد لتتدارك ما فات
وبعد هذا فكيف يمكن ان يكون الادب عندنا جاهليا او امويا او عباسيا ؟ وكيف يمكن ان يكون الادب رمزيا او ان نستسلم الى ما يسمى الفن للفن والى الادب الذى هو تعبير عن نوع من الجمال لا يدركه الا القليل ؛ وكيف يمكن ان ناتى الى طور من اطوار الادب الفرنسى - الى طور هو متاخر وناشئ عن اخرى سابقة - ونقلده تقليدا لا لشئ الا ان طبقة من الناس فى فرنسا وغيره نموذجه وترفعه وهو تغليط وخداء؟ وعلى سبيل المثال فليتخيل القارئ اديبا عندنا يشتغل بالرموز ويعبد " الجمال للجمال " فى وقت ان الناس تموت جوعا وان آلافا من الاطفال تجوب الشوارع يأكلها الوسخ والجوع والمرض
والحقيقة فى آخر الامر انا بين اثنتين : اما ان يكون الادب متصلا بحركة التحرير القومية فيقصد هو نفسه الى تحرير العقول والعقائد والاراء . ويرمى الى مقاومة الجهل والظلم وكل ما داخلا الفساد والى اصلاح كل ما يستوجب الاصلاح والتعديل ويعطى فكرة مثالية عن كل ما يكون قد اخذه بالنقد . ويكون الادب فى هذه الاونة قد استمد معناه ومادته واسلوبه من حياتنا القومية ، على انه ينبغى ان لا نغفل انا امة بين الامم وبشر من جملة البشر ، فلا بد من ان تربط حياتنا الفكرية بيننا وبين افراد العائلة البشر الكبيرة من حيث المشاكل المشتركة والمثل المشتركة .
واما ان يبقى الادب غرغرة وجعجعة بليدة فمن راجع الى الاشكال التقليدية ينكمش عليها ومن دجال يستعمل ما حصل من معرفة الماضى لصالحه الشخصى ومن واهم يعتقد ان الادب انصراف عن الحياة وعبادة واى عبادة ؟ للجمال ومن مجتهد يحدثنا عن ضروب من الشذوذ والتخيلات الغريبة او يتخمر باوهام و"انكشافات " وبما يعرض له فى ايامه من تجارب محدودة هزيلة ومن صاحب دعوى يتعمد الغموض والتعقيد والرموز المغلقة وهو يعتقد انه في ذلك عميق نحن بين هذا الفراغ والموت الفكرى وبين تلك الطريق التى هى فيما نظن طريق الحياة وما ينيرها ويجعلها جديرة بان يحياها الانسان
