الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

بحوث ادبية , خواطر في الادب العربى، ( من الماضي الى الحاضر )

Share

يقرأ القارئ شيئا من الادب نثرا وشعراء وينظر فى تاريخ حياة الأدباء ، او يسمع بعض الحديث عنهم ، ولا شك انه في حين من الاحيان يتساءل عن معنى الادب في نثره وشعره ، وعما عسى ان يكون فيه من الفائدة ، والواقع أنا نقف من الادب ومظاهره واصحابه مواقف مختلفة حسب المحترف والبيئة والطبقة وحسب ما نفهم منه

فمن ناس يذهبون الى ان الحياة انما هى حياة كل يوم بما فيها من نشاط وكد ، ونجاح واخفاق ، وزيادة فى الثروة او نقص . فالاصل فى الحياة عند هؤلاء انما هو العمل الايجابى الذى يرمى الى اصلاح الحال وكسب الرزق ، وهو اختراع الوسائل لذلك . واذن فلا يكون الادب - وعالمه ، حسبما يظنون . عالم العاطفة والخيال والتفكير المجرد البعيد عن الواقع المادى - الا متخيلات جوفاء واحلاما قد تبهر العقول البسيطة الساذجة باسلوبها الجذاب وضرب من السحر فيها ، ولكنها لا تنتهى فى آخر الامر الى نتيجة محسوسة ، فلا جدوى لها ولا طائل ، ويتأكد اعتقاد هذا الصنف من الناس خاصة اذا كان الادب قديما فى اساليبه ومواضيعه ، وهؤلاء هم المعرضون عن الادب .

وآخرون يجدون فيه ملهاة كما قيل وتسلية ، فالادب عند هؤلاء شعر يحدث عن جمال الطبيعة او جمال المراه ، او عن فضائل اشخاص وهول احداث ... وهذا الشعر يترنم به صاحب هذا الراى ، ويرى من الطبيعى ان يتغني بالبيت منه لمكان الوزن والقافية ، وقد يوافق فى نفس ذلك الرجل حاجة الى التعبير عن جمال الحياة غامضة ، فيتسلى به ويطرب كما يتسلى المستمع الى اغنية جميلة وكما يطرب لها .

والادب عند هذا الصنف من الناس ، وباعتباره ملهاة ، هو ايضا قصص واخبار تصلح للسمر والتندر فى الاندية والمجالس وقد تدور هذه القصص وهذه الاخبار حول ابطال من التاريخ ، او هم خرجوا من التاريخ الى الاساطير

والخرافات . فهذا يستفيد من تلك الاخبار حكمة ، وذاك عبرة وموعظة ، والآخر نادرة طريقة او لطيفة عجيبة ، فيخيل لصاحب هذا الظن ان فائدة الادب قد حصلت بحصول النادرة والحكمة واللطيفة ، وليس يهمه ان يكون كل ذلك من التاريخ او مما يسمى تاريخا او من الاساطير والخرافات الوهمية ، بل يسمعها ويستظرفها وقد يكبرها ويعتبر بها حينا ، ثم ينصرف بعد ذلك الى حياته العادية ومشاغلها ، وهو راض عن نفسه مسرور بادبه وتأدبه .

وان كان السابقون من المعرضين عن الادب ، وممن يضعونه وراء ظهورهم فهؤلاء لا يسمحون له من التاثير والخطورة الا بما يكون للاغنية البسيطة وللخبر الظريف وللحكمة السائرة .

وعلى ان فينا من يتظاهرون باكبار الادب واجلالة ، ويملؤون افواههم باقواله ويتجملون بكلماته ولا يدعون فرصة لذكر اسم هذا الشاعر او ذاك الكاتب وهم يبتغون بذلك تعظيم العوام والسذج ، ولسنا نريد ان نقول شيئا عن هذه المغالطة سوى ان الشاهد منها على نفسها وانه لن يدوم لها عهد .

وكذلك من الناس من يبدي اهتماما آخر للادب ، قالواحد من هؤلاء لا ينفك ساخطا على الادب واصحابه ولا يزال يرى فيه مدعاة الى الخلاعة والمجون وفساد العقيدة والاخلاق وعاملا على افساد المجتمع والنظام القائم وهؤلاء ينفرون من الادب وينفرون عنه ويلصقون به خبث إبليس وحيل الشياطين .

ثم من الناس من بتعصب للادب القديم فى اساليبه ومعانيه ومنهم من يسخط على القديم ويعلن انتصاره للمآثر الحديثة ، وللانتاج المعاصر . ولا شك انه جاءت فى المجلات وكتب النقد والتاريخ مقالات طويلة وبحوث واسعة تريد ان تحدد معنى الادب واتجاهاته واشكاله واساليبه ، وها نحن ايضا نريد ان نتحدث فى نفس الموضوع على انا نسرع لنقول إنا لسنا نطمع فى ان يكون هذا البحث فاصلا للمشكلة ، وقد اضطربت وتعددت نزعاتها وفرقها .

وابعد ما يبلغ بنا الامل هو ان نبين جملة من افكار باقية يثبتها تاريخ الثقافة الاسلامية ، فاذا انتهينا من ذلك وفهمنا معنى الادب وتطور ذلك المعنى عند العرب وفى الاسلام عامة ، حاولنا ان نبين ما ينبغى ان يكون للادب عندنا من الوظيفة ، وما

ينبغي ان لا يكون ، وحاولنا ايضا ان نشير الى الاتجاهات التى يجب ان يسير نحوها الاديب ، والى المناهج الغالطة او المغلقة التى يجب ان يحذرها ويبتعد عنها ويخرج منها ان هو قد وقع فيها .

ما هو الادب ؟ وكيف نشأ وما كانت اطواره ؟ والى اى شىء وصل فى الاسلام ؟

تبين لنا كتب اللغة ان لفظة الادب تدل على جملة من القواعد يتبعها الرجل في حياته وينقاد لها ويحاول جهده ان يسير عليها .

وهكذا يقال " ادب القاضى " و " ادب المتعلم " و " ادب المعلم " و " ادب الكاتب " فالمتأدب هو الذى يشعر بما يجب ان يكون منه وان يعمله فى هذا المقام او ذاك .

فادب القاضي مثلا هو ان يكون الرجل به ورعا محبا للعدل خائفا من الباطل والظلم متواضعا نزيها . وفي هذا المعنى تحدث الغزالي عن ادب المعلم والمتعلم بانه اخلاص وصدق وحب للحق من ناحية وطاعة واحترام واقبال من ناحية اخرى .

وتحدث ابن قتيبة عن ادب الكاتب وهو الرجل الذى كان يتخذه الخليفة فى ديوان المال او البريد او الرسائل وهو اشبه شىء بالوزير والكاتب عند ابن قتيبة رجل مطلع على اخبار العرب وايامهم وانسابهم حافظ لاشعارهم وخطبهم وهو ايضا رجل يعرف كيف يجب ان يساير الملوك ويخدمهم ويجالسهم .

فلفظ " الادب " يحتوي في معناه اللغوي على شيئين : الاول هو هذه المعرفة بكلام العرب واخبارهم والثانى هو هذا الشعور بواجب اللياقة وبمقتضيات المنزلة الاجتماعية والسياسية .

فان كان معنى هذا اللفظ كما وصفنا فهل كان كذلك منذ عرف فى الكلام ؟ ثم متى استحدثت واحتاج الناس الى استعماله ؟

الحق ان لفظ " الادب " لم يكن معروفا فى الجاهلية ولا يمكن تحديد زمن معين لظهوره ، واغلب الظن واكثر ما يمكن ان يقال هو انه اصبح

متداولا على الالسن فى اول العصر الاموى وفى بلاط الخلفاء وعند طبقة الخاصة .

وذلك ان الامويين عندما تم لهم السلطان واخذت دولتهم تتسع وتنتظم ، وعندما انتقلت الخلافة بهم من شكل الشورى والوصاية الى النظام الملكى الوراثى احتاجوا الى الاهتمام بشيئين كان لهما كبير الاثر فى موضوع حديثنا .

الاول هو ان الخليفة الاموي اصبح - في النظام الوراثى الجديد - يعنى بتربية ولي عهدة وسائر ابنائه وبتربية ولى العهد خاصة ليجعله جديرا بمنصب الخلافة اهلا له . فكان يتخذ لذلك المؤدبين يعلمون ابناءه ، بل يؤدبونهم . واذا علمنا ان دولة بنى امية دولة عربية فانا نتصور الاشياء التى يتلقنها ابناء الخلفاء : الدين بحفظ القرءان وشرح الحديث ثم اخبار العرب وشعرهم وخطبهم .

اذن يمكننا ان نقول ان الادب في اول نشأته كان تربية وتعليما . والغاية منهما ان يكون الناشىء عارفا لاصول الدين متقنا لفصيح الكلام . حافظا لجيد الشعر بصيرا باخبار القبائل . وعند ذلك يقال ان فلانا اديب او ذو ادب سيما اذا كان من حين لاخر يقرض ابياتا او ينظم قصيدة او يعجب بفصاحة خطيب وواعظ او كان يشجع الشعراء بالصلة والتقريب .

واما الشيء الثاني الذي احتاج الامويون الى الاهتمام به فهو تنظيم الدواوين وهى مصالح الدولة كبيت المال وديوان الرسائل او البريد او السكة . فكان لابد لهم ان يتخذوا لادارتها رجالا لهم شىء من الكفاءة والخبرة . وهكذا ظهر الكتاب الذين يحدثنا عنهم ابن قتيبة . ولم تكن ثقافة هؤلاء الكتاب تختلف كثيرا عن التى وصفناها فى شان المؤدبين وليس الا ان تكون اوسع واعم واجود ، واشهر مثال لذلك هو عبد الحميد الكاتب ، وعلى ان ابن المقفع يمتاز عليه بثقافة فارسية هندية فهو شخصية على حدة .

وفي هذه المرحلة الثانية فان معنى لفظ الادب اتسع شيئا قليلا اذ اصبح يحتوي على معرفة اصول الدين والاخبار والانساب والاشعار والخطب واطلاع على سير الملوك القدماء في بلاد الروم وفارس والهند .

وليس يمكن حتى الآن ان نعتبر الادب - ان يكن حفظا للشعر والاخبار او معرفة لاصول الدين والسير - ليس يمكن ان نعتبر شيئا من هذا فنا بل كل ذلك

تربية وتعليم وتحصيل خبرة واطلاع حتى يتاهل صاحب الادب لتسيير شؤون دولة او ديوان .

هذا هو المعنى الذي نجده للفظ الادب طيلة العصر الاموي وحتى الى اوائل العصر العباسى . الا انه حدث فى اثناء ذلك ما سيغير من محتواه ومن مظاهره .

ذلك ان الفتوحات قد اتسعت كثيرا ودخلت فى الاسلام شعوب عديدة فاختلطت بالعرب وتأثر هؤلاء بثقافتهم وعاداتهم وحضارتهم .

واذ كانت الدولة العباسية قد نشأت عن ثورة خراسانية فان المجتمع العباسى سيتأثر بالتقاليد الفارسية الى حد بعيد . ثم ان الطبقة المتأدبة من المسلمين قد اكتشفت - بدخول الروم والشام فى الملة - الحضارة اليونانية القديمة والمستحدثة وتنبهت الى كنوزها الفكرية فكان ما هو معروف من حركة الترجمة والنقل وهكذا دخلت فى الحياة الفكرية الاسلامية علوم جديدة كالطب والرياضيات والفلسفة ومسائلها المنطقية والالالهية وكل هذه عوامل خارجية اثرت فى تطور مستوى الادب .

وهناك اخرى داخلية ستعمل فى ذلك عملها ايضا وهى التى ظهرت بانتشار الفرق الدينية في المجتمع الاسلامى الذى لم يلبث ان اصبح يشتمل على نزعات الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة بجانب المذاهب السنية ثم على حركات الزندقة والشعوبية . ولاشك ان العناصر العجمية واساليب الجدل المنطقى وفلسفة اليونان قد اعانت كثيرا على تشعب تلك الفرق والنزعات .

وهكذا فانه لم يعد في الامكان ان يقتصر الادب على محتواه الاول الذى رايناه عند المتادب من اولاد الخلفاء والامراء وذوى المنزلة وعند الكتاب فى الدواوين اذ قد انفتحت امام العقول افكار جديدة وآفاق جديدة ، خصوصا ان الكتب كثرت شيئا فشيئا وراجت سوقها .

وبالاحري فانه لم يعد فى الامكان ايضا ان يقتصر الادب على ذلك المحتوى العربي الأعرابي ، ويكفينا دليلا على ذلك ما كان من ثورة بشار وابى نواس على الشعر القديم والاشكال القديمة ، فلابد من ان يكون للادب معنى جديد ، او قل معني اوسع من الاول والثاني .

وهذا هو ما يشعرنا به ابن خلدون عندما يقول مرة : " الادب هو الاجادة في فنى المنظوم والمنثور ، وتتم هذه الاجادة بحفظ شعر عالي الطبقة وبحفظ النثر المسجوع والمنطلق ، وبذكر بعض ايام العرب والمهم من أنسابهم ، مع استخلاص قوانين اللغة من كل ذلك . ولكن ابن خلدون شعر بان هذا التعريف للادب ولخصال المتأدب قد يوافق ما كان يفهم منه فى العصر الاموى ، واما فى العهد العباسى فان هذا الفهم عاد ناقصا فيزيد على قوله الاول : " الادب هو حفظ اشعار العرب واخبارها . . والاخذ من كل علم بطرف "

ثم يعين للادب اصولا واركانا ، بل كتبا امهات وهى : " ادب الكاتب " لابن قتيبة و " كتاب الكامل " للمبرد و " البيان والتبيين " للجاحظ و " كتاب النوادر " لابى على القالي ، هذا ما رواه عن مشيخته الا انه يزيد عليهم كتابا يفضله على كل ما سبق وهو كتاب " الاغاني " .

وقد اتضح لنا الآن ان الادب فى الاسلام كان يفهم منه تربية وتعليما بحفظ اشعار العرب واخبارهم ثم اصبح يفهم منه ، عندما رقت الاذواق والعوائد وابتعدت عن خشونتها الجاهلية ، اجادة في فنى المنظوم والمنثور ويمكن ان يعتبر هذا الطور انتقاليا ورابطا ، ثم صار الادب فى آخر الامر اجادة فى فنى المنظوم والمنثور مع ثقافة علمية متنوعة عامة تختلف باختلاف الشخص واجتهاده .

وقد ترك لنا اجتهاد المتأدبين مئاثر من الشعر والنثر وانتج شخصيات متميزة ظاهرة على عامتهم بما كان لها من الشهرة ومن الصدى في المجتمع العربي والاسلامتى ولعل الباحث يقف على فائدة ويجد ما يعينه على إيضاح مشكلة معني الادب ووضعيته ، اذا نظر فى نفسية الشعراء والكتاب وحاول ان يعرف كيف كانوا ينظرون الى انفسهم ويفهم ما كانت غاياتهم من نظم القصائد وتحبير الورق فى الجاهلية ثم فى مختلف عصور الاسلام .

يمكننا بدون ان نطيل كثيرا ان نحدد للشعراء الجاهليين اتجاهات ثلاثة : فمنهم من كان يمت بصلة متينة بالحياة الاجتماعية فى ذلك العصر حياة القبائل المتنازعة فى صحراء الجزيرة وقراها . وهؤلاء هم الذين نقرأ لهم شعر الحماسة

والفخر والهجاء . وان لم يخل واحد منهم من ان تكلم بالمدح للاكتساب فقد كانوا على كل حال يشعرون بمنزلتهم الممتازة بين قومهم ، وهى على قدر بلاغة شعرهم ، بحيث ان الشاعر الجاهلى الذى ينبغ فى قومه كان لسان قبيلته يشيد بذكرها ويتحدث عن مجدها وعزها وكرمها وشجاعة ابطالها فى الغارات والحروب فكان هذا الصنف من شعراء الجاهلية عاملا من عوامل التنافس والتناحر بين القبائل ونتيجة في نفس الوقت لذلك التنافس والتناحر .

ثم ان من الجاهليين من بقى شعرهم يقص علينا خبر تجاربهم الشخصية فى الحياة والأمثلة لذلك كثرة متنوعة فهذا امرؤ القيس يتحدث عن نفسه وهو الامير المخلوع وعن مغامراته مع النساء ، وهذا لبيد وكان من الاشراف يحدثنا عن كرمه ومنزلته الشريفة وهذا عنترة الذى فاز بتقدير ذويه وقومه بفضل فروسيته فيتغني بافعاله في غير تحفظ وهذا طرفة وكان الفتى الغنى يقصر شعره على وصف حياة الفتيان اترابه بما فيها من لهو وكرم ونجدة ، وكان زهير اجدرهم بالتقدير اذ رأى الفتن والحروب فاشية فى حياة العرب تكاد تفنى جنسهم فاذا به حكيم رصين يدعو الى السلم والكف عن سفك الدماء .

كل هؤلاء جاء شعرهم يعبر عن تجربة شخصية وعن عواطف وافكار وملاحظات شخصية وان كانت ناتجة عن الحياة القبلية .

ولكن هذين الصنفين من شعراء الجاهلية لم يخل ان يكون كل واحد منهم سيد قبيلته او اميرا او غنيا ولم يكن فى جزيرة العرب كل الناس اغنياء ولا امراء ولا اشرافا ، بل كانت عامة العرب فقراء وابن خلدون يحدثنا انهم كانوا فى سنى الجدب والقحط ، وهى الغالبة على مناخهم الصحراوى ، يأكلون العقارب والخنافس والحيات ووبر الابل وقطع الجلود ، وهذا يكفى لنتصور ما كان فى تلك العصور المجهولة من الفقر والبؤس ولنفهم نشأة صنف ثالث من شعراء الجاهلية هم الذين نعرفهم بلقب " الصعاليك " والخاطر ينزع الى ان يقابلهم بمن تقدم من الامراء والاغنياء والاشراف . واشهر ممثلى هذا الصنف الثالث هم الشنفرى واصحابه من ناحية وعروة ابن الورد من ناحية اخرى .

الشنفرى هو الاعرابى الذي ثار على قومه لما ذاق من ظلمهم ومقتهم وهو

الرجل الذي ايقن ان الانسان ذئب للانسان فاختار ان يعيش لا بين بني جنسه بل بين الذئاب يتخذ منهم اصدقاء ورفاقا ولم نجد مثالا اروع من هذا الرجل الذى بلغ بثورته على البشر وظلمهم وعسفهم ان عاداهم ونصب لهم الحرب واختار ان يكون من صف السباع . ولم يكن الشنفرى يعتبر نفسه شاعر قومه ولا شيئا من هذا . ولكن شعره كان اعلان حرب عليهم وعلى الناس اجمعين لانه اراد ان يحيا ولا يموت جوعا وان لا يبقى ضحية الظلم بدون رد . واخباره مع اخبار تأبط شرا والسليك تفيد انهم كانوا يتعمدون الشر ولا يريدون الخير لاحد ولايرحمون الشيخ ولا الطفل وقد اهدى تابط شرا الى امه جرابا من الافاعى !

واما عروة ابن الورد فهو ايضا الصعلوك الثائر الناهب في غاراته ولكن بقدر ما كانت اعمال الشنفرى واصحابه فردية شريرة مجرمة بقدر ما كان عروة نبيلا كريما وكان يكنى " ابا نجدة " . نعم كان عروة يغير على الاغنياء ولكن على الاشحاء منهم الذين لا يجودون ولا يطعمون الجائع ، وكان يسلب وينهب ليقسم غنيمته بين الجائعين والفقراء المدقعين الذين يكاد يقتلهم البرد والجوع والعرى ، كان عروة يخاطر بحياته ويقسم قسمة عادلة كل ما وقع بيده ولا يبقى لنفسه الاقدر ما يصيب اخوانه الجائعون .

وشعره ؟ لم يكن مدحا ولا هجاء ولا نسيبا ولا لهوا على ما نعرفه بل كان عروة بن الورد يعتبر شعره لسان حال الفقراء الثائرين وكان لفخره بشجاعته وفروسيته لون خاص ومعنى خاص اذ كان فى سبيل الاغاثة والنجدة والاصلاح .

هذه هى اهم الاتجاهات التى نجدها فى الادب الجاهلى فمن الشعراء من كانوا يخوضون حياة البداوة يتعصبون لقضايا قبائلهم ومنهم من كان يشذ عن المجتمع ويثور على نظام القاسى الشديد اما ثورة فردية واما ثورة تريد اصلاح حال طبقة من الناس ومنهم اخيرا من ترك جانبا هذه الاعتبارات او هو لم يعرها قيمة كبيرة فكان يرى الدنيا والحياة من خلال تجاربه الخاصة وميوله الشخصية .

ثم جاء الاسلام وعهد الخافاء الراشدين والعصر الاموي ويمكننا ان نقول من الان بدون ان نعمل الى مراجعة الشعراء وكل من املوا كلام العرب فى هذه المدة ان الشعر لم يتغير في جوهره واشكاله وانما بقى الهجاء هجاء بنفس المعاني وبقى

المدح مدحا على ان زيدت التقوى وزيد النسب الهاشمى على فضائل الممدوح التقليدية وكذلك بقى الفخر شبيها بما كان منه فى الجاهلية شبه الاخ بالاخ وليس الا ان الشاعر اصبح يتعصب لحزب سياسي ولفرقة دينية بعد ان كان يتعصب لقبيلته وكان ذلك شان حسان بن ثابت مع النبى وشان الفرزدق مع العلويين وشان الاخطل وجرير مع بني امية والحجاج . وكلهم كان متكسبا مداحا الا ان منهم ، مثل ما كان الامر فى الجاهلية ، من اعرض عن السياسة والنزاع حول الخلافة والمذاهب واقبل يحدثنا عن مغامراته وتجارية الشخصية ، كعمر بن ابى ربيعة في تغزله وكجميل والاحوص وكثير وغير هؤلاء

والحطيئة فى الاسلام ؟ أليس يمكن ان نعتبره اخير الشعراء الصعاليك ؟ وقد كان هجاء شريرا فى كلامه مثل ما كان الشنفرى واصحابه فى القول والعمل ولا شك انه كان لسان حال طبقة معينة من الناس ، كان يجرؤ على المجاهرة بما لم يكن يستطيع قوله كل من كان فى داره اطفال " زغب الحواصل " ، وهكذا فان الشعر كله تقريبا كان فى الجاهلية والقرن الاول الاسلامى مظهرا حيا من مظاهر الحياة الاجتماعية لانه كان تمجيدا لقبيلة وسط تناحر القبائل او تعزيزا لجانب حزب سياسي بين تنافس الاحزاب او تعبيرا عن ثورة طبقة الفقراء والجائعين فكلام الشاعر القبلى او الحزبى كان يوافق وترا حساسا فى نفوس اهل قبيلته واعضاء حزبه وكلام عروة ابن الورد كان بردا وسلاما على قلوب البؤساء لانه يعبر عن اهم مشاغلهم . وبالاجمال اذا استثنينا ما كان من الادب حديثا عن المغامرات الشخصية ، - مهما كانت منزلة صاحبها ومهما كان نوعها - فان الادب كان الى ذلك العصر حيا له صلة متينة بحياة الناس وبما كان يشغلهم ويحرك عواطفهم واهواءهم .

والمتأدب الذي يحفظ الشعر وما حوله من الاخبار والكاتب الذي يطلع على المعلقات وعلى ايام العرب وانسابهم انما كان هذا وذاك يتمكنان بذلك الحفظ وبذلك الاطلاع من فهم حياة العرب واسباب نزاعهم وحروبهم وتمردهم واختلافاتهم السياسية والدينية .

ثم جاء التيار العباسى وجرف النظام الاموي وزال النفود العربى فحل محله النفوذ الفارسي واستطاع بشار ان يتعصب له وامكن لابى نواس ان يقول : " ليس الاعاريب عند الله من احد " الا ان الشعراء ، رغم هذه الظواهر ، لم يختلفوا كل

الاختلاف عمن سبقهم وليس الا ان جاءت ماثرهم فى أساليب واشكال موافقة لذوق العصر الرقيق ولمستواه الفكرى وقد نضج برواج العلوم الجديدة .

فقد بقي المدح والرثاء والهجاءو والفخر ولم ينفك الشعراء يتكسبون ولكنهم كانوا يلازمون قصور الخلفاء والامراء وذوى المكانة والثروة وكانوا يتكلمون بما تحب طبقة الخواص من اللذائذ واسباب المتعة واصبح اغلب الشعر شعر بلاط وشعر لهو واحسن مثال لذلك هو ابو نواس وقابلة ابو العتاهية فى شىء من زهدياته بان نطق لسانه بحال الفقراء والبؤساء فى ذلك العصر " الذهبى " فكان بذلك وارث تقاليد عروة ابن الورد .

ولكن شخصا واحدا ظهر بينهم جميعا وهو الذي تمثلت في تلك المحتويات التي وجدناها للفظ " الادب " فى العهد العباسى وهذا الشخص هو الجاحظ الذي كان يعلم ان الادب هو حفظ اشعار العرب وكلامهم واخبارهم وانه ايضا " الاخذ من كل علم بطرف "

الجاحظ هو الذي كان يعرف نفسه اديبا واعيا بمسؤوليته كاديب وكاتب فقصر حياته على المطالعة والاسفار في سبيل المعرفة والتأليف وهو الذى صان الادب " عن التبذل ورفعه عن التكسب " حتى انه لم يقبل ان يكون كاتبا فى ديوان مثل عبد الحميد وغيره بل كان يعتبر ان الاديب ينبغي ان يكون حرا

والجاحظ هو الذي " احب الادب خالص المحبة " ليأخذ منه " خالص الحكمة " وخرج به عن نطاق القبيلة والحزب والمذهب والفرقة وسما به الى درجة بشرية لا تعرف حدا الا حد العقل وما يقبله ولا تخضع لتقليد الا فى اقتفاء اثر من اصاب واجاد من المتقدمين ولا تريد غاية الا تعميم المعرفة ومكافحة الجهل ومناصرة الحق والتقدم المستمر بثروة البشر الفكرية . وهكذا فانه كان احد زعماء حركة فكرية وثقافية حية تقدمية فى العصر العباسى وهي حركة المعتزلة

ولم يكن الجاحظ يفهم من الادب ملهاة وتسلية وسيا للضحك و الاضحاك وانما كان يفهم منه عملا جديا يوجب على صاحبه سعة الاطلاع وحب التعليم واعمال الراي فيما يعلم ويفرض عليه ان يقصد الى نشر العلم والتقدم به وان يرمي الى الاصلاح الاجتماعى اصلاح طباع الناس ورفع الجهل عنهم وانارة عقولها حتى يصيروا رشدا في كل ما يتصل بدينهم ودنياهم وان عمد الى الهزل فى ذلك

فليس الا لتجديد نشاط القارىء وامتلاك انتباههه وما يضرنا ان وافق المزح والضحك طبع الرجل ومزاجه والظلم كل الظلم فيما ذهب اليه بعضهم فقال ان خلود الجاحظ انما هو بفضل اسلوبه فى الكتابة فقط .

وصل ابو عثمان فيما نعتقد الى اسمى الدرجات في فهم الادب والوعى بخطورته والعمل بمقتضياته ووجد فى اسلوبه البديع كبير الاعانة على تأدية رسالة الادب ولكن تطور الاحوال السياسية الى الانحلال لم يسمح للجاحظ بان يكون له تلاميذ واتباع وبان يكون هو رئيس مدرسة فكرية بحيث ان الادب سيأخذه من بعده خناق مميث اذ لسنا نجد من بعد الجاحظ الا ذلك النوع من الشعر الذي قلنا عنه انه يحدثنا عن حياة شخصية وعن شعور وتجارب شخصية والذى ليس له بالمجتمع الا صلة سلبية كابن الرومي الذي كان متشائما بالناس والحياة شديد الطيرة فاعرض عن الدنيا واقبل على الطبيعة يصف بدائعها ويعطيها صبغة احلامه وكاببى فراس الذى قلد الشعر الجاهلى اولا ثم وقع فى الامر فانقلب شعرا الى تعبير عن المه واساه ومهما يكن شعره رقيقا عاطفيا فهو صدى مصائبه الشخصية والمتنبى الذى كان يرى نفسه نبيا وفوق النبى فحاول ان يدعو العرب الى استرجاع عزهم تحت رايته الخاصة واخفق فتعلق بركاب سيف الدولة يمدحه بملاحمه مكتسبا ثم مدح من بعده كافورا .

واما النثر الادبى فليس الا ان نذكر مقامات الهمذانى وهى تصوير نقدي لاحوال مجتمع كانت فيه الحيلة وكان التدجيل من الوسائل العادية لكسب الرزق . ومن هذه الوجهة يمكن ان نعتبر المقامات من المآثر الادبية الحية والخالدة ايضا لان ابا الفتح الاسكندري كان رمزا للمحتالين والدجالين ولمن لم تكن تثقتهم مبادىء الاخلاق والتدين فى عصر بديع الزمان ولكن اساليب تحيلة وتدجيله ما زالت بيننا ولن تزال مهما تغيرت الظواهر ومهما اختلفت العصور .

هذا استعراض سريع كثير الاجمال لما نجده فى تاريخ الثقافة الاسلامية لمعنى لفظ الادب ولما كان يحتوى عليه ويفهم منه ولم يكن بد من هذه المراجعة لان المشكلة بالنسبة الينا هى هذه :

ما هو معنى الادب الذى يصلح بنا ونحن امة لها تراث اسلامى ؟ وهل فى هذا التراث من معنى الادب ومحتوياته ما يمكن ان نعتد به وننتهجه ؛ ام هل نحن فى حاجة الى توجيه جديد وموضوعات واشكال وغايات جديدة باعتبار انه قد ظهر على الحضارة الاسلامية التقليدية حضارات فى اوربا شرقا وغربا لها اداب حية وباعتبار ان الادب العربى القديم اصبح لا يمكن ان يتحدث عنه الابصيغة الماضى ، وانا نريد ان يكون لنا ادب حي ؟                   "يتبع"                                          

اشترك في نشرتنا البريدية