يطلق العرب كلمة " الذكاء " على ما اصطلح الغربيون على تسميته(Intelligence) , والمتتبعون لتاريخ الكلمة الأفرنجية واشتقاقها يعلمون أنها من أصل لا تبغي يدل على الفهم والتميز والاختيار ، وأنها في بعض اللغات الأوربية - كالإنجليزية مثلا - لم تدخل في الاستعمال الأدبى قبل القرن الخامس عشر الميلادي ، وأن العلماء الأوربيين لم يتعرضوا لبحث ظاهرة الذكاء إلا في القرن التاسع عشر . وكان في طليعتهم العالم الانجليزي " سبنسر " والفيلسوف الفرنسي " برجسون " ، على أن بحث هذين العالمين لظاهرة الذكاء إنما جاء تبعا ، وفي سياق بحوثهما الفلسفية . فلما القرن الحاضر تفرغ لهذا البحث علماء مشهورون وألفوا فيه ، وأعدوا له المقاييس وأحكموها ، وأصبحت بحوث الذكاء محور الدراسات النفسانية الحديثة .
أما الذكاء في لغة العرب فأصله " تمام الشئ ، ومنه الذكاء في السن وهو تمام السن ، ومنه الذكاء في الفهم ، وهو أن يكون فهما تاما سريع القبول ، وذكيت النار إذا أتمعت إشعالها . ويقول أبو بكر بن الأنباري : قولهم فلان ذكي معناه كامل الفطنة تامها ، من قول العرب قد ذكت النار تذكو إذا تم وقودها ، ويقال أذكيتها إذا أتممت وقودها ، ويقال مسك ذكي إذا كان تام الطيب نفاذ الريح "
هكذا يتحدث عن اشتقاق الذكاء شيخ الاسلام " أبو الفرج بن الجوزي " في كتابه " الاذ كياء " ، الذي يقول في مقدمته : " ولما كان العقلاء يتفاتون في موهبة
العقل ، ويتباينون في تحصيل ما يتقنه من التجارب والعلم ، أحببت أن أجمع كتابا في أخبار الأذكياء الذين قويت فطنهم وتوقد ذكاؤهم لقوة جوهرية عقولهم ؛ وفي ذلك ثلاثة أغراض : أحدها معرفة أقدارهم بذكر أحوالهم ، والثاني تلقيح ألباب السامعين إذا كان فيهم نوع استعداد لنيل تلك المرتبة ، وقد ثبت أن رؤية العاقل ومخالطته تفيد ذا اللب ، فسماع أخباره يقوم مقام رؤيته . . . والثالث تأديب المعجب برأيه إذا سمع أخبار من تعسر عليه لحاقه " .
وظاهر من هذه المقدمة أن المؤلف وضع أمام عينيه أغراضا ثلاثة في تأليف كتابه : أولها نظري علمي ، يري إلي تحصيل المعرفة ، والبيان عن أقدار الأذكياء ؛ والغرض الثاني بيداجوجي يري إلي تنمية عقل السامع وتربية استعداده ؛ والثالث أخلاقي يتجه إلي التأديب والتهذيب .
وقد قسم المؤلف كتابه إلي ثلاثة وثلاثين بابا ، تناول فيها فضل العقل وماهيته ، وحدد معنى الذهن والفهم والذكاء ، وذكر العلامات التي يستدل بها علي ذكاء الذكي؛ وأورد ما نقل عن السالفين مما يدل على قوة الفطنة ، سواء أ كانوا أنبياء أم صحابة أم خلفاء وسلاطين ووزراء ، أم قضاة وزهادا وفقهاء ، وروي شيئا من الحيل المأثورة عن بعض الأذكياء ، وطرفا خاصة بالعوام وذكائهم ؛ ثم تناول في تسعة أبواب ذكاء بعض الطوائف الخاصة ، كالشعراء والمحاربين والمتطبيين والصبيان والمجانين والنساء ؛ وتكلم في البابين الأخيرين عن ذكاء الحيوان البهيم
فالكتاب كما تري بحث في سيكولوجي الذكاء يتناوله
بالتحديد النظري ، ثم يدرسه في علاماته واثاره ، ثم يتتبع مظاهره في مختلف طوائف الناس والحيوان .
لقد عاش ابن الجوزي في القرن السادس الهجري (٥١٠-٥٩٧) أو الثاني عشر الميلادي( ١١٦-١٢٠٠) . وتذكر كتب التراجم والطبقات أنه كان علامة عصره في الحديث وصناعة الوعظ ، وأنه صنف في فنون كثيرة ، منها التفسير والتاريخ ، وأن مؤلفاته أربث على المائة ، وأنه كانت له في مجالس وعظه أجوبة نادرة ، وكان يجتمع لسماعه في بغداد خلق كثير .
أليس مما يطمئن له قلب الباحث العربي الحديث أن يجد من بين شيوخ الاسلام من أتجه إلى مثل هذا النوع من البحث والتأليف منذ أكثر من سبعة قرون ؟ ! ألا إنه لو عثر على مثل هذا الكتاب بين المؤلفات الأوربية القديمة لجعل له الباحثون مكانا ظاهرا في تاريخ علم النفس , ولاعتبروه من المراجع التي لا بد من دراستها لكل متخصص في هذا الفرع . ولكن سلسلة هذه الدراسات لما تتصل بعد في مصر ، ولا تزال معظم جهودنا موجهة إلى تلمس هذا العلم في مصادره الغربية ، ولا نزال نتعلم عن نشأة هذا العلم منذ عصر الاغريق ، وعن تطوره خلال العصور في أوربا ، أكثر مما نتعلم عن جهود علمائنا فيه ، شيوخا وأدباء وفلاسفة ومتصوفين ؛ ولا يزال المنصفون من علماء الغربيين يسبقوننا إلى عرفان فضل العرب في هذه الدراسات . وأقرب مثال من هذا النوع كتاب الأستاذ " سبيرمان " عن " علم النفس خلال العصور " فإنه يشير في أكثر من موطن إلي أقوال الكندي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من علماء المسلمين .
يفرق ابن الجوزي في صدر كتابه بين الذهن والفهم والذكاء( ولعل هذه تقابل في الاصطلاح الافرنجي Intellect, Understsnding,Intelligenceعلى التعاقب ). فأما
الذهن فهو قوة النفس المهيأة المستعدة لاكتساب الآراء . وأما الفهم فهو جودة التهيؤ لهذه القوة ، وأما الذكاء فهو جوة حدس من هذه القوة تقع في زمان قصير غير ممهل فيعلم الذكي معني القول عند سماعه .
والعلامات التى يستدل بها على عقل العاقل وذكاء الذكي تنقسم - عند المؤلف - قسمين : أحدهما من حيث الصورة ، والثاني من حيث المعنى والأحوال والأفعال .
فأما الأول فقد قال الحكماء : الخلق المعتدل والبنية المتناسبة دليل على قوة العقل وجودة الفطنة ، وإذا غلظت الرقبة دلت على قوة الدماغ ووفوره ، ومن كانت عينه تتحرك بسرعة وحدة فهو مكار محتال لص . . . . .
وإذا كانت العين صغيرة غائرة فصاحبها مكار حسود ، ومن كان نحيف الوجه فهو مهتم بالأمور ، والملطف في النحاف القصار اظهر ، والمعتدلون في الطول صالحو الحال .
وأما القسم الثاني فيستدل على عقل العاقل بسكونه وسكونه وخفض بصره وحركاته في أما كنها اللائقة بها ، ومراقبته للمواقف ، فلا تستفزه شهوة عاجلة عقباها ضرر ، وتراه ينظر في القضاء فيتخير الأعلى والأحمد عاقبة من مطعم ومشرب وملبس وقول وفعل ، ويترك ما يخاف ضرره ، ويستعد لما يجوز وقوعه .
ومن طريف أمر هذا الاتجاه إلي تلمس الخصائص العقليه والخلفية في العلامات الجسيمية الظاهرة ، أن بعض الباحثين الحديثين في أوربا اتجهوا إليه أيضا ، فقسموا الناس إلى قسمين نحيف وسمين ، وقرروا أن لكل منهما مزاجا عقليا خاصا ، وسموا الأول متحفظا ، أو تأمليا ، أو باطني الاتجاه ، أو ذاتيا ؛ وسموا الثاني منبسطا ، أو صريحا ، أو خارجي الاتجاه أو موضوعيا ؛ وتلمسوا الهذين النوعين نماذج في أشخاص الروايات الأدبية القديمة ، كهاملت من ناحية وفولستاف وهنري الثامن من ناحية اخرى في روايات شاكسببير . وقام العالم كرتشمر Kretschmer بدراسات طويلة من هذا النوع ، وصل منها إلى تقسيم الناس من حيث ( اليقية على الصفحة التالية )
صفات أجسامهم أنواعا أربعة رئيسية ، وذكر لكل نوع خصائص عقلية ومزاجية متميزة . وحاول اخرون أن يعقدوا بين وجه الشخص وعقليته صلة . وكذلك دعاهم انتشار المذياع إلى بحث الصلة بين صوت المتكلم وشخصيته .
ومهما تكن نتائج هذه المحاولات فإن العلماء المحققين لا يعتمدون عليها إلا بقدر ، ولا يقبلون منها إلا ما تتوافر الأدلة على اطراده ، ويرون أن السبيل الصحيحة إلى فهم العقل وذكائه لا تكون بالنظر السطحي إلي الجسم وهيئته ، ولكن بالنظر الداخلي إلي العقل ومظاهره ، وما يصدر عنه من قول وعمل . ( للحديث بقية )

