للأسفلت فضل كبير على المدنية لما أداه من خدمة ساعدت على تمهيد الطرق التى لا غنى للسيارات عنها ، حتى تستطيع العدو بأقصى سرعة فى سهولة ورفق يحميها من التهشم ويقيها من الأتربة الشنيعة .
ولعل أول مكان عرف فيه الأسفلت واستخرج منه هو بحيرة الأسفلت بترينيداد الواقعة فى الجزيرة المسماة بهذا الاسم فى الشمال الشرقى من أمريكا الجنوبية ؛ تلك الجزيرة التى حط رحاله عليها خريستوف كلومبس فى صيف سنة ١٤٩٨ . وزارها بعد ذلك بنحو مائة عام العالم والرحالة الانجليزى الشهير السير والتر رالى ، ونزل فى الميناء الذى يسمى هناك " لابرو " ( La Brea ) وهى كلمة أسبانية معناها القطران أو الزفت .
وعلى مقربة من هذا الميناء الصغير ( قرية لابرو ) تقع البحيرة ويصلهما طريق متعرج يرتفع بالتدريج من سطح البحر حتى يصل إلى ارتفاع يبلغ نحو ١٣٠ قدما عند ما ينتهى إلى هذه البحيرة الأسفلتية . وقد قدرت مساحتها تقديرات مختلفة تتراوح بين ١٠٠ و ١٤٨ فدانا .
والقادم على هذه المنطقة من ناحية البحر يراها كأنها صخور سوداء لامعة ، فإذا ما اقترب منها الانسان شم رائحة قوية منفرة أساسها الكبريت ومركباته . وتنتشر هذه الرائحة فى خلال مسافات واسعة تمتد إلى محيط دائرة يبلغ نصف قطرها نحو عشرة أميال .
وفى عام ١٨١١ زار البحيرة الدكتور ناجت ، وكتب عنها عقب زيارته يقول : " صعدنا إلى التل واستخدمنا دليلا من السود قادنا خلال غابة سرنا فيها نحو ثلاثة أرباع الميل ، وعندها شعرنا برائحة الكبريت القوية الممتزجة برائحة الفحم المحترق ، وبعد قليل ظهرت أمامنا
البحيرة كأنها متسع من الماء الراكد تتخلله بقع من شجيرات قصيرة أو جذر من الأعشاب . ولما ازددنا قربا منها تجلت لنا حقيقتها ، فاذا بها سهل متسع مترامى الأطراف ممتلئ بالزفت المعدنى تتخلله شقوق ووهاد غمرها الماء ، وفى البحيرة تظهر بقع تنمو عليها الأعشاب والحشائش الطويلة " .
ومما قيل عن هذه البحيرة أنه مهما كثرت كمية الأسفلت المستخرجة منها ، فانه لا يظهر أى تغير فى مستواها . وهذا القول له نصيب من الصحة ، كما أن فيه بعض الخطأ كذلك ؛ فهو صحيح لأن جوانب البحيرة تهبط ببطء نحو الداخل كلما ازداد السحب من الأسفلت .
وهذا العامل يجعل مستواها يبدو كما لو كان قد ارتفع ولو نسبيا وظاهريا . أما وجه الخطأ فهو أن القياس الدقيق قد أثبت بصفة قاطعة هبوط مستوى البحيرة بمقدار قدم واحد سنويا . وكذلك قد تبين من الاحصاآت التى عملت بين عام ١٨٩٣ وعام ١٩٠٢ أن مقدار الأسفلت الذى استخرج من البحيرة قد بلغ حوالى مليون طن ، وبلغ الهبوط فى مستواها على أثر ذلك نحو ٤/٣ ٤ من الأقدام . أما النقص فى مساحتها فقد قدر بنحو ١٣ فدانا .
وقوام المادة التى تملأ البحيرة من التماسك بحيث يسمح بمرور الانسان على سطحها بكل اطمئنان ؛ ولكن الأقدام تغوص بضع بوصات بمجرد محاولة الشخص الذى يمر فوقها الوقوف بعد المشى . أما الجزء الأوسط منها ( المسمى بأم البحيرة ) فهو على جانب عظيم من الليونة ، بحيث يستحيل المشى عليه .
ومن خصائص هذه البحيرة أن بها حركة دائرية مستديمة يدل عليها ظهور قطع من الخشب على السطح قريبا من الوسط ، ثم تحركها ببطء عظيم لكن باستمرار نحو الجوانب ، حتى إذا ما بلغتها أو اقتربت
منها غاصت إلى الأعماق مختفية . ولعل من المسائل المحيرة بشأن هذه البحيرة ، والتى لا تكاد تصدق ، نمو النبات على الأسفلت الذى لا يستطيع أن يمد النبات بأى غذاء ما . ومع ذلك فان جذور هذه النباتات تمتد إلى عمق شديد ، وتنفذ إلى طبقات سحيقة ، حتى إن بعضها ويبلغ ارتفاعه نحو ٥ أمتار يظل قائما ثابتا على الرغم من شدة الرياح التى تهب هناك . والظاهر أن بعض الحبوب تنبت حيث تتجمع رقع من المادة
النباتية فى الوهاد المنخفضة فى البحيرة التى أشرنا إليها سابقا ؛ وإلى هذه البقع تنفذ بعض الأملاح التى تذوب فى مياهها وتعين على نمو النباتات .
وفى فبراير سنة ١٩٢٨ ظهرت على سطح البحيرة شجرة كاملة ارتفعت إلى علو بلغ نحو ١٠ أقدام فوق السطح ، وبعد ستة أسابيع عادت فاختفت بالتدريج ، على الرغم من قلة كثافتها التى كانت تقضى بأن تظل قائمة فوق
السطح ؛ وهذا يؤيد نمو النبات داخل البحيرة واستمرار الحركة الدائرية التى ذكرناها من قبل .
وقد قام عدد من كبار أساتذة علم النبات بفحص خشب تلك الشجرة ، وانتهوا إلى أنها من فصيلة تشبه الأشجار التى تنمو بتلك المنطقة ؛ وأما ما ظهر عليها من بوادر التفكك أو علامات الانحلال فى الأنسجة ، فقد عللوه بالتعرض مدة طويلة للحرارة التى فى باطن البحيرة ، وكذلك يطول الزمن الذى ظلت فيه مغمورة تحت السطح
وقد حدث أن أنبوبة طولها ١٦٠ قدما دقت لكى تصل إلى قاع البحيرة ، لكنها محاولة فشلت تماما ؛ فما كاد يمضى سنتان على اختفائها تحت السطح حتى ظهرت على بعد ٨٠٠ قدم من السكان الذى دقت فيه ، ظهرت مهشمة الأجزاء بها كثير من الاعوجاج ؛ وهذا يؤيد بالتالى الحركة الدورانية التى أشرنا إليها فيما سبق ، والتى لم نعثر بعد على تفسير مقنع لوجودها .

