الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 126الرجوع إلى "الثقافة"

بحيرة الأسفلت بترينيداد

Share

للأسفلت فضل كبير على المدنية لما أداه من خدمة ساعدت على تمهيد الطرق التى لا غنى للسيارات عنها ، حتى تستطيع العدو بأقصى سرعة فى سهولة ورفق يحميها من التهشم ويقيها من الأتربة الشنيعة .

ولعل أول مكان عرف فيه الأسفلت واستخرج منه هو بحيرة الأسفلت بترينيداد الواقعة فى الجزيرة المسماة بهذا الاسم فى الشمال الشرقى من أمريكا الجنوبية ؛ تلك الجزيرة التى حط رحاله عليها خريستوف كلومبس فى صيف سنة ١٤٩٨ . وزارها بعد ذلك بنحو مائة عام العالم والرحالة الانجليزى الشهير السير والتر رالى ، ونزل فى الميناء الذى يسمى هناك " لابرو " ( La Brea ) وهى كلمة أسبانية معناها القطران أو الزفت .

وعلى مقربة من هذا الميناء الصغير ( قرية لابرو ) تقع البحيرة ويصلهما طريق متعرج يرتفع بالتدريج من سطح البحر حتى يصل إلى ارتفاع يبلغ نحو ١٣٠ قدما عند ما ينتهى إلى هذه البحيرة الأسفلتية . وقد قدرت مساحتها تقديرات مختلفة تتراوح بين ١٠٠ و ١٤٨ فدانا .

والقادم على هذه المنطقة من ناحية البحر يراها كأنها صخور سوداء لامعة ، فإذا ما اقترب منها الانسان شم رائحة قوية منفرة أساسها الكبريت ومركباته . وتنتشر هذه الرائحة فى خلال مسافات واسعة تمتد إلى محيط دائرة يبلغ نصف قطرها نحو عشرة أميال .

وفى عام ١٨١١ زار البحيرة الدكتور ناجت ، وكتب عنها عقب زيارته يقول : " صعدنا إلى التل واستخدمنا دليلا من السود قادنا خلال غابة سرنا فيها نحو ثلاثة أرباع الميل ، وعندها شعرنا برائحة الكبريت القوية الممتزجة برائحة الفحم المحترق ، وبعد قليل ظهرت أمامنا

البحيرة كأنها متسع من الماء الراكد تتخلله بقع من شجيرات قصيرة أو جذر من الأعشاب . ولما ازددنا قربا منها تجلت لنا حقيقتها ، فاذا بها سهل متسع مترامى الأطراف ممتلئ بالزفت المعدنى تتخلله شقوق ووهاد غمرها الماء ، وفى البحيرة تظهر بقع تنمو عليها الأعشاب والحشائش الطويلة " .

ومما قيل عن هذه البحيرة أنه مهما كثرت كمية الأسفلت المستخرجة منها ، فانه لا يظهر أى تغير فى مستواها . وهذا القول له نصيب من الصحة ، كما أن فيه بعض الخطأ كذلك ؛ فهو صحيح لأن جوانب البحيرة تهبط ببطء نحو الداخل كلما ازداد السحب من الأسفلت .

وهذا العامل يجعل مستواها يبدو كما لو كان قد ارتفع ولو نسبيا وظاهريا . أما وجه الخطأ فهو أن القياس الدقيق قد أثبت بصفة قاطعة هبوط مستوى البحيرة بمقدار قدم واحد سنويا . وكذلك قد تبين من الاحصاآت التى عملت بين عام ١٨٩٣ وعام ١٩٠٢ أن مقدار الأسفلت الذى استخرج من البحيرة قد بلغ حوالى مليون طن ، وبلغ الهبوط فى مستواها على أثر ذلك نحو ٤/٣ ٤ من الأقدام . أما النقص فى مساحتها فقد قدر بنحو ١٣ فدانا .

وقوام المادة التى تملأ البحيرة من التماسك بحيث يسمح بمرور الانسان على سطحها بكل اطمئنان ؛ ولكن الأقدام تغوص بضع بوصات بمجرد محاولة الشخص الذى يمر فوقها الوقوف بعد المشى . أما الجزء الأوسط منها ( المسمى بأم البحيرة ) فهو على جانب عظيم من الليونة ، بحيث يستحيل المشى عليه .

ومن خصائص هذه البحيرة أن بها حركة دائرية مستديمة يدل عليها ظهور قطع من الخشب على السطح قريبا من الوسط ، ثم تحركها ببطء عظيم لكن باستمرار نحو الجوانب ، حتى إذا ما بلغتها أو اقتربت

منها غاصت إلى الأعماق مختفية . ولعل من المسائل المحيرة بشأن هذه البحيرة ، والتى لا تكاد تصدق ، نمو النبات على الأسفلت الذى لا يستطيع أن يمد النبات بأى غذاء ما . ومع ذلك فان جذور هذه النباتات تمتد إلى عمق شديد ، وتنفذ إلى طبقات سحيقة ، حتى إن بعضها ويبلغ ارتفاعه نحو ٥ أمتار يظل قائما ثابتا على الرغم من شدة الرياح التى تهب هناك . والظاهر أن بعض الحبوب تنبت حيث تتجمع رقع من المادة

النباتية فى الوهاد المنخفضة فى البحيرة التى أشرنا إليها سابقا ؛ وإلى هذه البقع تنفذ بعض الأملاح التى تذوب فى مياهها وتعين على نمو النباتات .

وفى فبراير سنة ١٩٢٨ ظهرت على سطح البحيرة شجرة كاملة ارتفعت إلى علو بلغ نحو ١٠ أقدام فوق السطح ، وبعد ستة أسابيع عادت فاختفت بالتدريج ، على الرغم من قلة كثافتها التى كانت تقضى بأن تظل قائمة فوق

السطح ؛ وهذا يؤيد نمو النبات داخل البحيرة واستمرار الحركة الدائرية التى ذكرناها من قبل .

وقد قام عدد من كبار أساتذة علم النبات بفحص خشب تلك الشجرة ، وانتهوا إلى أنها من فصيلة تشبه الأشجار التى تنمو بتلك المنطقة ؛ وأما ما ظهر عليها من بوادر التفكك أو علامات الانحلال فى الأنسجة ، فقد عللوه بالتعرض مدة طويلة للحرارة التى فى باطن البحيرة ، وكذلك يطول الزمن الذى ظلت فيه مغمورة تحت السطح

وقد حدث أن أنبوبة طولها ١٦٠ قدما دقت لكى تصل إلى قاع البحيرة ، لكنها محاولة فشلت تماما ؛ فما كاد يمضى سنتان على اختفائها تحت السطح حتى ظهرت على بعد ٨٠٠ قدم من السكان الذى دقت فيه ، ظهرت مهشمة الأجزاء بها كثير من الاعوجاج ؛ وهذا يؤيد بالتالى الحركة الدورانية التى أشرنا إليها فيما سبق ، والتى لم نعثر بعد على تفسير مقنع لوجودها .

اشترك في نشرتنا البريدية