الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الثقافة"

بخلاء الجاحظ، وبخيل " موليير "

Share

لم يبعد الجاحظ في أدبه عن مشاهد الحياة الخاصة فكأنه دخل في " بخلائه " دور طائفة من الناس ، فعاين ماكلهم ومشاربهم وملابسهم ، وخالعلهم في تدبير منازلهم علم بفنه شئ من أساليبهم في الطبخ والأكل واللبس والعلاج والاستصباح والاستحمام وما شابه ذلك ، وكأنه شاهد كيف يتداوون في السعال بماء النخالة ، وكيف يطبخون الشاة فلا يضيعون جزءا من أجزائها ، وكيف يأكلون بالبارجين ، ويقطعون بالسكين ، ويلزمون عند الطعام السكنة ، ويتركون الخوض ، وعرف وجوههم في الكراء والشراء ونحوهما ؛ فكانت المطابخ والموائد والأواني والمواعين مادة أدبه ، علم يتقزز في هذا الأدب من أن يملأ أنفه من روائح اللحم والتوابل والسمن والخل والثوم ، أو من روائح الكباج والطباهج وغير ذلك

وليست هذه الأمور وحدها التي عاينها ولاحظها ، ولكن الاستقصاء في ذكرها أمر عسير ، فالجاحظ قد دخل من كل باب ، وجري مع كل ريح ، ولكنه يدخل من هذه الأبواب كلها إلا ليخرج منها بحجة طريفة ، أو بحيلة لطيفة ، أو بنادرة عجيبة

حاول الجاحظ في بخلائه التغبيه علي عيب مشهور ، وهو البخل ، فبسط لنا نماذج كثيرة من البخلاء ، وبين كيف يأكلون ، وكيف يشربون ، وكيف يلبسون ، وكيف يكنزون ؛ إلي غير ذلك من الصور الظاهرة التي تضحك القارئ قبل كل شيء ، حتى يكاد هذا الاضحاك يصرفه عن معرفة خصائص البخل

وإذا نزعنا إلي الموازنة بين أساليبنا في وصف أمثال هذه العيوب ، وبين أساليب بعض لافرنجة ، تبين لنا أننا نحتفل في أدبنا بالظواهر ، وأنهم لا يكتفون بالظواهر وحدها ، فيتسربون في البواطن

من طبائع يخيل الجاحظ أنه يلاحظ اللقمة مثلا ، فاذا انتخب أكيل هذا البخيل أكلته ، واختار كل منهوم فيه ، ومفنون به ، استلب البخيل من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي ، وانحدار العقاب ؛ فقد صور الجاحظ حركات العين ، كيف تلاحظ اللقمة ، وحركات اليد كيف تستلب هذه اللقمة من الأكيل ، أو كيف تكتفه كنفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا .

هذه صورة ظاهرة تدلنا على نوع واحد من الحركات وهي حركات العين أو اليد أو أمثالهما ، ولكنها هل تدلنا على حركات النفس ، فهل كان يخيل الجاحظ عالميا ، غير خاص ببلد أو بعصر ، وإنما هو بخيل كل العصور وكل البلدان ، قد طبع علي ما يطبع عليه البخيل في أي عصر كان ، وفي أي بلد كان ؟

هذا سؤال يسهل الجواب عنه ، إذا قارنا بين وصفنا لعيوب النفس ، وبين وصف الأفرنجة لهذه العيوب ، وما الغاية الاستقصاء في هذه المقارنة ، وإنما الغاية التنبيه على أمر واحد ، وهو أننا نهتم في معظم أدبنا بالظواهر ، ويهتم الإفرنجة بالبواطن ، وقد نبرع في الاهتمام بهذه الظواهر براعة خاصة ، فإن كل حكاية من حكايات بخلاء الجاحظ قد تكون موضوع رواية في ذهن كاتب من كتاب الإفرنجة ، فقد أتقن التدقيق في ظواهر البخيل ، سواء كان هذا البخيل يطبخ شيئا ، أم يؤجر دارا ، أم يوصي ولدا ، أم يعلم ضيفا ، أم يسرج مصباحا ، ولكنه هل أتقن التدقيق في بواطن البخيل ؟ لا شك في أنه عرف أسرار البخلاء ، وعرف دخائلهم ، ولكنه هل صور حركات هذه الدخائل ؟

إنما لا نعرف هذا كله إلا إذا قابلنا بين بخيل الجاحظ ويخيل كاتب من كتاب الإفرنجة ، كبخيل " موليير " ولكننا في هذه المقابلة لا نلجأ إلي شئ من التوسع .

لقد ثبت " موليير " في بخيله نموذج البخيل الحقيقي فلم تقتصر روايته على تصوير ما يساور صاحب المال من قلق ، ولكنها صورت البخل في كل ما يشتمل عليه من سخرية وكراهية وفظاعة ، فلم يعد بخيل " موليير " البخيل القديم الذي يكنز ذهبه ، وإنما هو بخيل متولر ، يقرض ماله ، ويفرط في الربا ، فهو مرب عصري يثمر ماله حتى يكاد حب الريح بنسبه واجب الأدب !

أما الجاحظ فلم يظهر في " بخلائه " أكثر السخرية والكراهية والفظاعة ، ومعنى هذا أنه لم يصور البخلاء في صور تجعلهم ضحكة للناس ، أو في صور تبغضهم إلي الناس ، أو في صور يستفظعهم فيها الناس ، فقد كان همه الإضحاك قبل كل شئ ، حتى إنه اعترف للقاريء بأن كتابه لا يصور له كل شئ ، ولا يأتي له على كنهه وعلي حدوده وعلي حقائقه ، فكان يحكي بعض الحكايات ويود لو أن القارئ رأي الحكاية بعينه ، لأن بعض هذه الحكايات لا تطيب جدا إلا إذا رآها بعينه ، فلم يكن بخيله عالميا ، أي بخيل كل العصور وكل البلدان ، فقد أهمل تصور قلق البخيل وتصوير ما يولده في الناس من سخرية وكراهية وفظاعه ، فإذا كنا نضحك من بخلاء الجاحظ فالذي يضحكنا ظاهر البخيل ذاته لا صورة البخيل ، ولا حركات نفسه

وإذا أردت أن تعرف صورة البخيل الحقيقي ، بخيل كل العصور وكل البلدان ، فانظر إلي بخيل موليير فهو لا يريد أن يري خادم ابنه منصوبا في داره كالرمح ، يلاحظ ما يقع في هذه الدار ، وهو لا يريد أن يري أمامه جاسوسا تلاحظ عيناه الملعونتان أعماله وتأخذان ما يملكه وتدوران في كل جهة لعلهما تريان شيئا يمكن استلابه

هذه صورة البخيل الحقيقي ، إنه يخاف كل شئ ، ويسئ الظن بكل شئ ، فهو دائما فى قلق واضطراب إن خرج الخادم من عنده فتشه ، وظن أنه قد سرق له شيئا ، مرة يفتش يده اليمني ومرة يده اليسري ، ومرة يفتش اليدين ، ثم يفتش القدمين ، ثم يفتش الجيوب ، إلي آخر هذه الحركات التي تدلك على حركات نفس البخيل فهو يعتقد أن كل البشر يسرقون ماله !

فالجاحظ قد تغلغل إلي غابات نفس البخيل البعيدة مثل تغلغل " موليير " وعرف مراميها الدقيقة مثل معرفة " موليير " ولكنه لم يعرض علينا هذا القلق الذي يغالب البخيل ، وهذه الشقاوة الباطنة التي يشقاها في الخوف علي ماله ، فهو يخاف كل شئ حتى هذه الصناديق التي يكنز فيها ماله ، فلا يأمنها ولا يطمئن إليها ، لأنها قد تسرق له المال الذي استودعها إياه ! فهو يكتم أهله ماله ، ويظهر لهم الفقر حتي لا يطمعوا فيه ، فهم في نظره أعداء له ، وهم خونة يخونونه ، ويكتم الناس ماله حتي لا يهجموا عليه وحتي لا يقتلوه ولا يسلبوه

قد تتفق العبقريتان : عبقرية العرب وعبقرية الافرنجة في وصف بعض حالات ظاهرة ، فبخيل " موليير " لا يريد أن يري شيئا من البذخ والتبذير ، فإذا رأي علي ابنه ثيابا فاخرة لامه ووبخه . ومثل هذه الحالات الظاهرة كثيرا ما نجدها في بخلاء الجاحظ ، وربما كان الجاحظ أوفر صورا من " موليير " في هذا المعنى

ولكن الجاحظ لم يتفنن في الكلام علي حركات البواطن تفننه في الكلام علي حركات الظواهر ، فإن بخيل " موليير " إذا سمع في بستانه كلبا ينبح ، سبق إلي ذهنه أن هذا الكلب ينبح لأنه رأي لصوصا هجموا على الدار ليسرقوا ما فيها ، فهو ذو فكر ثابت لا يتغير ، إنه خائف علي ماله ، مشغول البال بهذا المال !

أجل : قد تتفق العبقريتان في تصوير الحالات الظاهرة ، فمن جملة هذه الحالات أن بخيل " موليير " ، وبخلاء الجاحظ لا يعرفون كلة " خذ " ولكنهم يعرفون كلمة " هات " ومن جملة هذه الحالات أنهم يخافون على أثاث الدور من أن تمتد إليه الأيدي ، ويحذرون الناس من فرك الثياب حتى لا تتفزر ، ومن مسح الأواني حتى لا تتكسر ، ولا يريدون أن يكثر الضيف من الأكل ، فالإنسان يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل ، هذه حكمة يريد بخيل موليير أن يكتبها بمداد من ذهب علي مدخنته

قد تتفق العبقريتان في هذا كله ، ولكن الاختلاف يشتد في تصوير حركات النفس ، وفي تصوير فلقها واضطرابها وجنونها ، فان بخيل " موليير " لما سرق ماله طار عقله ، فأخذ يصرخ هذه الصرخات الخالدة في تصوير حالة البخيل النفسية : يا للسارق يا للقاتل يا للعدل ؛ لقد ضعت ! لقد قتلت لقد خنقوني : لقد سرقوا مالي : أين السارق ، أين مكمنه إلى أين أركض أهو هنا : أهو هناك ، ويبلغ منه الجنون مبلغا يظن فيه أنه سرق نفسه ، فيقبض على ذراعيه ، ثم يعرف هذا ، فيصرخ : اضطرب فكري ؛ إني أجهل من أنا ، وأجهل أين أنا ، وأجهل ما أعمل ، إلي آخر هذه الصفحة الخالدة في رواية " موليير

قد يصعب علي أن الخص في سطور آيات الجاحظ في بخلائه ، وآيات موليير " في بخيله ، فما قصدي الاستقصاء في هذا الباب ، ولا غايتي الموازنة بين الكاتبين ، وإنما تصديت الموضوع من وجه واحد ، فقد أحببت أن أبين الفرق بين الأدبين ، أدب العرب وأدب الأفرنجة من حيث تصوير ظواهر النفس وبواطنها .

لقد نفذ " موليير " إلي سخرية البشر ، فصور علي المسرح عيوب الناس ، وكان يؤله أن يعيبوه بأنه فى  التصاوير التي صورها كان يمر بباله واحد من أهل عصره ، فإن غايته كانت تصوير الأخلاق دون الالتفات إلي رجل

بعينه ، إن الصور التي عرضها إنما هي صور خيالية لا تمثل رجالا حقيقيين . أما الجاحظ فقد التقط في بخلائه أحاديث أصحابه وأحاديثه وما رآه بعينه ، فبخلاؤه منهم الصديق والولي ، ومنهم المستور والمتهتك . وكان يؤلم موليير أن يري وجه شبه بين صورة يعرضها على المسرح وبين صورة رجل من عصره ، لأن ثابته كانت تمثيل العيوب بوجه عام ، وخاصة عيوب عصره ، وعلي هذا كان يتعذر عليه أن يصور صورة من دون أن يجد لها في عصره ، رجلا توافقه

فالجاحظ لم تكن غايته تصوير البخل بوجه عام ، فبخيل الجاحظ لم يكن عالميا ، فقد يجمع هذا البخيل طائفة من صفات بخيل كل العصور وكل البلدان ، ولكننا لا نري عليه آثار القلق وشغل البال ، فلم يصوره الجاحظ اما في صورة لنسخر فيها منه ، ونكرهه ، ونستقطعه . فإذا أعوز أدبنا شيء فإنما يعوزه هذا الطراز من التعمق الفلسفي الذي يكشف الغطاء عن حركات النفس بعد كشف هذا الغطاء عن حركات اليد والعين !

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية