الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 288الرجوع إلى "الثقافة"

برج بابل

Share

في الإصحاح الحادي عشر من السفر الأول من أسفار التوراة ، نقرأ رأيا خاصا باللغة وأصلها ، لا من حيث هي توقيف روحي ، أو اصطلاح وتواطؤ ، بل من حيث أنها ترجع إلي أصل واحد أو أصول متعددة . فالتوراة تقرر أن لغات العالم ترجع إلي لغة واحدة ، وهي اللغة الأم ، ثم تقص علينا قصة جميلة حول السبب الذي أدي إلي هذا التنوع في الأجهزة الصوتية والتعدد في اللغات ، فهي تحدثنا عن قصة من القصص السامي القديم الذي رددت صداه الآداب العالمية والديانات السماوية ، أعني قصة " برج بابل" ؛ فهي كما يدل عليها أسمها ليست عبرية ، بل بابلية ، وإن كانت التوراة قد صاغتها في أسلوب يختلف بعض الاختلاف عن الأصل البابلي . فهذا البرج الذي كان أول الأمر من مستلزمات المدينة لحراستها والدفاع عنها ، والذي أصبح فيما بعد مقترنا بالمعابد اقتران المآذن اليوم بالمساجد ، وأبراج النواقيس بالكنائس ، أصبح في التوراة مظهرا من مظاهر اتحاد الشعوب وجمع كلمتها . لكن هذا التآلف الذي قد يؤدي إلي شيء من الغطرسة والكبرياء أغضب الله ، فنزل من السماء وبلبل ألسنة القوم ، فوقف العمل ، وتشتتت الشعوب وفي عصر إلبي البابلي ) القرن السادس ق . م . ( نجد اليهود يحدثوننا عن القصة حديثا آخر يختلف بعض الاختلاف عما ورد في التوراة ، ويتفق مع ما نعرفه في الإسرائيليات وقصص الأنبياء وبعض كتب التفسير لكن بينما القصة اليهودية تدعي أن شعب الله هو الشعب العبري لعدم اشتراك جدهم ) عبر ( في بناء البرج ، إذ بالمصادر العربية تقرر أن العربية هي لسان أهل الجنة ؛ فالسيوطي يحدثنا في ج 1 ص 17 من مزهره : وأخرج ابن عساكر في التاريخ بسند رواه عن أنس بن مالك موقوفا قال : لما حشر الله الخلائق إلي بابل بعث إليهم

ريحا ، فاجتمعوا ينظرون لماذا حشروا له ، فنادي مناد : من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد البيت الحرام بوجهه ، فله كلام أهل السماء ، فقام يعرب ابن قحطان ، فقيل له : يا يعرب بن قحطان بن هود ، أنت هو . فكان أول من تكلم بالعربية . فلم يزل المنادي ينادي من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا ، حتى افترقوا على اثنين وسبعين لسانا ، وانقطع الصوت ، وتبلبلت الألسن فسميت بابل ، وكان اللسان يومئذ بابليا . ولم يقف أثر هذه القصة عند هذا الحد ، بل نجدها تذهب بعيدا ، فتخرج لفظ . بابل - من معناه الأصلي ) باب إلي ( أي باب الله ، إلى المعاني المتداولة الآن في سائر اللغات السامية الحامية والهندية الأوربية ، وفي الإنجليرية مثلا Babel - بابل - يدل على معنى Babbele  - بابل - في الألمانية ، واللفظان يستعملان فيما تستعمل فيه كلمة بلبل - في العربية .

وليست الشعوب السامية هي الوحيدة التي انفردت دون شعوب العالم بالأعتقاد في أن لغات البشر ترجع إلي لغة واحدة أصلية ؛ فالقصص الصيني يحدثنا أنه كان يحكم تلك البلاد قيصر يدعي ) شين هوانح Schin Hoang " خضع لسلطانه الإنسان والحيوان والنبات ، وحتي المظاهر الكونية المختلفة من مطر وريح ، ونور وظلام ، وسكون وحركة ، كما أنه كان يتصف بكل الفضائل وإرجاع سائر اللغات إلي أصل واحد ، وظلت البلاد في رغد من العيش حتى تبلبلت الألسنة ، فتغيرت الأحوال واضطربت الأمور . وفي الهند نجد نفس الفكرة تتجلى لنا في صورة شجرة تين اسمها ) قاتا ( ، كانت تظلل العالم أجمع عندما كان يتكلم لغة واحدة ، وهي لغة الله ؛ وحدث أن داخل العجب نفوس القوم ، ففكروا في استخدام الشجرة التي بلغت قمتها كبد السماء وسيلة للوصول إلي مكان الآلهة التي غضبت وحطمت الشجرة وتناثرت أغصانها ، فتفرقت

العادات ، وتنوعت الأخلاق ، وتبلبلت الألسن ؛ أما هذه الأغصان التى كان يبلغ عددها أحدا وعشرين غصنا ، فقد غرست من جديد وتكونت منها الأسرات اللغوية العالمية

لم يقف اعتقاد العالم القديم في اللغات البشرية عند هذا الحد ، أعني أنها ترجع جميعها إلي لغة أصلية واحدة ، وهي اللغة الأم ، بل نظر إلي اللغة نظرة تقديس وإجلال ؛ فقدماء المصريين اعتقدوا أن للكلمة ربا خاصا وهو ) نوت ( : كما آمن اليونان بالإله ) هرميس ( والرومان بيانوس Janus -  ) واعتقد البابليون في ) أبا ( ، والهنود في ) برهما ( والجرمان في ) أودين ( ؛ كما ان بعض الشعوب الأخرى . كالهنود الحمر بالمكسيك مثلا - رأت أن اللغة وصلت إلي البشر عن طريق طائر خاص ، فاللغة في عقيدة تلك الشعوب توقيف روحي .

لكن فكرة الإنسان في آلهته تطورت وتغيرت مع مرور الزمن ، كما اندثرت ثقافات وقامت على أنقاضها أخري تختلف عنها في نظرها إلى الكون وتقديرها للوجود . وأخذ يفقد الإنسان تدريجيا إيمانه بتعدد الآلهة والبحث عنهم خارجه ، وأصبح يميل إلي الكشف عن آلهة في داخله . وقد تجلت لنا هذه الفكرة واضحة في المسيحية عندما نسبت إلي عيسي عليه السلام أنه قال : أنا الكلمة . والكلمة أنا . فهذا التطور الفكري الذي أدي إلي القول بأن اللغة ليست توقيفا ولا وحيا ، سبقه تطور آخر في الفنون والآداب تجلى لنا في لغة الترانيم الدينية الرفيعة ، ولغة كبار الكتاب والشعراء ؛ ففي تلك النصوص نقرأ لغة تختلف عن لغة العامة اختلافا كبيرا ، ولو كانت اللغة توقيفا لكانت واحدة ؛ هذا إلى جانب كثرة التوارد والترادف والتضاد والشواذ ، وما إليها من الظواهر اللغوية التي تشوه جمال اللغة ، وتجعلنا ننظر إليها نظرة أقل من نظرنا إلي أي تمثال من صنع الإنسان ، ونعتقد في أنها

اصطلاح وتواطؤ . وقد رأي هذا الرأي قديما كثير من الفلاسفة ، وعلى رأسهم أرسطو ، كما ناصر الفكرة الأولى آخرون ومن بينهم أفلاطون . وقد استمر النزاع قائما بين المدرستين حتى العصور الوسطى ، إذ انتصرت آراء أرسطو وأصبحت هي الأساس الذي شيدت عليه الآراء المتأخرة حول اللغة وأصولها

لكن نظرية برج بابل ، التي رددت صداها أساطير الهند وقصص الصين ، والتي كانت العامل المحرك إلي إيجاد تلك الحركة الفكرية حول اللغة وأصلها ، اتجهت بالفكر الإنساني منذ القدم اتجاها آخر ، قصد به التثبت من صحة النظرية أولا ، ومعرفة زمن ووطن اللغة الأصلية الأم ثانيا . فهيرودوت يحدثنا أن ) بسماتيك ( أراد الوصول إلي معرفة اللغة الأم أو أقدم شعب علي الأرض ، فأمر بإحضار وليدين ووكل أمر العناية بهما إلي أحد رعيانه ، وحذره من أن ينطق أمامهما بمقطع واحد ، كما أمر بوضع الوليدين في مكان بعيد لا يصل إليه صوت بشر . وكان هذا الراعي يزور الطفلين في أوقات مخصوصة ومعه ما عز لإرضاعهما . وبعد مرور عامين دخل عليهما الراعي فوجدهما بركضان صائحين ) بيكوس ( ) Bekos ( ؛ فأخبر الراعي بسماتيك الذي أمر بإحضار العلماء إليه ، وعرض عليهم هذا اللفظ ، فظهر أن مدلوله " خبز " في لغة أحد شعوب آسيا الصغري المعروف بالشعب الفريجي ، فاستدل من ذلك على أن الشعب الفريجي أقدم الشعوب ، كما أن لغته أقدم اللغات . ونفس هذه التجربة التي قام بها فرعون مصر بسماتيك نجدها تتكرر في العصور الوسطى ، فالتاريخ يحدثنا أن فريدريش الثاني حاول القيام بهذه التجربة فلم يوفق . لكن هذه المحاولات وإن كانت قد أخفقت ، إلا أنها كانت السبب في خلق علم جديد ، ألا وهو علم مقارنة اللغات الذي استخدم كوسيلة من وسائل البحث عن اللغة الأصلية . ففي القرن الرابع

الميلادي نجد ) هيرونيموس ( ) 1( يشير إلي القرابة بين العربية والعبرية والفينيقية ، وتبعه علماء آخرون ، منهم الغربي ومنهم الشرقي ، وقد عاونوا جميعا في بناء هذا الصرح العظيم الذي تسلمه ) لبينتز ( في القرنين السابع عشر والثامن عشر ودعمه ، وذلك لأنه كان يعتقد في اطراد حياة اللغة الأصلية وانتشارها بين لغات كثيرة ؛ فجمع من تلك اللغات المواد التي كان يري ضرورة الاستعانة بها لبناء هيكل اللغة الأصلية ، وعاونه على تحقيق غايته اتصاله الوثيق برحالة الصين الإيطالي ) كلوديو جريمالدي ( وملك بولنده ) يوحنا سوينسكي ( ، وقيصرة روسيا ) كترين الثانية ( . لكن ما كاد يولد القرن التاسع عشر حتي رأينا العلماء ينقسمون إلى فريقين : فريق يسخف نظرية برج بابل ، وكان على رأسه ) فولتير ( ؛ وآخر يعارضه بزعامة ) فلهلم فون هومبولات ( . ومن حسن حظ الفريق الأخير أن القرن التاسع عشر كان عصر الاكتشافات اللغوية الخطيرة ، فرموز الهيروغليفية قد حلت ، وطلاسم الأكدية رفع القناع عنها ؛ وتسابقت بعوث الجامعات الأوربية والأمريكية إلي الشرق ونبشت أرضه ، فازداد تعمق اللغويين في السنسكريتية ، واستطاع العلماء أن يرسموا خطا كروكيا يبين لنا مجموعة اللغات التي عرفت فيما بعد بالهندية الأوربية . ووفق ) فرنس بوب ( عام 1816 عندما نشر كتابه الذي درس فيه صرف اللغة السنسكريتية مقارنا بصرف اللغات اليونانية واللاتينية والفارسية والألمانية ؛ وقد أقام بكتابه هذا الدليل العلمي

على قرابة هذه اللغات ، ثم تلت هذه المجموعة مجموعة أخري من اللغات الكلتية والصقلبية والألبانية والأرمنية . وهكذا أصبحنا نري أنفسنا في القرن التاسع عشر أمام مجموعة من الشعوب تمتد من الهند إلي شمال إرلنده ، تربط بينها رابطة الجنس ، وتوحد بينها اللغات ؛ وكانت نتيجة هذا الكشف اللغوي العظيم أن أقبل تلاميذ فون هومبولدت على بقية اللغات ، وأخذ كل فريق يعني بلغتين أو أكثر ، حتى نجحوا أخيرا في مد خطوط وهمية تفصل بين كل مجموعة وأخري . واضطر اللغوي إلي التخصص في أسرة من هذه الأسر ليتمكن من فهم اللغة التي يعني بدراستها ، ويساهم إن استطاع في الوصول إلي الهدف الرئيسي ، ألا وهو تحقيق نظرية برج بابل . والواقع أن هذه السنة الجديدة التي أستنتها مدرسة فون هومبولدت أتت بأحسن النتائج ؛ فقد ظهر من دراسات علماء الأسرات المختلفة أن بين لغات الأسرة الواحدة توجد مجموعة من المفردات والخصائص النحوية والصرفية التي تجب العناية بها قبل أن يقدم العالم على عمل دراسة مقارنة بين أسرة وأخري فظهر في الأسرة الهندية الأوربية أمثال ) بروجمان ( ، والسامية الحامية ) بروكلمان ( ؛ وبالإستعانة بالنتائج التي وصل بها علماء الأسرتين وغيرهما أصبح من اليسير علي ) هرمان مللر ( ، و ) الفريدو ترومينتي ( ، أن يقدما للعالم مؤلفاتهما التي تؤيد نظرية برج بابل ، وترجع سائر اللغات إلي لغة واحدة أصلية ، وهي اللغة الأم .

اشترك في نشرتنا البريدية