الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 29الرجوع إلى "الثقافة"

برناردشو . . .

Share

أول عهد برنارد شو بالكتابة أن اثنين من المرسلين الإنجيليين الامريكان وفدا على دبلن لاحياء تعاليم الدين، فذهب مع من ذهب من مواطنية البروتستانتبين الارلنديين لسماعهما. وعلي اثر سماعهما كتب إلي صحيفة " الرأي العام " خطابا مفتوحا، قرر فيه - وما كان أشد جزع ذوي قرابته التقين من هذا الذي قرره - انه إذا كان ما ادلي به المرسلان الإنجيليان هو الدين، فانه بالجملة إذا لمن الكافرين.

وسافر برنارد شو، وقد دفعه تبرمه بحياة التوظف إلي الاستقالة من وظيفة الصرافة التي كان يشغلها في مكتب من مكاتب السماسرة، ولحق بأمه في لندن، وكانت مقيمة بها منذ سنوات تحترف تعليم الموسيقى .

وقضي شو السنوات التسع الأولى من حياته في لندن بين ضيق اليد، ومضاضة الشعور بالفشل، فلا تعدو جملة كسبه من الأدب طوال هذه المدة جميعها جنيهات ستة، وبيانها فيما يروى: ربع جنيه عن قصيدة، وثلاثة ارباعة عن مقال، وخمسة جنيهات عن تحرير إعلان عن بعض الأدوية. وفي إبان هذه المدة كتب شو خمس روايات - رواية في كل عام - فعادت إليه جميعا مرفوضة من الناشرين. وكان اسم اولاها " الفجاجة " فأعادها كاتب انجلترا الروائي المعروف " مرديث "، وقد وقع على هامشها " لا " فالقيت جانبا حيث عائت فيها الجرذان، " ولكن أعبي الجرذان نفسها أن تأتي على آخرها "

ومن ثمة كان شو - وهو في العقد الثالث من سنة - محتاجا في المعاش إلى عون امه، مما تجنيه من دروس الموسيقى، وإلي عون أبيه وهو مجهود يجاهد في

تجارة الغلال المطردة الهبوط في سوق المعاملات في دبلن، وفي وصف هذه الفترة يقول شو نفسه:

" لم ألق بنفسي في معترك الحياة، بل قذفت بأمي فيه، ولم اكن لابي الشيخ عصا يتوكأ عليها في شيخوخته، بل تعلقت بذيل سترته "

وإذا كان شو قد اتصل بحياة المجتمعات في لندن فأقاد ما افاده من خبرة بها عميقة، ولمحات عنها جد صادقة، فالفضل راجع إلي انه كان يملك حلة من حلل السهرة، وإلي انه كان عازفا من الهواة لا بأس به خفيف الظل

على ان شو يزعم لنا ان فاقته لم تشق عليه ولم يعرف لها مضا " لا يسعني ان اقول إنني عركت الفاقة الحقة، بل الأمر على الضد من ذلك، فإنني قبل ان يقع في إمكاني كسب شئ بقلمي، كان لي مكتبة حافلة في المتحف

البريطاني، ومعرض للصور هو المعرض القائم فوق ميدان ترافلجار. وماذا كنت فاعلة بالمال اكثر من ذلك ؟ ماذا كنت شاريه ؟ لفائف تيبغ ؟ لست من مدخنيها. شامبانيا ؟ لست من شاربها. ثلاثين حلة على آخر طراز ؟ ولكن الذين أكبر همى مجانيتهم كانوا يدعونني للعشاء معهم لو كانت لي أمثال هذه الحلل الخيل ؟ انها مركب وعر. السيارات ؟ مضجرة مسئمة. وهانذا اليوم قادر علي اقتناء هذه جميعها، ولكنني ما فكرت في شراء شيء لم اشتره في ايام فقري. وعدا ذلك كله فانني ذو خيال! وما كان على - في جميع ما أذكره من ماضي في أبعد عهوده - إلا أن اضطجع وأغمض جفني لاكون من شئت ولاصنع كل ما اشتهيت. فماذا كان يجديني شارع بوند بكل ابهته المسكينة، انا جورج برنارد.

وبقيت روايات شو مطوية عنده إلي أن كسب أصدقاء. له في الأندية ذات الشأن من بين رجال السياسة وأصحاب الدعوات الإنسانية، فنشرت على اجزاء في مجلتهم، ولا يفيد هذا انها روايات قليلة القيمة، فإنها مع إخفاقها عند الجمهور وإعراضه عنها، قد نالت - أو علي الاقل نال بعضها - إعجاب افراد من النابغين. بيد انه وضح منها ان القصة ليست بالقالب الذي يجيد " شو " اصطناعه للتعبير احسن العبارة عن ذات نفسه، لانه أميل بطبعه إلي مساق الحوار منه إلى التوصيف وسرد القصص. وأشخاصه - عند كل حافز ومن غير حافز - يفيضون في القول، ويمتد بهم نفس الكلام، حتى ليخالها القارئ خطبا علي المنابر لا أحاديث مجالس. كما أن موضوع الحكاية عنده سقيم إذا صح أن لها موضوعا. فإنما هو يطلب مناطا يعلق عليه أفكاره وخواطره ولا يحفل أي مناط يقع له

ولقد اعتنق شو مبادئ الاشتراكية منذ حداثة سنه، وكانت إنجلترا وقتئذ حديثة عهد بها، تنظر إليها نظرتها

إلي بدعة كبيرة من البدع. وساهم شو فيما أسموه " بالجمعية القابية " اولى الجماعات الاشتراكية في البلاد الإنجليزية. وقد ثابر مدة تنيف على اثني عشر عاما على إلقاء خطب شعبية مصحوبة بالمساجلات والأسئلة في أيام الآحاد من كل أسبوع، وأحيانا يزيد عليها أياما أخر، يدعو الجماهير إلي المذهب الجديد، سواء من فوق منابر الجمعيات او علي قارعة الطريق، يخطب سامعين وسامعات من جميع الصنوف من صفوة الجامعات إلي الغسالات. وإلي جانب هذا كان " شو " يزاول النقد الفني. فيكتب عن الكتب في هذه المجلة، وعن الصور في تلك وعن الموسيقى في مجلة ثالثة، وعن المسرح في مجلة رابعة. وهو في كتابته هذه كافة يناضل عما يسميه الفن المبرز، وأصحابه بتلر ونيتشة في عالم الفكر، وفاجنر في الموسيقى ووسلر في التصوير، وإبسن في المسرح.

ولم يلبث " شو " أن اتجه إلي معالجة الرواية المسرحية. ويجدر القول هنا أن رواياته كانت تمهيدا لمسرحياته. فالكثير مما ضمنه الاولي عاد إليه في الآخري. فهذه هي تشهير انه بالتكلف والرياء ونظم الطبقات والفوارق الاجتماعية غير المعقولة، والوان الدجل المنظم في الدين والسياسة والطب، وما إلي ذلك ممابثه في رواياته، قد عاد إليها فصفاها واستقطرها في مسرحياته.

وبدأ "شو" وهو على أبواب الأربعين يستقبل الشهرة ويرقي معارجها في سرعة واطراد. وكانت مسرحياته أول الأمر تنشر لتقرأ، والعهد بالمسرحيات التمثيل، ولكنها بدعة انتشرت في لندن في ذلك الحين. ويقدم " شو " لمسرحياته بمقدمات مدبجة مطولة في مسائل السياسة والاجتماع؛ وقد عرض اخيرا للمعضلات الدينية والمباحث المتعلقة بأسباب الحياة وأحوالها. وهي مقدمات مستقلة عن المسرحيات المقرونة بها. وقد بدي تمثيل مسرحياته بعد ان كان نصيبها القراءة وحدها، وذلك في نيويورك

وفي المانيا، ثم بعد ذلك بست سنوات كاملة في إنجلترا على مسرح لندن. ويلاحظ ان اشهر مسرحياته، ومنها " القديسة جان دارك "، الفها بعد ان تجاوز الستين من عمره. ومسرحياته تعرض لامور شتى من مظالم اجتماعية إلي ابحاث فلسفية ودينية، إلي نبوأت عما وراء الحياة، إلي حكاية مؤثرة للأحداث التاريخية. ومناظر مسرحياته متنوعة، تنتظم امريكا وبلغاريا ومصر وانجلترا وفرنسا وألمانيا وإرلندا. وهو حريص على أن يكون وضعها وتنسيقها كأحسن ما يمكن مشهدا وخيالا.

ولقد اصطنع " شو " من أول عهده بكتابة الرسائل لهجة الدعاية اللاذعة، وهو يقول: " لقد احتجت لإبلاغ كلامي إلي الأسماع ان أوقع في الأوهام انني مجنون، ليكون لي ما لضحك الملوك من تجاوز وإباحة ". فتراء في داب وتعمد متعرضا للجمهور الانجليزي والجمهور الأمريكى بالمعابثة الفكهة والنقد القارص، شاحذا عليهم لسانه، يغمز لمواطن العيوب في طبائعهم وعاداتهم. ويكشف لهم عما فيهم من قصور وسخف. والعجيب ان هذا هو بعينه ما يعجب الانجليزي والأمريكي في برنارد شو، وهم لا يملكون إلا أن يعرفوا أنفسهم فيما يعرضه، ولا يملكون أنفسهم وقد تنتهوا لها من أن يضحكوا منها سواء اكان ضحكهم خالصا أو يخالطه الغيظ والنقمة.

وقد يلاحظ على " شو " اصطناعه الضجة حول نفسه، والرجل مقر بذلك، ويذهب إلي أنه - على حد قوله - ليطيب نفسا أن يجوب لندن في زي المهرجين عازفا على مثل أرغنهم، إذا كفل له ذلك استرعاء الأسماع وإصغاءها إلي أفكاره. " والرجل الذي ليس عنده ما ينادي به ويدعو الناس إليه هو وحده الذي يبدي الترفع عن دق الطبل أمام باب حانوته "

وفيها بلى حديث " لبرنارد شو " من كتاب عنوانه ( يأجوج ) اصدره منذ سنوات الكاتب الناقد الإيطالي

" جيوفاني بايني " وضمنه احاديث ممتعة اجراها على لسان مشاهير العصر. وقد اثرنا بهذه المناسبة تعريب الحديث الذي تحله الناقد الاجلالى لصاحبنا لما فيه من تعريف بالنقد الايطالي المعاصر ومن تلخيص صادق - مع ما فيه من تجريح وعنف - لحياة شو الأدبية:

استقبلني الشيخ برنارد شو استقبالا غير حميد. - لعلك مثل سائر السخفاء تحسبني " مهرجا " فتأمل أن أسليك بطرائفى ودعاباتي، فأنا أحب أن أزيل عنك هذا الوهم. فالانجليز، وبوجه عام ذوو الفراغ الذين يقرأون ويرتادون المسارح، يتوهمونني مسخا ماجنا، مع أنني على النقيض بحكم طبيعتي ونزعتي أشد رجال المملكة المتحدة رزانة وجدا. وقد بدأت - كما تعلم - مشابعا فجمعية الفابيان والمؤلف المسرحي المصلح " أبسن " وفي الميل إلي هذين دليل على روح منافية الهزل كل المنافاة. فليس في مذهب الفابيان ولا في مذهب إبسن أقل اثر للفكاهة؛ فالأول يرمي إلي تحويل العمال في قرنين أو ثلاثة قرون من الزمان إلي أصحاب عمل، والثاني يدعو إلي أن يسود الصدق علائق الناس، أي بعبارة اخري جعل هذه العلائق مستحيلة. وليس في هذا أو ذاك شئ فكه، فهما سخافتان صادرتان عن ايمان وحسن نية، وليس عن مزاح.

- ومن اين جاءتك إذا شهرة المؤلف الفكة: - سأبين لك، فأنا إرلندي ... وعند زعانف لندن أي الذين يشترون الكتب والصحف، لابد لمن كان إرلنديا من احد امرين: ان يبيت على الطوي أو يكون مهرجا، ولما كنت لا أريد ان اموت جوعا، فقد اخترت أن أكون مهرجا. وانت لاشك تعرف أن إرلندا هي التي زودت انجلترا برجالاتها المشهورين. فان " جولد سميث " و" شريدان " و " اوسكار ويلد " و " جويس " كلهم إرلنديون. فلولا الارلنديون ما عرفت انجلترا

بلاد " ليليت " التي رحل إليها جلفر، ولا انتصرت انتصارها علي نابليون.

يقول الكونت كتررلنج إن الإنجليز أشبه بالحيوانات، فأنا - خدمة لكم - خيال الفزع لتلكم الحيوانات. وهم عجماوات لا يجرؤون على القول، فأنا اقول الحق بالنيابة عنهم. وهم رهن السوداء والكابة لا يعرفون الضحك، فمن واجبى على الأقل جعلهم يبتسمون. كما انهم لا يعرفون المتعة والتلذذ، فمطلبي إلهابهم بالسوط لأبعث فيهم هزة اللذة، وعلي هذه الخصائص المركبة فيهم، ويرتكز نجاحي الذي لا استحقه. فلو سبقت انجلترا في الاستهثار سبقها في الصناعة، لما كنت اليوم إلا صحفيا صغيرا خامل الذكر ضئيل الأجر، وفي فرنسا ما لا يقل عن مائة برنارد شو يغدون ويروحون غير ملحوظين.

ولقد اكون لهذا السبب بعينه واحدا من ضحايا الحرب الكثيرين. فان انجلترا المحتشمة التي نعهدها في عصر

الملكة فكتوريا قد قضت تحبها منذ عام ١٩١٨. فاليري الانجليز ينبذون اعتباراتهم القديمة، وتدرجوا في الاستهتار والإباحية وفي التشكك وقلة الحياء وأخذوا ينزعون إلي التفسير التناسلي للحياة علي رأي " فرويد " وإلي التطرف في الإشتراكية. فهم اليوم لا يجفلون أمام فضيحة تعرض في معرض حسن، وهذا فيما يظهر للعيان قد يغض من شهرتي. فطالما كنت أنا وحدي مصارع التيران الصائل الحائل حول " جون بول " والوحيد الذي يلاعبه بالرداء الأحمر وبعابته، كانت الأمور كلها سائرة على ما يرام، ولكن الثيران البريطانية أخذت تتعود اللون الأحمر بجميع شياته فلم تعد تخافني. فإذا لم تقع لها ردة إلي زهد البيورتان  القديم فإن مصيري لا شك إلي خزائن الأدب إلي جنب " أوليفر جولد سميث " و " ماكولي " وفي هذا لا محالة بواري، وإذا الانجليز أمعنوا في التشبه لي فلن يبقى لي إلا أن انقلب قسا وصاحب طريقة، ولكني أصبحت كما ترى شيخا هرما لا أصلح للتلمذة من جديد والتخرج في صناعة التمويه والدجل.

- شيخا ! إنك لا تبدو شيخا قط. فإن فكرك على الدوام فتى دون العشرين.

- هكذا هكذا ! ! ! هي نكتة طيبة من ناشئ مثلك، هي تهمة ملفوفة لفا محكما في تحية. فانما تريد القول متلطفا إني أفكر تفكير غلام غر. هذا لا يسوؤني. فلدي مائة سبب لعدم ارتياحي إلي الشيخوخة. إن الحياة ينقصها الموت ويقتضب عليها. فالإنسان محتاج في تعليمه حق العلم إلى قرن من الزمان، ولاجل ان يجني ثمار هذا التعليم تلزمه أيضا فسحة قرنين من الزمان على الأقل؛ وها نحن أولاء بدلا من هذا، نتهافت على " فوروتوف " الذي يعمل لعفة القردة بأنجح مما يعمل لشهوانية بني الانسان وإن جميع ما يهذرون به عن تقدم العلم ليس إلا مبالغة وقحة لتزجية البضاعة. فطالما أن العلم لم يبطل الموت فهو لم

يفعل شيئا. فما يعنينى - أنا - الطيران في نصف ساعة من لندن إلي نيويورك، إذا كنت لابد مطروحا في يوم من الأيام إلي البلي تحت الصفائح والرجام ؟ .

وعندئذ تجهم وجه برناردشو وتقطب جبينه، وظل مشغول البال طويلا ثم التفت إلي وقال بصوت الغاضب:

- اتعرف لا تقاء الموت سرا ؛ كلا إليك عنى إذا، لا حاجة بي إلي آخر مثلي مقضي عليه بالإعدام. قال هذا ومضي عني مسرعا .

عبد الرحمن صدقى

اشترك في نشرتنا البريدية