الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 169الرجوع إلى "الثقافة"

برنارد شو،

Share

٢ - مبادئه الاقتصادية :

حينما قصد برنارد شو إلى لندن فى سنة ١٨٧٦ ، لم يلقى المجد الأدبى لقمة سائقة ، بل ظل تسع سنين مقترا عليه فى الرزق ، لا يصيب من المال إلا القليل الذى لا يغنى . كانت هذه السنوات العجاف فترة طويلة من فترات الجهاد المضئ ، ولو لم يوطد النفس على أن يصبح كاتبا ومفكرا لطوح به تيار الفقر والحاجة إلي حيث

طوح بغيره من العباقرة المغمورين . لكن أمه كانت تعطى دروسا فى الموسيقى ، فاستطاعت أن تموله خلال هذه السنوات التسع . حاول في سنة ١٨٧٩ أن يلتحق بشركة إديسون للتلفو نات ، فما لبثت أن انتقلت الشر كة إلى أيد أخري ، وعاف هو العمل ، وانثنى إلى الكتابة والقراءة والخطابة ، ليعد نفسه للرسالة التى وطد النفس على تبليغها .

وينبغى أن تبحث حال إنجلترة فى هذه الفترة من

الزمان . وكانت قد سلخت البلاد مائة وخمسين سنة أو يزيد وهى تسير فى اقتصادياتها على مبدأ حرية التجارة Saissez taire . وكانت حرية التجارة شعبة من الحرية السياسية العامة ، وقد ظن أولو الأمر أن هذه الحرية جديرة بأن تشجع كل صانع وتاجر على أن يبذل الجهد فى هذه المنافسة العنيفة ، وأن من هذه المنافسة

سيحدث توازن بين المنتجين والصناع والتجار . لكن الواقع أن حرية التجارة فتحت الباب للرأسماليين فقط ، فأصبح أصحاب رءوس الأموال فى أخريات هذا العهد هم الهيمتين على كل نواحى الانتاج . ولم يستطع المنتجون الناشئون أن يصعدوا أمام الشركات الرأسمالية الكبرى ، بل وانعدمت المنافسة ، لأن هذه الشركات اتحدث وأصبحت تتحكم فى أثمان البضائع . وكذلك تلاشى ذلك التوازن المنشود ، وانتقلت رءوس الأموال إلى أيدى بضعة من الممولين ، وانتقلت الثروة من فئة كثيرة إلى فئة قليلة أفادت من حرية التجارة .

وفى سنة ١٨٧٩ ابتليت انجلترا بأزمة اقتصادية لم تبتل بمثلها إلا فى سنة ١٩٣١ . وقد ظهرت أخطار الرأسمالية واضحة ، فكثر عدد المتعطلين ، وفشت البطالة ، وساءت حال صغار التجار حتى أغلقوا متاجرهم ، وهجر الناس المسارح والملاهى إلى الحانات الرخيصة . أما الأغنياء فقد استغنوا عن المآدب والحفلات ، وهم يتوجسون خيفة مما يجيش فى صدور الفقراء من الحقد والضغينة . وشح الطعام والفحم والخشب والشمع ، وأغلقت المصانع ، وأضرب عمال الميناء فى ليفربول ، وأفلست بعض المصارف الكبيرة .

إلى جانب هذه الأزمة التى ظهرت فى لندن وغيرها من أمهات المدن كان هناك حركة فكرية دفاعة ؛ فقد كانت لندن تعج بأفكار تناولها المفكرون والقادة والأدباء بكثير من التأييد أو التفنيد . كان دارون قد خلف كتابه

عن أصل الأنواع ، فخلف ثورة جائحة من الأفكار ، وفتح آفاقا جديدة لمن أراد أن يفكر تفكيرا حرا طليقا . وقد انتهى الكثير من الانجليز إلى أن الانسان يتطور من مرحلة إلى مرحلة أخرى ، وإلى أن الحياة نفسها تسير فى سبيل التقدم . ثم كان كارل ماركس قد خلف كتابه عن الأسمال ، فخلف بذلك ثورة اقتصادية عنيفة ، لأن المفكرين والقادة والأدباء أيضا تناولوا الاشترا كية بالتأييد ، واعتبروا الرأسمالية سببا من أسباب الضنك الذى آلى إليه النظام الاجتماعى والسياسى .

كان يؤمن زعماء الفكر بأن الرأسمالية الخبيثة هى أساس المشاكل العامة ، وكانوا يرون أن المساواة فى توزيع الثروة يجب أن تكون مبدأ لكل إصلاح آخر وقد دعا كارل ماركس إلى الثورة المسلحة ضد طبقة الملاك لأنها استأثرت بالربح الوفير . وكان يرى أن مثل هذه الثورة واجبة ، وبعدها تسود الطبقة المنتجة ، وإذا ما سادت هذه الطبقة فسوف تسوى بين الأفراد جميعا ، أو إنه سوف يسود النظام الاشترا كى الذى لا يعترف بأن شخصا واحدا يحل له أن يستغل جهود الآخرين ، والذى يؤمن بأن الجماعة الانسانية كل واحد يملك الخدمات والبضائع التى تقدم أو تصنع فى محيط الجماعة .

لكن الاشترا كية البريطانية أقسمت بطابع التددرج ، فهي لم تؤمن بهذه الثورة المسلحة التى دعا إليها كارل ماركس ، ولم تتخذ طريق العنف بل طريق الاقناع ، ولم تمكن الطفرة تميزها ، وإنما كان يميزها التطور البطئ . ولان الاشترا كيين الإنجليز آمنوا بالتطور المتدرج فقد أنشأوا جماعات للبحث والمناقشة والمناظرة والدعاية والنقد . وكانت هذه الجماعات حلقات تعرض فيها المبادئ ، ويقوم الخطباء دونها معارضين و محيذين . وكانت جماعة الغاببين (١) أكبر هذه الجماعات ، فقد تألفت سنة ١٨٨٤ وضمت أ كبر المفكرين

الاشترا كين وبينهم برناردشو .

كانت الاشترا كية دينا جديدا وكانت ككل دين جديد فى حاجة إلى من يدعو إليها ويفسر أصولها وينافع عنها . وهذه الجماعات هى التى نشأت الاشتراكية البريطانية ، فلم يحدث الكفاح بين النظام القديم وبين النظام الجديد فى شوارع لندن وطرفاتها ، وإنما حدث بينهما فى النوادى حيث تجتمع اللجان ، وحدث كذلك فى دور الحكومات المحلية فى كل مقاطعة من المقاطعات . وقد قرأ برناردوشو  كل الكتب التى خرجت عن الاشتراكية . قرأ كتاب

" رأس المال " الذى ألفه كارل ماركس فى المتحف البريطانى ، وقرأ كتاب هنرى جورج عن " الفقر والتقدم " وقرأ كتاب الاشترا كى الفرنسى يرودون وعنوانه " ما هى الملكتية ؟ هي السرقة . " وقرأ مئات من الكتب الأخرى التى ألفت وترجمت عن الاشتراكية ، ثم انتهى بعد ذلك ، فدخل فى غمار هذه الجماعات التى تحدثنا عنها . وخطب فى كل مكان : فى النوادى وفى الميادين وفى الحدائق العامة ، وقد أحصيت المرات التى خطب فيها فى هذه السنوات التسع ، فكانت ألفا أو تزيد .

لبرناردشو إذا مثل هذه الآراء الاشتراكية التى ذهب إليها كارل ماركس وهنرى جورج ويرودون ، لكن له طابعا خاصا اتسمت به آراؤه ، فيجب إذا أن تجمل لك تلك الآراء . وسترى أن بعضها مأخوذ من كل واحد من هؤلاء ، وسترى ايضا أن بعضها أصيل أنتجه هو نفسه

يذهب برنارد شو إلى أن الفقر أساس كل الشرور والآلام التى تفت فى عضد الجماعة . فقد انقسم الناس فى هذا العالم إلى طبقتين طبقة قد ملكت المال وطبقة أخرى فى حاجة إلى المال . طبقة قد أسرفت فى جمع المال حتى أصبحت مكفولة الأوليات والكماليات فى وقت معا ، فهى إذا فكرت فيما تحتاج إليه لم تفكر فى الخبز ولا فى الطعام

ولا فى اللباس ، لأن كل ذلك متوفر عندها ، وإنما تفكر فى السيارات المطهمة وفى الرحلات الغالية وفى بناء المتاحف الضخمة وفى جمع المقتنيات النادرة . ثم طبقة أخرى أنزلها الفقر إلى الحضيض ، فهى تفكر أبدا فى الحاجات الضرورية الأولية ؛ إنها تفكر فى الخبز والطعام وفى الملبس وفى غير ذلك مما يسد الرمق ويقوم بالكفاف ، فأفرادها قد يكتفون بحجرة مظلمة لا تدخلها الشمس وتسرح فيها الهوام ، وقد يكتفون بالخبز الأسود والطعام التافه والشراب الميت . الطبقة الأولى تتمتع برخاء دائم ، والطبقة الأخرى تعانى شدة دائمة . الطبقة الأولى تملك ولا تعمل ، والطبقة الأخرى تعمل ولا تملك .

ولا يرى برنارد شو أنه يجب على المجتمع أن يخفف من هذا الفقر بالاحسان أو بإنشاء الجمعيات الخيرية أو بصرف مرتبات تافهه للفقراء . وعنده أن هذا الذى يدعيه بعض الأغنياء من الحدب على الفقراء ومن رعايتهم وبذل الهيات المالية فى سبيلهم ليس إلا عملا مؤقتا يضطر إليه الأغنياء لأنهم فى حاجة إلى تبرير مر كزهم أمام طبقة الفقراء . برنارد شو لا يرى أن الفقر شئ محتمل ، بل هو يرى أنه شر يجب أن يلغى . وهو لا يتردد ولا يتوانى ولا يهن فى

الدعوة إلى استئصاله استئصالا تاما لاهوادة فيه ، وهو بعد ذلك لا يعترف بقوانين الفقر(١) التى سقها إنجلترة لتخفف من غائلته ، لأن هذه القوانين لم تسن إلا لتجعل الفقر أمرا محتملا مقدرا على السواد الأعظم من الناس . لقد قال فى بعض ما كتب : " لا يجب أن ننظر إلى الفقر بعين الرحمة ولا أن نعتبره من البلايا التى لا محيص عنها . ولا ينبغى أن نحتمله كما لو كان جزاء وفاقا لبعض الناس على ما أسلفوا من السيئات . وإنما يجب أن تمحقه محقا وأن تمنعه من أن يعود إلينا كما تمنع المرض العضال الذى يخترم جسم المجتمع " .

وإذا كان الفقر عنده مرضا عضالا فقد رأى ألا علاج

للفقر إلا بالمال . فالمال عنده أصل لكل دواء تحاول الجماعة أن تصطنعه ، وفى ذلك يقول : " إن تقديرنا الحال هو الحقيقة الوحيدة التى تبعث الأمل فى حضارتنا هذه . . فالمال أهم شئ فى العالم . فلا شك أنه يمثل الصحة والقوة والشرف والكرم والجمال ، كما أن الحاجة إلى المال تمثل المرض والضعف والعار والقبح . وليس أقل فضائله أنه يفسد من أمر اللئام بقدر ما يصلح من أمر الكرام . والمال لا يكون نقمة إلا إذا أصبح عند البعض رخيصا وفيرا لاقيمة له ، وعند الآخرين عزيزا مجالا لا سبيل إليه أى أنه لا يكون نقمة إلا إذا حافت بالحياة ظروف سخيفة جعلت الحياة نفسها نغمه على الذين يعيشون فيها . ولأن الحياة والمال مرتبطان لا انفصام بينهما ، فقد أصبح المال هو الذى يوزع الحياة توزيعا اجتماعيا " .

وفى هذا الذى ذكره برنارد شو كثير من الحق . وأمله لم يستطع أحد أن يوضح العلاقة بين المال وبين الحياة مثل ما وضحها برناردشو . أليس من المآسى التى تحدث بيننا كل يوم أن الأطباء يحاولون أن يقاوموا أمراضا ليس الأصل فيها إلا قلة الغذاء وسوء المسكن وقذارة الملبس ؟ إن شطرا كبيرا من أفراد المجتمع يعيشون فى حالة مزمنة من سوء التغذية ، وليست حاجة الجماعة فى هذا الذى يذهب إليه الكثير من المصلحين حينما يتهمون الجريمه والطمع

والحرب والوباء بأنها هى السبب فيما نحن فيه ، لأن السبب فى كل ذلك ليس إلا الفقر . فإذا أردنا أن نغير من هذه الحال المحزنة فينبغى أن نغير النظام الذى نعيش فيه . وإذا أردنا أطفالا أصحاء فينبغى أن يكون أمهاتهم وآباؤهم أصحاء كذلك . ولن يكون هؤلاء أصحاء حتى ينالوا نصيبهم من الثروة ، ولا سبيل إلى أن ينالوا نصيبهم من الثروة حتى توزع الثروة فى أنحاء العالم توزيعا عادلا محكما .

توزيع الثروة توزيعا عادلا - عند برنارد شو - هو الأصل الذى يجب أن نبدأ به إذا أردنا الاصلاح الاجتماعى

والسياسى العاجل . أما إذا ظلت الثروة كما هى الآن فسوف تعانى الشرور الاجتماعية التى ما تزال نعانيها . إذا ظل عشر سكان الأرض يتمتعون بتسعة أعشار ما تنتجه الأرض وإذا ظل تسعة الأعشار الآخرون لا يصيبون إلا العشر الذى يعف عنه الأولون فلا مناص من أن تسثمر الدعارة والفحش والسرقة والمرض والحرب والجهل كما هى الآن . أما إذا حاولنا توزيع الثروة توزيعا عادلا فلا بد لكل تلك الشرور أن تختفى من على ظهر الأرض . ولقد يكون هذا وهما باطلا عند بعض الناس ، وقد يكون أمرا

مجالا عند الآخرين ، لكن برنادر شو لا يرى أنه وهم ولا أنه محال . هو يعلم أن الثروة قد تغير توزيعها بين كل طبقة وطبقة فى القرن الأخير ، حتى لقد تقدمت بعض الطبقات واستلغت الثروة من الطبقة الأخرى . وإذا كان مثل هذا التغير قد حدث فى المائة سنة الأخيرة فلم لا يهيئ توزيعا عادلا للثروة فى المائة سنة القادمة ، على ألا يحدث هذا التوزيع بين كل طبقة وأخرى كما هو الآن ، بل على أن يحدث بين كل فرد وآخر كما ينبغى أن يكون ؟

وهو يجد أن توزيع الثروة كما هى الآن تحلق للأغنياء . كل المزايا وتحرم الفقراء من كل المزايا . هو يرى أن أصحاب الثروة وهم أقلية ضئيلة قد تأمروا على من لا تروة لهم وهم الأغلبية الساحقة . أنت ترى آخرا لهذا التآمر إذا حلت نظام التشريع والقضاء ، فالدين يضمون القوانين وينقذونها ليسوا إلا أغنياء أوتوا قليلا أو كثيرا من المال ، وهم ينظرون إلى الجرائم بعين المالك الرأسمالى الذى يحرص كل الحرص على ماله مهما كلفه ذلك وأنت تجد آثارا لهذا التآمر إذا بحثت نظام التربية ، فقد نشأ المتعلمون على احترام ما بعث إلى الغنى وعلى احتقار ما يمت إلى الفقر . حتى نظم التعليم التى تسير عليها الجامعات ما زالت موسومة بذلك الطابع الذى يؤهل الغنى لنا

لا يستطيع أن يتأتى له الفقير . وأنت كذلك ترى آثارا لنفوذ الأغنياء فى الكنيسة وفى الصحافة ، فقد نشأ المتدينون على الولاء للغنى ، وأصبح هذا الولاء بضعة من إيمان المؤمن ؛ كذلك قامت الصحافة بأكبر دعاية للثروة حينما ملأت أعمدتها بكثير من الأنباء والأخبار والمقالات التى تزيد من قدر الأغنياء . فنحن أمام نظم خلقتها الثروة ، أمام نظم تدافع عن الغنى وتحميه ، لأنها تأخذ اللصوص و الجهلة والأغبياء بالقصاص العادل ، ولكنها تتجاهل كثيرا من الجرائم التى تقترف ضد الفقير باسم الثروة .

حتى النظام الخفى كان لابد له أن يتأثر بنظم التشريع والاقتصاد والاجتماع . فقد تواضعت الجماعة على تقاليد سمتها مكارم الأخلاق ، من هذه أن يبذل الانسان ليقيه ما يستطيع أن يبذل من حسن السمعة وجمال التربية ، ومن هذه أن يكون عفيفا مؤدبا ، ومن هذه أن يحسن الانتفاع بأوقات فراغه . لكن أتى للطبقة المعدمة كل ذلك ؟ إن مكارم الأخلاق كان لا بد لها أن تقتصر على الطبقة الوسطى أو الطبقة الغنية ؛ أما الطبقة المحرومة قانها نمكانها شططا إذا ألزمناها بإتباع مكارم الأخلاق ، لأن مكارم الأخلاق هذه قد أنكرت على الفقير حق الحياة ، وبررت الجرائم التى تقترف ضد الفقير باسم الثروة .

أجل ! هناك جرائم يقترفها الأغنياء ضد الفقراء ، لكن القانون لا يأخذهم بها . هناك جرائم لا يقترفها السكارى ولا الجهلة ولا المرضى ، وإنما يقترفها قوم أوتوا المال وأوتوا الجاه المريض . أما أكبر هذه الجرائم فهى البطالة . وإذا كان العمل واجبا على كل فرد فقد جرى نظامنا الاجتماعى والاقتصادى على احتقار العمل اليدوى . بل وأصبح للأغنياء من الامتيازات ما يجعلهم أ كبر من أن يعملوا بأيديهم . فأصبحت طبقة الأغنياء عاطلة يتمتعون بالبطالة ويتمتعون بالدمة ، من غير أن يحاسبهم القانون على

ذلك ولنستمع إلى برنارد شو حين يعرض قضيته هذه ، فهو يقول :

" إن أ كبر الامتيازات التى يدعيها الأغنياء وأشدها عدوانا وأهمها ضررا هو أن يتمتعوا بالبطالة من غير أن يكون من القانون رادع لهم . ومثل هذا الامتياز قد أصبح لسوء الحظ ثابتا بحيث إننا نعتبره مما نقضى . طبائع الأشياء . بل إننا لنعجل صاحبه او صاحبته لأنه أصبح من لازمات السيدات والسادة . ولو فكرنا قليلا لرأينا أن كل من يستهلك البضائع أو يستفيد من خدمات الناس

عليه أن يصنع بضاعة تكافئ ما أخذ أو يقوم بخدمة تكافئ ما تقبل . أما إذا استفاد ولم ينتج شيئا ولم يقم بأى خدمة فإنه يسئ إلى الجماعة مثل ما يسئ السارق إليها . والحق أن هذا هو معنى السرقة . نحن لا يخطر لنا فى وهم أن نسمع للناس أن يقتلوا ، أو يخطفوا الأولاد ، أو يقتحموا المنازل الخاصة ، أو يغرقوا ويحرقوا ويدمروا ما فى البر والبحر ، أو يطالبوا باعقائهم من الخدمة

العسكرية . كل ذلك بسبب أنهم ورثوا مزرعة ضخمة أودخلا سنويا يبلغ الألف من الجنيهات . لكننا على الرغم من ذلك ما يزال نتسامح فى التبطل ، وهذا فى نفسه يحدث من الأضرار مالا تحدثه كل الجرائم التى تعاقب عليها فى العالم جميعه خلال عشر سنين ".

مثل هذا التبطل جعل للطبقات العادلة مكانا حقيرا فى هذا المجتمع ، حتى لقد أصبح العمل - وهو رسالة الانسان فوق ظهر الأرض -سمة من سمات المهانة والصغار . وفى مثل هذه الحال يعيش العمال والمنتجون فى ظروف أخس من ظروف العبودية . كان الرق فى الزمن القديم على اقتناء الأنامى" كما تغتنى الأنعام والسواتم . لكن الوالى كانوا مضطرين الى أن  يقدموا للأرقاء الغذاء والملبس والمسكن . ذلك لان صاحب الرقيق كان كصاحب اليهم

والسوائم تماما . فهذا يحاول أن يغذى خيلة وحيره وماشيته حتى تصح فتنتج له ما يريد ؛ وكذلك كان المولى مضطرا إلى أن يقوم بحاجات عبيده ، فيقدم لهم الغذاء واللبس والسكن لكى يصحوا فيعملوا له ما يريد . لكن العامل فى المدينه الحاضرة أقل شأننا من الحيوان الأعجم ومن الأرقاء، فى العصر القديم ، لأن صاحب العمل يستغله لبضعة دريهمات وهو غير مسئول عن غذانه ولا عن ملبسه ولا عن مسكنه . والعامل مضطر إلى أن يرضى بهذا الوضع ، لأن العمل ككل شئ آخر فى حياتنا الاقتصادية خاضع القانون العرض والطلب . فهو إن رفض أن يعمل فسوف يطرد ، وهو إن طرد فسوف يجوع ، فكأنما أصبح العامل من خوف الفقر فى فقر ومن خوف الجوع فى جوع .

تلك جملة من الأفكار التى ذهب إليها برنارد شو فيما يتصل بنظامنا الاقتصادى . ولا تحسين أن اشترا كيته عملية بسيرة التنفيذ ، لأن دونها تغيير الآلة الرأسمالية الهائلة التى تدور فى هذا العالم ؛ لكنها أفكار !! هى رياضة فكرية تفقهنا فى بعض الشرور التى يخترم جسم هذا المجتمع الذى نعيش فيه . ولعل مثل هذه الأفكار الاشتراكية هى التى صبغت الديموقراطية الحديثة ؛ ولعل من آيات هذه الديموقراطية أنها أتخذت لها مثلا مما دعا إليه برنارد شو .

أما إذا أردت أن تقدر مثل هذا الطابع الاشتراكى فى الديموقراطية الانجليزية ، فاعلم أن زعيما من زعمائهما وهو و اخرى مكدونالد قد تولى رآسه الوزارة مرتين ، وأن مقدار المال الذى صرف على الخدمات الاجتماعية فى انجلترا بلغ أكثر من ١٨٦ مليونا من الجنيهات فى سنة ١٩٢٨ ، وأن رنارد شو نفسه قد أصبح بفضل دعايته الاشتراكية من أصحاب الملايين .

( بنى سويف )

اشترك في نشرتنا البريدية