الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 167الرجوع إلى "الثقافة"

برنارد شو

Share

١ - نشأته:

لسنا نريد أن نتحدث عن برنارد شو كما يتحدث الناس عن الناس ، إنما نريد ان ندرسه دراسة عميقة ، لأنه ظاهرة غريبة بين مؤلفي هذا الجيل وناقدية هو ظاهرة لأنه نشأ في عصر من عصور الجمود الاجتماعي والسياسي

حين كانت قد استقرت في العالم المتمدن كثير من قيم الخلق . فكان في هذا العصر ثورة دفاعة يريد أن يتحلل من تلك القيم . وهو غريب في هذا العصر لأنه أتي بأفكار وآراء خالصة صادقة ، لكنه لفقها في أثواب تبعث على الضحك وتثير السخرية والاعجاب . لقد ولد في

أيرلندة ، لكنه حاول أن يتهكم على بناة الأمبراطورية البريطانية . وهو ناقد ، لكنه يري أن الأدب ينبغي أن يكون دعاية عنيفة . وهو متدين يدعو إلي الفضيلة ، لكنه لا يؤمن بالأديان كما يفسرها أصحابها . ثم إنه غني رزق بسطة من الجاه والمال ، لكنه اشتراكي يري الا منجي لهذا العالم حتي تسود المساواة في توزيع الثروة وهو

شيخ بلغ الخامسة والثمانين ، لكنه ما يزال فنيا يعمل كما كان يعمل وهو في الثلاثين . وهو بعد ذلك كاتب مسرحي ، وموسيقي بالفطرة ، وفيلسوف ومهرج .

لقد أساء الناس فهم برنارد شو ، لأنهم رأوا فيه وجها واحدا من الوجوه التي ذكرت . رآه بعضهم في ثوبه المزركش البراق ، فحسبوه مهرجا اراد ان يضحكهم فأضحك ، واقبلوا على مسرحياته يدرسون فيها أسباب الضحك وأصول الدعابة . واتهمه آخرون بالألحاد ، لأنه حاول أن يفرق بين الدين الصحيح وبين التدين . وطالبه كتاب بأن يتخلى عن المال الذي كسب ، لأنهم لم

يستطيعوا ان يوفقوا بين مبادئه الاشتراكية وبين مكاسبه الطائلة ، وازور عنه الكثير من أبناء بريطانيا ، لأنهم لم يجدوا في كتاباته ما يؤيد مبادئهم القومية وذهب بعض النقدة الفرنسيين إلى انه لم يكن أصيلا في أسلوبه الفكه الساخر ، لأنه لم يكن إلا مقلدا لكتاب ساخرين سلفوا من قبل ، أشهرهم فولتير وعلى الرغم من كل ذلك فينبغي أن تري الرجل كما يريد هو أن يراه الناس ؛ فقد سم نفسه في كتابه عن الاشتراكية " مفكرا محترفا "

وعندنا أن مثل هذا الوصف يجمل الرسالة التي ألزم نفسه بها . فهو رجل إذا قد احترف التفكير ، وما دام قد احترف التفكير فيجب أن ندرس نواحيه جميعا كما يدرس التفكير .

ولد برنارد شو في دبلن عاصمة أيرلندة في ٢٦ يوليه سنة ١٨٥٦ من عائلة كريمة قليلة المال . وكان أبوه الابن الأصغر لبعض علية القوم ، لكنه لم ينل من الارث إلي ما يناله أمثاله الأبناء الصغار حسب القانون الانجليزي وأسرة كريمة مثل هذه أخني عليها الدهر كان لا بد لها أن تلتزم علي الرغم من فافتها كثيرا من أوضاع الطبقة الوسطى . وكذلك ولد برنارد شو في بيت يتكلف أهله

ما ليس من شأنهم ، ويتظاهرون بما ليس في طاقتهم . وقد أحيل ابوه إلي المعاش وهو في الأربعين ، وحاول أن يستبدل بمعاشه بعض المال ليتاجر فيه ، لكنه أسرع إليه الإفلاس ، فلجأ إلي الخمر وأسرف في تعاطيها أما أمه فقد كانت سيئة الطالع ، تحاول دائما أن تصلح من شأن زوجها ، ولكن هيهات ! على أنها كانت موهوبة لها غرام عظيم بالموسيقي . فكانت تلجأ إلي هذا الضرب من ضروب الفن لترفه عن نفسها ، ولتخفف مما يحيق ببينهما من الفاقة وسوء العشرة .

وقد كان لكل ذلك آثار عميقة في حياة برنارد شو ، سواء أكان في نشأته الأولى أم في حياته وهو رجل ثم

كهل ثم شيخ طاعن في السن . ذلك بأن هذا العبث الذي رآه في والده قد انشأ عنده فكرة خاصة عن الدعاية . ففي مثل ذلك الجو كان يبدر من أبيه الكبير ما يبدر دائما من السكاري . فكان ذلك يثير عند الطفل الناشئ شعور السخرية والعبث . ويحكى لنا برناردشو عما كان يفعله أبوه في تلك الايام ، فهو في مرة يأتي إلي المنزل وقد تأبط اوزة تحت إحدي ذراعيه ولحما ملففا تحت الذراع الأخرى ثم

يحاول ان ينطح باب البيت براسه كي يفتحه لكن الباب لايفتح . وينطح براسه ثم ينطح حتى تتيمح قيمته ويهي راسه ، لكن الباب لا ينفتح ايضا . ثم يغبق الرجل من أثر الضرب فإذا به واهم وإذا الباب على قيد خطوات منه ، وإذا به كان ينطح الحائط يحسبه بابا ولم يكن بالباب ؛ ومثل تلك المناظر كانت أدعي إلي الرثاء ، لكن جورج

برنارد شو كان يتخذها وسيلة للسخرية فهو قد كان يري الجانب الفكة من أحزان أبيه وامه . وهو قد كان لا يري في حياة الفقر والفافة التي عاشها إلا صورا من الصور الضاحكة التي رسمها فيما بعد ، وهو لم يكن من الأولاد الذين يرون المآسي في توافه الامور ، بل لقد كان يري المآسي نفسها من توافه الأمور

أهو بهلوان ذلك الذي تقمص روح هذا الفتي الناشئ ؟ ام هو عفريت من الجن يحاول دائما أن يقهقه إن هذا الشعور الساخر هو الذي يمميز كل ما كتب برنارد شو وكأنما قد استطاع وهو صبي أن يكون لنفسه أسلوبا خاصا اتخذه حين يكتب قصصه ومسرحياته ومقالاته . وسوف                     يشب هذا الفتى فتتفتح عيناه على أحزان والام مكدسة بعضها فوق بعض . سينظر إلى الفقر والجهل والتعصب

الأعمى ، وسيري الظلم والعنت والإرهاق وسيكون لشكل ذلك أثر بالغ في نفسه ، لكنه سوف يتخذ من الدعابة قوة تقصف بكل هؤلاء . سيسخر من أوهام العامة ؛ وسينكر على الخاصة ما يحبون وما يكرهون وسيدب إلي مستتر النفوس فيكشف ما بها من عداء للخير وولاء للشر

وسيكون كما كان الانبياء الاولون عرضا لسوء الفهم وسوء التقدير وسوء المقالة

لكن الجو المنزلي الذي عاش فيه برناردشو كانت تتجاوب فيه ألحان الموسيقى . وامه الوفية هي التي كانت قد أغرمت بهذا الضرب من ضروب الفن وكان للسيدة حلقة من الخلان تضم النساء والرجال ، وكان كل واحد منهم قد اشرب قلبه حب ذلك الفن الجميل . وكانوا يكونون من أنفسهم جوفة تعرف على مختلف الالات ؛ فهذا يضرب على القيثارة ، وذلك يعزف على البيان ، وأخري تغني وهكذا .

وكان لابد ليرنارد شو أن يتأثر بهذا الجو أيضا ، فنشأ وفي نفسه ميل إلي الغناء والموسيقي ، وكان لهذه النشأة وزن كبير في توجيهه ، لأنه كان ناقدا موسيقيا قبل أن يكون ناقدا مسرحيا ، ولانه تكسب بالنقد الموسيقي قبل أن يتكسب بالنقد المسرحي ، ثم إن ملكته الوسيقية قد نشأت أسلوبه

النثري وعدات منه حتى أصبح واضحا متسقا) زد على ذلك ان أمه نفسها قد اضطرت إلي أن تموله بين العشرين والثلاثين ، وقد كانت تتكسب من تعليم الموسيقي في هذه الفترة الطويلة . وكأنما قد كان للنشأة الموسيقية أكبر الفضل على برنارد شو في حياة أمه وفي حياته الخاصة

لكن لهذه النشأة أثرا آخر في حياة هذا الرجل الكبير فعلي الرغم من تلك الضحكات التي كانت تدوي في انحاء ذلك البيت المتداعي ، وعلى الرغم من دقات الموسيقى التي كانت تتجاوب بين جدرانه ، فقد كان ينشأ في نفس هذا الصبي اليافع شعور خبئ . لقد تنكر لأهل البيت كل من كانوا يعرفونهم من علية القوم ، وضاق بهم الأثرياء

من ذوي القربي : تذكروا لهم وضاقوا مهم لان رب البيت سكير ممن في السكر ، ولان ربة البيت لا تعني بتدبير الأمر كما كان ينبغي . لذلك شعر هذا الفتي بالذلة والمسكنة وصفار النفس ، وعلم أن الناس يحتقرون أباه وأمه ، وعرف كذلك أنه في مركز اجتماعي صغير . مثل هذا الشعور ولد في نفس برناردشو حياء ما يزال يلازمه في قرارة

النفس حتى اليوم . كان حييا لانه شعر بالحياء وهو صبي يتأثر ، لكنه حاول بعد ذلك أن يعوض عن هذا النقص النفسي ، فإذا به يتظاهر بالصفاق والكبرياء ولأنه كاتب عام ومفكر محترف فقد عالج حياءه بمظاهر الغرور والصفافة ، وربما تمادي في كل ذلك ، حتى أصبحت جرأته الظاهرة مضربا للامثال . فليس برنارد شو ممن يختلط بالناس ويري بينه وبينهم صلات الودة والتحاب . ولكن في نفسه ازورارا عن الناس نشأ معه وهو طفل حينما رأي أنه في أسرة كريمة قليلة المال ، وفي مركز تافة يحاول دائما أن يستعلي به ، وفي مهانة يجاهد دائما في التحلل منها

وقد أرسل برناردشو إلي المدرسة كما يرسل غيره من الصبية ، لكنه ما لبث أن تبين أنها لم تخلق له ولم يخلق لها . لقد كانت نشأته الأولى في منزل أبويه في ديان ، وكانت تربيته الآخر في شوارع لندن . أما حياته المدرسية فلم

تكن إلا فترة اضطربت لها تربيته ، ولم يكن يثنيه في المدرسة إلي مدرسيه ، ولم يكن يعبأ بتلك المعارف التي تقال من أفواههم ، ولم يكن يعني بما تفرضه عليه المناهج والكتب . وكانما خلق هذا الفتي وقد أوحي إليه أن يعلم نفسه بنفسه . لذلك قرأ وهو ما زال فتي " ألف ليلة وليلة " وروبنسن كروزو وقصص سكوت وديكنز ومارك نوين وشعر بيرون وسينسر . وغني وهو يقارب العشرين بكتب أهمها كتاب داروين عن أصل الأنواع وكتابا ستبوارت مل عن الحرية والحكومات السياسية وبحث في الطبيعة ولو أنه لم يقرأ شيئا في الرياضة

واشتغل كاتبا في شركة لبيع الأراضي وهو في الرابعة عشرة ، واخذ مرتبه يعلو حتى بلغ الثمانين جنيها في السنة حينما استشرف على العشرين . ثم كان ان شعر بهاتف يدعوه إلى لندن ، وكان ان رأي ان ذكاءه يكاد ان يتعافى في ذلك الحجر الضيق الذي اطمأن إليه ليكسب رزقا ميسرا محدودا . وحينما نازعته النفس إلى قلب الامبرا اطورية

العظيمة لم يفنا أن استقال من الشركة التى هو فيها ، وقصد إلي لندن حيث لحق بأمه التي كانت تتكسب من تعليم الغناء والموسيقي . وكذلك غادر برناردشو دبلن في سنة ١٨٧٦ ، لكنه سيظل تسع سنوات أخرى من الجهاد الدائم والكفاح المضني حتى يجد لنفسه مرتزقا . سيظل تسع سنوات أخري يطعم ويلبس مما تجود به عليه أمه من دراهم معدودات تقتنصها من أيدي تلامذتها في الموسيقى .

لكن شيئا يجب أن نذكره عن برنارد شو قبل أن نلاحقه إلي لندن ، ذلك أنه زار سجن موتنجويMountjoy  Prisonوهو فتي . وقد رأي المسجونين في روحاتهم وغدوانهم مكبلين بالسلاسل والأصفاد ، وعرف فيهم القسوة والعنف ، ورأي في حرسهم كثيرا من الفظاظة والغلظة . وقد انطبعت هذه الصورة في خياله وما زالت تتوضح حتي انعكست في كثير مما كتب . وإذا كان قد قال فيما بعد عن هؤلاء المجرمين : " إنه من المستحيل أن نصلحهم ، ومن العبث أن نعذبهم ، ومن الخطر أن نطلق سراحهم " فإن المشكلة قد بذرت بذورها في نفسه حين كان يغادر باب السجن إلي الهواء الطلق

وشيء آخر يجب أن نذكره قبل أن نلاحقه إلي لندن : ذلك أنه كان قد نشأ وبنفسه حب عميق للحيوان . فقد نشأ في بيت فيه كلاب وببغاء وكان يصحب الكلب ويتحدث إلي البيبغاء كما يتحدث الاناسي للآناسي . ولمثل هذه الصلة بينه وبين الحيوان وزن كبير في تقدير فلسفته بوجه عام فقد كان يشعر ان الإنسان والحيوان كليهما مظهر من مظاهر الخليقة ، ويقول إنه يتحدث إلى الحيوان بنوع من الحديث قد ابتدعه ، ويخال أن الكلاب مثلا تستمع إليه ولو أنها لا تدرك مما يقول إلا قليلا . وهو يبتهج حينما تسكن إليه الطير الرعاديد - كل ذلك وجه برناردشو إلي نوع من التصوف . ففكر في الحيوان ثم فكر ، وانتهى إلي نتائج كان من بينها إيمانه بالتطور الابتداعي

Creative Evolution وكان من بينها حدية على الحيوان  حتى حرم قتله ، وحرم على نفسه لحمه ، ودعا إلى التخلي عن الصيد لأنه رياضة وحشية ، وانكر على الأطباء والعلماء أن يشر حوا بعض أنواع الحيوان وهي حية . حينما تذكر الدين الذي اعتنقه برنارد شو ينبغي لنا أن تذكر انه نشأ محبا للحيوان وأن حبه هذا هو الذي انتهى " إلى الايمان بهذه القداسة التي حاط بها تطور الخليقة

غادر شو أيرلندة  في إبريل سنة ١٨٧٦ ، وقد آن لنا ان نبحث حياة ايرالندة السياسية والاجتماعية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ، حتى نقدر الأثار التي خلفتها هذه الحياة العامة في نفس هذا الصبي اليافع وقد كانت تمتاز الحياة فيها بالفقر المدفع الذي شاع في كل مكان . كانت البلاد قد رزقت بمجاعة في سنة ١٨٤٠

وما بعدها أتت على الأخضر واليابس ، وكانت ما تزال ترزح تحت أعباء الفقر والفاقة بعد ذلك بثلاثين سنة لقد انقضت المجاعة ، لكنها خلفت الأرض عقيما لا تنتج ، وخلفت الفلاح الأيرندي في حاجة إلى السماد الذي لا يجد وإلي البذور التي لا يستطيع ان يستصدر ، حتى البطاطس الذي كان يعتمد عليه عامة الناس لم ينبت ، ولذلك فقد هاجر من أيرلندة كثير من أهلها ، قصد بعضهم إلى أمريكا ، وقصد آخرون إلى أستراليا ونيوزيلند وكان أهل هؤلاء وأولئك ينتظرون المساعدة من أقاربهم المهاجرين

وقد زاد هذه الحال بؤسا النظام الذي جري عليه العمل في أرض أيرلندة . ذلك أن أغلب ملاك هذه الأرض كانوا من الانجليز . وكان هؤلاء يعيشون في انجلترا نفسها لا يكادون يفكرون في أملا كهم إلا إذا قصر وكلاؤهم في جباية الإيجار . كان الأمر إذا في أيدي

بضعة من الوكلاء الذين لا يرحمون ولا يشفقون ، وكان هؤلاء إذا حاولوا إصلاحا فانما على حساب هذا الفلاح البائس وكذلك استنزف هذا النظام كثيرا من حيوية الزارع الايرلندي ، وشر ما يصيب الفلاح أن يبتلي بمالك يريد أن يأخذ ولا يعطي ، وأن يستغل من غير أن يستصلح . لذلك كان الفقر الأيرلندي ظاهرا في كل وجه من وجوه الحياة . وكان لا بد أن يتأثر رجل حساس مثل برنارد شو بمظاهر الفقر التي تنظرت له في كل طبقة وفي كل مكان .

وكثير من الأيرلنديين في النصف الأخير من القرن التاسع عشر لم يرضوا بكل هذه المظاهر العادية . لكن مفكريهم انقسموا قسمين : أما القسم الأول فهو فئة من الزعماء السياسيين أنكروا ذلك وعزوه إلي الحكومة فطالبوا بالاستقلال الذاتي . وتزعم هؤلاء بارنل Parnell

وكانت تنطوي هذه الحركة السياسية على المطالبة بكثير من الاصلاحات فيما يتصل بمليكية الأرض وإصلاحها . وأما الفريق الآخر فقد هاجروا من أيرلندة إلي انجلترا باحثين عن الرزق والجاه في وقت معا . هاجر إليها

أو سكاروايلد وجورج مور وكونان دويل ولورد نور نكاف ولورد كنشنر . كل هؤلاء وعشرات آخرون هاجروا من إيرلندة إلي انجلترا ، وقد هاجر برنارد شو مثلهم في سنة ١٨٧٦ ، ولم يرجع إلى أيرلندة إلا بعد ذلك بثلاثين سنة في زيارة قصيرة قام بها في سنة ١٩٠٥ نزولا على رغبة زوجه ، لا لشئ آخر

فلا تحسبن إذا أن مولد برنارد شو في أيرلندة قد بث في نفسه غاطفة القومية الأيرلندية . إنه يستوي وجميع من ذكرنا في أنهم لم يشعروا بالوطنية العنيفة التي يحركت في قلوب الزعماء السياسيين ، ثم يكن لأيرلندة في سنة ١٨٧٠ وما بعدها شخصية ثقافية او فنية خاصة تمتاز بها عن

أجزاء الجزائر البريطانية . ولم يكن لها مسرح قوي مثل الذي نشأ فيما بعد . وكانت أفكار الأيرلنديين لم تزل في حاجة إلى التنظيم والتدبر . لذلك درجات الطامحون من أبناء ايرلندة على ان يغادروها إلى حيث يستطيعون ان يجدوا مجالا لما يحسنون من الكتابة أو الصحافة أو القيادة وقد فعل برنارد شو مثل ما فعل الاخرون . وقد اتهمه

بعضهم في مبلغ حبه لأيرلندة ، فأجاب على ذلك قائلا " كنت واحدا من اتباع الفن الأوربي ، والفن الأوربي يتضمن الأدب الانجليزي والموسيقي الألمانية والتصوير الايطالي والهولندي . في سنة ١٨٧٦ لم تكن ايرلندة ظهرت في أي صورة من الصور . فإذا كانت قد ظهرت منذ ذلك الحين ، فان ذلك خير لها وأجدي " .

إذا فنحن امام رجل عرف الفقر في البيت الذي شب فيه ورأي اباه السكير وقد تنكر  له أهله ، وعاش مع أمه التي لم تكن تعني بشئون البيت إلا بمقدار . نحن أمام رجل عرف الفقر في المدينة التي عاش فيها وفي البلاد التي قضى فيها شبابه الأول . ولا حد أنه قد رأي الحقول وقد صوح نبتها ، ولا بد انه قد رأي جماعات الايرلنديين وهم يتنهافتون على بعض المال الذي يرد إليهم من

أبنائهم وآبائهم المهاجرين في أمريكا واستراليا ، ولا بد انه قد سافر بين دبلن وبينها من بلاد الجزيرة ، فتحمل وعثاء السفر على عربات تجرها الحمير . ولا بد أنه قد سمع بالغارات التي كان يشنها الناس على مواشى الأغنياء وممتلكاتهم . لا بد أنه رأي كل ذلك وسمع به . وقد تخرج من كل ذلك وهو عدو للفقر لدود ، وتكونت منذ ذلك الحين اكثر آرائه الاقتصادية ، فنشأ اشتراكيا قبل أن يقرأ كارل ماركس .

(بني سويف )

اشترك في نشرتنا البريدية