الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 291الرجوع إلى "الثقافة"

بروسيا الشرقية

Share

إذا صرفنا النظر عن الحرب الدائرة في فنلنده ، نرى الزحف الروسي يتجه من الشرق نحو الغرب ، في قطاعات مختلفة ؛ لكل منها وجهة وغاية ومسلك خاص يسير فيه الهجوم . ففي الشمال زحف على حدود لاتفيا ، وجهته الساحل البلطي عند مدينة ريجا ، وقد كان هذا الهجوم عنيفا أول الأمر ، ثم قلت حدته بعد ذلك نوعا ما ، ثم عاد إلى الإشتعال من جديد .

وإلي الجنوب من هذا القطاع يزحف الروس في أرض لتوانيا ، بعد ان استولوا على مدينة قلتا ، وقد اخذت جيوشهم تظل العاصمة اللتوانية ( كوفنو ) . وهذا الطريق ينتهي بلاشك إلى الطرف الشمالي من بروسيا الشرقية ، وإلى موانئها المعروفة ميمل وكونجسبرج وإلينج ؟ وقد يقضي بعد ذلك إلي دنزج ، تلك البلدة الجميلة المشئومة ، التي اقترن اسمها بالأسباب التي اثارت هذه الحرب الشعواء ، كانها هيلانة طروادة ، حسنا وفتنة وشؤما ، ووبالا علي بني الإنسان .

وجنوب هذا القطاع زحف ثالث يتجه نحو الشطر

الجنوبي من بروسيا الشرقية ، وقد تجاوز هذا الزحف مدينة جرودنو الحصينة ، التي أخلاها الالمان من غير قتال ، وبذلك اقترب الروس من بروسيا في هذا الموضع أكثر مما اقتربوا في القطاع السابق . ولقد كان زحف الروس هنا أسرع منه في أي قطاع آخر ؛ فإنهم لم يكادوا يستولون على منسك ، حتى أخذوا  يندفعون نحو الغرب من غير تريث او تمهل . ولقد كان الاستيلاء على منسك ذاتها عملا عجيبا ؛ لأن الروس تركوا شطرا من الجيش الالماني وراءهم ، وخلفوا جيشا روسيا لمحاصرة القوات الجرمانية المتخلفة ، ولم تتم تصفية هذه القوة إلا بعد سقوط منسك ذاتها بزمن ؟ ولا شك ان هذا دليل على أن للروس قوات احتياطية عظيمة . ولذلك استطاعوا ان يمضوا في ذلك الزحف السريع ، بأن يخصصوا جيشا لمحاصرة المدن أو القوات المتخلفة ، دون أن يعطل هذا من الزحف العام الماضي لطيته

وجنوب قطاع منسك - جرودنو ، نري قطاعا عجيبا ،

كنا نظن أن الحرب ستكون فيه أكثر ركودا وهدوءا . ذلك هو إقليم مستنقعات نهر بريت ؛ وهذا النهر عبارة عن رافد يجري في النهاية إلي نهر دنيير بالقرب من مدينة كيف . ولكنه في مجراه الأعلى في بولنده وفي غرب روسيا ، يجري - أو يكاد يجري - في أرض سهلة ، قليلة الانحدار ، فتكثر فيها المستنقعات في مساحة واسعة ، تكون قطرا عظيما ، قليل السكان ، قليل المدن والقري . والجيوش الحديثة بعدتها الثقيلة تتحامي مثل هذا الاقليم ، وتتجنبه ما استطاعت إلي ذلك سبيلا ، وذلك ما فعلته ألمانيا في زحفها منذ ثلاثة أعوام ولكن الروس قد اقتحموا إقليم المستنقعات ، بأن انقضوا عليه من الشمال ، واستعانوا بالزوارق النهرية . حتى تم  لهم الاستيلاء على ( بنسك ) ، وهي المدينة الوحيدة الهامة وسط هذه المستنقعات ولم يكد يتم لهم الاستيلاء عليها ، حتى اندفعوا نحو الغرب بسرعة عظيمة ؛ حتى اشرفوا على حصن برست ليتوفسك الشهير . وطريق هذا الزحف هو الطريق المباشر المفضي إلي وارسو وفي النهاية يفضي إلي العاصمة الالمانية . فإن مدينة بنسك وترست ووارسو وبرولين تقع كلها على خط عرض واحد تقريبا . وكلما اتجه الروس نحو الغرب ابتعدوا عن المستنقعات ، وبلغوا الأقاليم ذات التربة الجافة

ولهذا القطاع شعبة تتجه نحو بلدة ببالستوك إلي الشمال من برست ، ولكن وجهتها لا تكاد تختلف عن الاتجاه العام لهذا القطاع الأوسط .

وفي الجنوب قطاع خامس ، لم يبدأ الزحف فيه إلا منذ نحو اسبوع ، وهو في الطرف الجنوبي من أوكرانيا ، وإلى الشمال من جبال الكربات ، زحف الروس هنا نحو مدينة لبرج ) او لفوف ( ، فإذا كانت بغيتهم ان يتابعوا الزحف نحو الغرب ، فإن الطريق هنا يجتاز مسالك لا يخلو من المرتفعات والمنخفضات ، ويفضي في النهاية إلي كرا كاو ، المدينة البولندية العظيمة ، ثم إلى الإقليم الصناعي الآلماني في سيليزيا العليا .

تلك هي القطاعات الخمسة ، التي يشتد الزحف الروسي

في كل منها ، وبسرع في احدها تارة ، ويهدأ في الأخرى ، طبقا لما تفضي به الحرب . ولا شك أن هناك تفاوتا عظيما بين هذه القطاعات ؛ وان بعضها - إذا نجح فيه الزحف الروسي نجاحا باهرا له اثر اعظم في تقرير مصير هذه الحرب ، والتعجيل بانتهائها . وربما كان القطاع الخامس المتجه نحو سيليزيا العليا ، او القطاع الأوسط الموجه نحو برلين ، هو من الناحية الحربية والاستراتيجية ، أجل خطرا من سائر البلدان ، واحق ان ترقبه وان نتتبع انباءه .

ولكن أكثر الناس اليوم مهتم بأنباء القطاع الشمالي ، المتجه صوب بروسيا الشرقية ، مع أن نتائجه الحربية قد تكون أقل خطرا ، وذلك لأن قطاع جرودنو بوجه خاص قد قرب الجيش الروسي من ارض المانية . والدنو من حدود اية ارض المانية هو في ذاته امر يلفت العقل ، لانه شئ غير مألوف ، وكان الناس يعدونه شيئا بعيد الاحتمال  فقد انقضت عشرات السنين ، دون أن يقترب جيش أجنبي من حدود ألمانيا . وانقضت الحرب العالمية سنة ١٩١٨ بهزيمة المانيا ، ولكن ارض المانيا ظلت سليمة ، لم يقترب منها جيش ، اللهم إلا فترة قصيرة من الزمن ، وذلك عندما توغل الجيش الروسي في أوائل تلك الحرب داخل الحدود الألمانية . وفوق هذا فإن أشخاصا كثيرين - حتى من المحايدين - يردون أن يروا الحرب تدور في أرض ألمانيا ذاتها ، لكي يروا ، هل يخرب الالمان مدنهم اثناء تراجعهم ، ويحرقون قراهم ، ويدمرون كل شئ يصلح للعدو ، كما كانوا يفعلون في أرض غيرهم . من أجل هذا نري متبعى الأنباء في كل قطر لا يعنيهم القطاع الجنوبي بقدر ما تعنيهم أنباء الزحف على حدود الأرض الألمانية

والأرض الألمانية ، التي يزحف عليها الروس من موضعين ، هي بروسيا الشرقية ، وهي إقليم فذ فريد بين جميع الأقطار الالمانية . فهو فريد لانه افرد عن سائر المانيا وغصل عنها بمعاهدة فرساي ، وامتد بينه وبين سائر المانيا ذلك الممر البولندي الشهير ، الذي انشئ ليمكن لبولنده من الاتصال بالبحر . وهو فريد لانه من الأقاليم القليلة

في أوربا التي كثر عليها التطاحن والتشاحن ، وارتوت تربتها بالدماء أجيالا طويلة . ومع أنه ليس إقليما غنيا ، فإنه هو وطن الأرستقراطية الحربية الجرمانية ، وذلك بحكم نشأته وتطوره التاريخي .

تقع بروسيا الشرقية ما بين نهر النيمن في الشرق ، والفستولا في الغرب على وجه التقريب ؛ ولها إقليم صغير في شرق نهر النيمن ، تعودنا ان نطلق عليه إسم إقليم ميمل ، وذلك تبعا لاسم البلدة الوحيدة الهامة فيه ، وهي مينا ميمل . فقد رأي الحلفاء بعد الحرب الماضية ان يهبوا إقليم ميمل لجمهورية لتوانيا ، لانه يشتمل علي ميناء ، وليس للجمهورية ميناء آخر صالح لتجارتها ولاتصالها بالعالم الخارجي . وإقلم ميمل هذا ضئيل المساحة قليل الخطر بالنسبة لبروسيا الشرقية ولالمانيا كلها ، ولكنه عظيم للجمهورية الناشئة ، ولبروسيا الشرقية مواني أجل واعظم ؟ مثل تلست على نهر النيمن ، وكونجبرج وإلينج وغيرها . ويرغم هذا فإن زعيم ألمانيا وجه إلي حكومة لتوانيا إنذارا في مارس سنة ١٩٣٩ بأن تسلم إقليم ميمل ، فلم يسع الجمهورية الصغيرة إلا الامتثال .

وليست بروسيا الشرقية إقليما كبيرا ، فمساحتها لا تتجاوز . . ٤٠٠٠٠ من الكيلومترات المربعة ، وسكانها لا يتجازون الثلاثة الملايين . ولكن لها موقعا ممتازا ، فهي تمثل امتدادا عظيما ، نحو الشرق ، للاراضي الألمانية . وقد انتشرت الجماعات الجرمانية في العصور الوسطى على السواحل الشرقية للبحر البلطي ، ولكن الانتشار في بروسيا لم يكن مجرد انتشار ساحلي ، بل توغل بري ايضا . وفي اثناء الهجوم على روسيا كان لمكان بروسيا الشرقية المتقدم فائدة عظيمة ، لأنه تمكن من حشد الجنود ، وتركيز العدة الحربية في نقطة متوغلة في أرض العدو . ولهذا السبب نفسه نري اليوم ان هذا الإقليم بالذات هو أول الأقطار الالمانية تعرضا للغزو الروسي ، كما كان هو المعرض لزحف جيوش القيصر الروسي في أغسطس سنة ١٩١٤ .

ومن المفيد أن تعرف كيف انتشر الألمان نحو الشرق إلى هذا المدي البعيد وكيف استطاعوا ان يجعلوا من

بروسيا الشرقية وطنا لهم . إن البروسيين القدماء لم يكونوا من الجرمان ، بل كانوا جيلا من الصقالبة الوثنيين ، وفي القرن التاسع والعاشر اخذت المسيحية تنتشر في الغرب وفي سهول المانيا وبولنده ؛ وبذلت جهودا كبيرة لتنصير أولئك البروسيين فذهبت كلها عبثا ، وظلت جموعهم على وثنيتها وهمجيتها إلى القرن الثالث عشر .

وتاريخ بروسيا الشرقية مرتبط أشد الارتباط بتاريخ الفرسان التيوتونيين . الذين لا تزال تقاليدهم راسخة في البلاد إلي اليوم . وإليهم يرجع الفضل في تحويل الإقليم إلى النصرانية ، وصبغته بالصبغة الجرمانية

والفرسان التيوتونيون عبارة عن جماعة او طريقة او " مذهب " من المذاهب الدينية العسكرية ، التي نشأت في أثناء الحروب الصليبية في أرض فلسطين . وقد نشأ المذهب التيونوني في أوائل القرن الثالث عشر بالقرب من عكا ، في وقت انتشر فيه الطاعون بهذه المدينة ، فتاسس المذهب المذكور للعناية بالمرضي ، ومعالجتهم ؛ وقد ظلت العناية بالمرضي وإنشاء المستشفيات جزءا هاما من اعمال الفرسان التيونونيين ، ولكنهم لم يكونوا مجرد رجال وجهتهم الشفاء من الداء ، بل كانوا ايضا رجال حرب ، يعملون للفتح والغزو ، ونشر المسيحية بسن الرمح وحد الحسام ، وكانت اكسيتهم البيضاء تخفي تحتها دروعا من الفولاذ . وانتشر المذهب وكثر أعضاؤه في الأرض المقدسة ، وفي بلاد الألمان نفسها ، حتى كان له رئيس اكبر في فلسطين ورئيس جرماني في أوربا .

في عام ١٢٢٨ دعي ابطال المذهب إلى تدمير البروسيين ، وباركت السدة البابوية خطاهم ومسعاهم ، فاندفعوا يعملون السيف في أولئك الوثنيين ، حتى اخضعوهم أو قتلوهم . ولا شك أن عددا كبيرا من البروسيين قد لقي حتفه في هذا القتال الطويل حتى ليزعم بعض غلاة المؤرخين أن جميع الرجال قد قتلوا عن آخرهم . . ومهما يكن من شئ فان الغزاة لم يكتفوا بالفتح والغزو ، بل اخذوا يستعمرون القطر ، ويجلبون له المهاجرين الالمان من الزراع والتجار ورجال المدن . وأخذوا ينشئون الحصون

الضخمة ، التي كانت من غير شك شديدة المنعة في زمانها وأعظمها حصن مارينبرج على نهر فستولا ، وهو مقر الرئيس الأكبر .

وقد كان مقر الرئيس الاكبر للمذهب التيوتوني أول الأمر في عكا ؛ فلما فشلت الحروب الصليبية في الشرق ، وسقطت عكا في عام ١٣٠٨ ، انتقل هذا الرئيس إلي مارينيرج ، وتقلد زعامة الحكم ، بعد ان كانت معظم السلطة في أيدي وكيله الرئيس الجرماني . واصبح لهذا الرئيس الأكبر بلاط كبلاط الملوك ، يحيط به الرؤساء والوزراء .

ووزعت الأراضي في بروسيا بين الفرسان ، واصبح كل منهم اميرا في مقاطعته وقلعته ، ومنهم تالقت الإرستقراطية العسكرية التى لا تزال من اهم ما يمتاز به ذلك القطر الشرقي الذي بات قطرا جرمانيا خالصا ، تحكمه طبقة ارستقراطية قليلة النظير في أي جزء آخر من الوطن الألماني الأصلي

كان الاستيلاء على بروسيا الشرقية أكبر عمل قام به الفرسان التيوتونيون ؛ وكان جزءا من تلك الحركة الهائلة التي اشتهرت باسم " الزحف إلي الشرق "   التي امتاز بها التوسع الالماني من القرن الثاني عشر ؟ والتي لا تزال شعارا يلجأ إليه الالمان كلما حداهم الشوق إلي التوسع والاستعمار .

ولا شك أن النجاح الباهر الذي صادفه الفرسان من جهة ، وما قد يبدو في اعمال طائفة منهم من العدوان والغطرسة من جهة اخري قد اوغر صدور جيرانهم ، مثل المملكة البولونية في الجنوب ، ومدن هنزا في الشمال . وفي عام ١٤١٠ دارت معركة بين الفرسان وبين جيش بقيادة ملك بولنده لادسلاوس . وقد التقي الجبشان في تاتنبرج بيروسيا الشرقية ، وامكن لملك بولنده ان يسحق جيش الفرسان ويمزقه كل ممزق . وكانت هزيمة لم تقم لهم بعدها قائمة كهيئة منظمة ذات سيادة .

وانتهزت العناصر المختلفة التي كانت تبغض الفرسان هذه الفرصة ، والفت اتحادا سمته ) العصبة البروسية "

وكان قوام العصبة المدن البحرية مثل كونجبرج ودانزج وجماعات القسس ، والنبلاء الوطنيين وغيرهم . وهؤلاء قد اتفقوا فيما بينهم ، وارسلوا وفدا الى ملك بولنده ليعرض عليه ان يضم بروسيا كلها إلي ملكة .

ولكن ملك بولنده اكتفي بأن يضم بروسيا الغربية ودنزج وبلدانا اخرى ، تاركا للفرسان بروسيا الشرقية يحكمونها تحت إشرافه ورعايته .

وظل رئيس المذهب التيوتوني يحكم مقاطعة بروسيا الشرقية ، مع الخضوع الرسمي لبولنده ، إلى ان الت بروسيا الشرقية بالوراثة إلي امير برائدنيرج ، ومقره في برلين ، في عام ١٦١٨ . ومنذ ذلك الحين اصبحت جزءا من الملكة التي أطلق عليها فيما بعد اسم مملكة بروسيا ، وعاصمتها برلين .

وهكذا تقلبت الظروف على بروسيا الشرقية ، ومرت عليها الأحداث الكثيرة .كان مجدها القديمم قد زال عنها ؛ فإنها لا تزال وطن الفروسية الألمانية ، والنبلاء ، العسكريين ، الذين يحنون دائما إلى إثارة الحروب وخوض غمار القتال . ولقد أتت أجيال على الأرض البروسية وهي حليفة حرب دائمة . وليس في الأراضي الألمانية كلها قطر شهد من الحروب ، وارتوي من الدماء بقدر ما لقي هذا القطر .

وفي عام ١٩١٤ كان أول هجوم روسيا القيصرية على المانيا في بروسيا الشرقية ، وقد توغل الجبش الروسي حتى اقترب من حدودها الغربية ، ثم لقى بعد ذلك هزيمته المشهورة في معركة تاتنيرج الثانية .

واليوم تدنو الحرب مرة أخري من بروسيا الشرقية ، ولكنها ليست حربا بين جيشين يسعي كل منهما للقاء صاحبه ، بل هي حرب جيش روسي بتقدم من الشرق ، وجيش المائى يحارب متراجعا نحو الغرب . وقد طال امر هذا التراجع ، حتى بات من الصعب أن نلتمس له ذلك العذر القديم ) وهو التراجع طبقا لخطة موضوعة . والايام المقبلة . كفيلة أن ترينا إذا كان الجيش الآلماني سيقف امام حدود وطنه ليذود الغزاة عنه ، أم يستمر تراجعه إلي ما وراء بروسيا الشرقية .

اشترك في نشرتنا البريدية