عتاب:
أخذ على بعض الأصدقاء من القراء الكرام أنني في هذا الوقت الذي تقف فيه بريطانيا ضد أمانينا القومية وحرياتنا قد امتدحت الخلق البريطاني؛ بل أنني أفضت في الثناء على البريطانيين وكان العكس أوجب. وقد سرني عتابهم هذا ولكني وجهت إليهم السؤال التالي: (أتعتقدون أن البريطاني غير مخلص لوطنه؟ وهل تشكون في تضحيات البريطاني من اجل وطنه؟ فكان الجواب بالنفي. قلت (إن بريطانيا عظيمة لان أبناءها مخلصون لها.) وإذا أردنا نحن أن نسود في أوطاننا وان نسترد ماضي مجدنا فعلينا أن نقوي عزائمنا وان نوحد صفوفنا وان نقبل على التضحية كما كان يفعل أباؤنا وأجدادنا
وأمر أخر احب أن الفت النظر إليه، وهو انه ليس من الخير لنا أن نتغاضى عن عيوبنا، وان نتجاهل أسباب قوة أعدائنا, فيكون مثلنا كمثل النعامة التي تخفي رأسها وقت الخطر وتعتقد أنها بهذا قد أصبحت آمنة.
وأمر ثالث احب أن أذكره؛ وهو إن هذه المقالات تتسم بسمة البحث العلمي، والبحث العلمي يجب أن يكون بعيداً عن
الأهواء الوطنية والعواطف السياسية، ومن ثم فأرى لزاماً علي أن أعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله؛ وإذن فيجب علي أن امتدح البريطانيين حين يستحقون المدح، وان أهاجمهم اشد الهجوم حين يستحقون ذلك. ولا يستطيع إنسان كائناً من كان أن يبرر عدوان بريطانيا علينا واحتلالها لأراضينا وعملها على فصل جنوب الوادي عن شماله، وتشريدها لعرب فلسطين بمؤازرتها لليهود، ولكني احب أن أقول لقومي:
السيف اصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
وأنا اعد حضرات القراء بأنني قبل أن اختتم مقالاتي عن بريطانيا سأعقد فصلاً خاصاً عن علاقتنا بها وكيف يجب أن تقوم. مشكلات
ولعل حضرات القراء يوافقونني على أننا متخلفون عن ركب الحضارة قرناً كاملاً، وأننا في عصرنا الحاضر نواجه مشكلات واجهتها الأمم الأوروبية في القرن التاسع عشر وتغلبت عليها. ولعل من الخير لنا أن نعرف كيف تغلبت أوربا على هذه المشكلات حتى ننتفع بتجاربها ونستفيد منها.
تنقسم المشكلات التي نواجهها إلى قسمين: ١: مشكلات سياسية وقومية وأهمها الوحدة والجلاء، وسأتناولها بالبحث حين أتحدث عن ألمانيا وإيطاليا.
٢: مشكلات اقتصادية واجتماعية وهي ناشئة عن دخول مصر في الدور الصناعي، وسأتناول فيما يلي البحث في الانقلاب الصناعي في إنجلترا والمشاكل التي قامت بسببه وكيف عالجتها وتعالجها إنجلترا.
الانقلاب الصناعي:
يقول أن أحد المؤرخين (إن الناس قد ظلوا حتى أواخر القرن الثامن عشر يفلحون أرضهم وينسجون ملابسهم وينشرون أخشابهم ويصنعون قواربهم كما كان يفعل قدماء المصريين.) وهذا القول صحيح من غير شك ؛ولكن الجزء الاخير من القرن الثامن عشر قد شاهد انقلابين خطيرين وخطرين جداً؛ وهما في الواقع أساس الحضارة الحديثة.
أما الانقلاب الأول فهو الثورة الفرنسية، فهذه الثورة هدمت الأنظمة السياسية والاجتماعية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، وأقرت الحرية والإخاء والمساواة في الحقوق والواجبات للناس جميعاً، وكذلك أقامت مبدأ سيادة الشعوب إذ قررت إن الأمة مصدر السلطات. وهكذا بدأ قيام الديمقراطية الحديثة.
أما الانقلاب الثاني فهو الانقلاب الصناعي، وهذا الانقلاب ليس أقل تأثيراً في حياتنا المعاصرة من الانقلاب الأول، بل ربما كان اعظم منه أثرا واشد منه خطراً. ذلك انه في الوقت الذي كان رجال الجمعية الوطنية في فرنسا يثيرون اهتمام الناس بخطبهم ومبادئهم الجديدة، وفي الوقت الذي كان نابليون يشغل أذهان الأمم والدول بحروبه ومعاركه، كان هناك رجال يوجهون اهتمامهم إلى المرأة التي تدبر المغزل في منزلها، وإلى النساج الذي يحرك نوله في بطء، وإلى عمال المناجم وهم يكافحون المياه التي توشك أن تغمر مناجمهم، وقد ظل هؤلاء الأبطال في جهادهم حتى اهتدوا إلى اختراعات غيرت أساليب الصناعة وبالتالي غيرت مجرى حياة الإنسان. وقد كان أهم هذه الاختراعات من غير شك استخدام البخار في إدارة الآلات وفي تسير القطارات والسفن البخارية
وقد كان من أهم نتائج هذه المخترعات انتقال الصناعة من المنزل إلى المصنع، وانتقال المصانع إلى المواطن التي يكثر فيها الفحم والحديد، فإن من الحديد تصنع الآلات، وبالفحم تسير هذه الآلات.
وفيما يلي أهم نتائج الانقلاب الصناعي: ١: نمو مدن مزدحمة بالسكان: ذلك أن الصناعة وقد انتقلت من المنزل إلى المصنع تركزت في مناطق الفحم مما أدى إلى هجرة كثيرين من العمال الزراعيين إلى المراكز الصناعية، وقد أغرتهم زيادة الأجور نسبياً في المصنع عنها في المزارع.
٢: أدى هذا إلى نقص كبير في الأيدي الزراعية العاملة ، وقد حلت هذه المشكلة باستخدام الآلات الزراعية الحديثة.
٣: سوء حالة العمال في المناطق الصناعية بسبب قلة أجورهم وسوء مساكنهم وانتشار البطالة بينهم وإرهاقهم بالعمل.
٤: ظهور الطبقات رأس مالية كان يملك أربابها المصانع والآلات، وقد عمد هؤلاء الرأسماليون إلى استغلال العمال إلى تنمية أموالهم وزيادة أرباحهم، ولم يلبث هؤلاء طويلاً حتى نافسوا كبار الزراع والتجار في ميداني الحياة السياسية والاجتماعية.
٥: زيادة الإنتاج مما أدى بدوره إلى نشاط التجارة، فمثلاً كانت تباع منسوجات منشستر في ملبورن وفي الصين وفي غيرها.
٦: تحسن طرق المواصلات والنقل.
٧: تسابق الدول إلى الاستعمار لتضمن موارد المواد الخام والأسواق.
٨: ظهور نهضة فكرية رائعة،وزيادة الاتصال بين انحاء العالم، وظهور آراء اقتصادية حديثة أهمها مبدأ حرية التجارة الذي نادى به آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم) .
٩: وجدير بي أن أذكر إن إنجلترا كانت اسبق الأمم إلى الانقلاب الصناعي الأسباب: أهمها زوال النظام الإقطاعي منها قبل غيرها، وثانياً لأنها استطاعت في أثناء عصر الثورة الفرنسية ونابليون أن تسيطر على أسواق العالم التجارية، ولذلك عملت جاهدة بعد انتهاء هذا العصر على الاحتفاظ بسيطرتها التجارية على هذه الأسواق.
١٠: ازدياد عدد السكان في إنجلترا زيادة خطيرة.
الاشتراكية:
على إن اخطر نتائج الانقلاب الصناعي كان ظهور الاشتراكية، فقد قاسى العمال أهوالا كثيرة بسبب قلة أجورهم وازدحامهم في المراكز الصناعية وسكناهم في مساكن غير صحية واضطرارهم إلى العمل ساعات طويلة مضنيةداخل المصانع، مما دفع كثيراً من المفكرين إلى العمل على وضع حد لإرهاق العمال وتحسين حالتهم.
وقد نبتت الفكرة الاشتراكية في رأس بعض رجال الثورة الفرنسية، وأنا أحب أن أنقل هنا ما قاله أحد رجالها وأسمه بابيف Baboeaf فقد ذهب إلى الطبقات الفقيرة لا يهمها أي تغير بقدر ما يهمها ان توفر لها اسباب الحياة الكريمة حيث
قال: (عندما أنظر إلى الفقراء فأجدهم محرومين من الكساء والأحذية التي يقومون بصنعها، وعندما انظر إلى تلك الفئة القليلة العدد التي لا تعمل، ومع هذا فهي ليست في حاجة إلى شيء لان كل شيء ميسر، أومن إن الحكومة إن هي إلا مؤامرة قديمة قامت بها الأقلية ضد الأغلبية.)
واقترح أن تستولي الحكومة على الأراضي وموارد الثروة، وان تعمل على استغلالها لمصلحة الشعب وطبقاته جميعاً.
ورغم إعدام بابيف فقد ظلت مبادئه حية في أذهان الفرنسيين لدرجة إن بعض اتباعه نادوا بها من جديد عند قيام ثورة بولية ١٨٣٠ في فرنسا. وقد أذيعت هذه المبادئ في إعلانات طبعت ١٨٣٢ جاء فيها:
(أننا لا نريد انقلاباً سياسياً وإنما نريد انقلاباً اجتماعياً. إن التوسع في الحقوق السياسية وفي الحقوق الانتخابية وفي إقامة حق الاقتراح كلها أشياء جميلة؛ ولكن غايتنا الرئيسية أن يكون هناك توزيع عادل لأعباء، الدولة ولما يجنيه أبناؤها من فوائد. أننا نبغي إقامة حكم عادل يكفل تحقيق المساواة لجميع أبناء الدولة.)
وقد كان من ابرز زعماء الاشتراكية في النصف الأول من القرن التاسع عشر روبرت اوبن الإنجليزي ولوي بلان الفرنسي، ولكن (كارل مركس) الألماني يعتبر واضع الاشتراكية الحديثة
ولد كارل ماركس ١٨١٨ وتربى في جامعتي بون وبرلين، ولكنه نفي من وطنه بروسي (ألمانيا) بسبب آرائه الحرة، وفي منفاه وضع كتابه (رأس المال) the Capitaie واهم الآراء التي جاءت فيه:
١: أن طبقات الأمة المحظوظة هي التي قبضت على الحكم في الماضي، وان طبقة الممولين والرأسماليين من أصحاب المصانع هي الطبقة المحظوظة الحديثة، أما العمال فهم ضحايا الرأسماليين. وتنبأ ماركس بان طبقة العمال سيقوى نفوذها حتى تصبح الطبقة الحاكمة، وعندئذ تقوم الدولة الاشتراكية. (ولاحظ إن رئيس وزراء بريطانيا الآن هو زعيم حزب العمال) .
٢: كان العمال حينذاك محرومين من حق الانتخاب، وقد تنبأ ماركس بان العمال سينالون حقوقهم الانتخابية وسيصبحون نواباً، وحينئذ يصبح في مكنتهم إصدار التشريعات اللازمة لمصلحتهم، وأهمها أن تضع الدولة يدها على موارد الثروة ووسائل الإنتاج مثل المناجم والمصانع ووسائل النقل والأراضي الزراعية، وتستغله لمصلحة الشعب وهو ما يعرف الآن بالتأميم. وجدير بنا أن نلاحظ إن حكومة العمال تعمل على تحقيق ذلك في بريطانيا.
٣: عدم وجود فوارق اقتصادية بين الطبقات، وقد تساءل ماركس (لم يدخل الحياة طفلان أحدهما له امتياز على الآخر ؟ أحدهما يملك العزب والضياع والمصانع، والأخر لا يملك شروى نقير؟) .
٤: استنكر ماركس أن يعيش بعض الأفراد عالة على الشعب، وقرر إن جميع الأفراد يجب أن يؤدوا عملاً للدولة، وإلا يكونوا عالة على المجتمع.
٥: يجب أن تسيطر الأمة على رءوس الأموال.
٦: يجب أن يكون التعليم بالمجان لجميع أبناء الدولة. وقد انتشرت هذه المبادئ في أنحاء أوروبا كان لها اثر كبير في الحياة الأوروبية المعاصرة. فقد آمنت بها إنجلترا فنال العمال حق الانتخاب، ثم اصبح منهم النواب وتولوا حكم بريطانيا. ومن غير شك تعمل حكومة العمال على تحسين حالة العمال وعلى تقليل الفوارق بين الطبقات، فنراها تفرض الضرائب التصاعدية التي قد تصل إلى ٩٥ % من دخل بعض الأفراد، ونراها تعمم نظام التأمين الصحي والاجتماعي، وتيسر التعليم لجميع أبناء الشعب، وتعمل على تأميم موارد الثروة والإنتاج، ولا عجب فإن حزب العمال يؤمن بان (الغرض الحق من المجتمع هو أن يرفع ويحفظ كرامة ورفاهية الفرد) وبان من حق العمال على الدولة أن يعيشوا كراماً.

