الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 937 الرجوع إلى "الرسالة"

بريطانيا العظمى

Share

ديمقراطية:

لعل السؤال التالي يجول بخاطرك أيها القارئ الكريم: من  يحكم إنجلترا؟ أهو مليكها أم رئيس الوزراء أم مجلس العموم أم  مجلس اللوردات؟ وأنا أجيبك عن هذا السؤال فأقول: إن  مجلس العموم هو الذي يحكم إنجلترا؛ ذلك أن مجلس العموم  يمثل الشعب البريطاني أصدق تمثيل، ورئيس وزرائها لا يستطيع  أن يبقي في مركزه يوماً واحداً إذا قبض هذا المجلس عنه ثقته،

وإذن فمصدر السلطات جميعا هو الشعب البريطاني، وأما ملك  إنجلترا فإنه حسب التقاليد يملك ولا يحكم، وأما مجلس اللوردات  فهو مجلس تقليدي ليس له من الأمر شئ.

وأحب أن أضرب للقارئ مثلاً عن الديمقراطية في بريطانيا  وهو مثل قريب جداً إلى الأذهان، ولكنه يبين لنا إلى أي حد  يعتبر مجلس العموم ممثلاً للشعب البريطاني، ويوضح أيضاً مدى  الحرية التي يختار بها هذا الشعب نوابه وممثليه. إننا جميعاً نذكر  أن مستر تشرشل زعيم حزب المحافظين كان رئيساً للوزارة  البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، وإننا نذكر أيضاً ذلك  المجهود الجبار الذي قام به حتى أنقذ بريطانيا من أشد أزمة مرت  بها في تاريخها، ومع هذا فعقب انتهاء الحرب ١٩٤٥ أجريت  الانتخابات لمجلس العموم وأدار دقتها مستر تشرشل، وسقط  مرشحوه أي مرشحو المحافظين ونجح مرشحو حزب العمال  وأحرزوا الأغلبية في مجلس العموم، فانتقلت الوزارة من يد  تشرشل المكافح العظيم والمناضل الكبير إلى يد مستراتلي زعيم حزب العمال لان الشعب يرغب في ذلك , ولم يطمن المستر  تشرشل في نزاهة الانتخابات طبعاً، ولم يرم الشعب البريطاني بالجحود وبنكر ان الجميل، وسلم بالأمر الواقع مطاعاً مختاراً!

ومثال آخر أحب أن أسوقه للقرئ الكريم. دعي مستر  تشرشل لحضور مؤتمر بوتسدام في صيف ١٩٤٥ باعتباره مندوباً عن بريطانيا - وكان هذا المؤتمر يضم مندوبي الدول العظمي,  ولكن مستر تشرشل لم يذهب الي المؤتمر بمفرده , بل اصطحب معه المستر كلمنت أنلي زعيم المعارضة ورئيس حزب العمال. لماذا؟  لأن إنجلترا كانت مقبلة على انتخابات، وربما جاءت الانتخابات  بما لم يشته مستر تشرشل - وهذا ما حدث فعلاً - وانتقلت  الوزارة إلى العمال، وإذن فيجب أن يكون زعيم العمال على علم بما  يجري في المؤتمرات الدولية.

وهكذا نرى أن بريطانيا تعتبر بحق زعيمة الدول  الديمقراطية. إن جميع أفراد الشعب البريطاني البالغين رجالاً  ونساء ينتخبون ممثليهم أو نوابهم إلى مجلس العموم في حرية تامة،  وهؤلاء النواب هم الذين يقيمون الوزراء وبدون تأييدهم تسقط  الوزارة، وإذن فالشعب البريطاني ممثلاً في نوابه هو الذي

يحكم بريطانيا.

وتعتبر بريطانيا أعرق الأمم الدستورية الحديثة , ولكني احب ان اذكر ايضا ان الانظمة الدستورية قامت لأول مرة في  التاريخ في بلاد اليونان وكان ذلك منذ آلاف السنين، ومازالت  الأنظمة الديمقراطية اليونانية تعتبر خير مثال للديمقراطية.  وكذلك أحب أن ألفت النظر إلى أن النظام الحكومي الذي قام  في الإسلام منذ قيام الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه  وسلم حتى نهاية عصر الخلفاء الراشدين كان نظاماً ديمقراطياً  سليماً، فقد كان الخلفاء الراشدين ينتخبون كما ينتخب رؤساء الجمهوريات  في عصرنا الحالي تقريباً، وكانت سلطتهم مقيدة بقيدها القرآن  الكريم وهو الدستور المسلمين وخوف الخلفاء من المولى سبحانه  وتعالى. استمع إلى قول عمر بن الخطاب وقد طلب إليه أن  يرشح ابنه عبد الله ضمن المرشحين للخلافة بعده   (يكفي بني  الخطاب أن يحاسب منهم عمر.)  وإلى قوله   (والله لو عثرت  بغلة بأرض العراق لسئل عمر عنها يوم القيامة. لم يعبد لها  الطريق؟)  وهكذا كان الوازع الديني أكبر مقيد لسلطة الخليفة.  كانوا يستشيرون الصحابة في مهام الأمور بل إن النبي صلوات  الله عليه كان ذلك؛ وقد خاطبه المولى سبحانه وتعالى قائلاً    (وشاورهم في الأمر) .

ولعل مما يعطينا فكرة عن الديمقراطية الإسلامية أن نقرأ  خطبة أبي بكر عقب انتخابه خليفة   (أيها الناس إني قد وليت  عليكم ولست بخيركم، فإن كنت على حق فأعينوني، وإن كنت على  باطل فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيته فلا  طاعة لي عليكم.)

وأجب أن أذكر أيضاً أن المبادئ التي تقوم عليها  الديمقراطية الحديثة وتفخر بها الحضارة القائمة قد جاء بها الإسلام  الحنيف، فقد قرر الإسلام الحرية والإخاء والمساواة بين الناس  جميعاً لا فرق في ذلك بين عربي أو حبشي. (إن أكرمكم عند الله  أتقاكم1) . لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى2. (إنما  المؤمنون أخوة)  فهل يعترف علماء الغرب بهذه الحقائق الواضحة

وهل يرد الفضل لأهله؟

على أننا حين نعرض لتاريخ الديمقراطية الحديث لابد من  أن نعترف بأن بريطانيا تعتبر أعرق الأمم الديمقراطية الحديثة،  فقد سعى الشعب البريطاني إلى تقييد سلطة ملوكه وحكامه منذ  بدء العصور الوسطى، فقد كان الأشراف يحكمون الولايات  والمقاطعات وكانت هناك مجالس نيابية بدائية في القرى3 والمقاطعات4 وقد تطورت هذه المجالس ونشأ منها مجلس بمثل  الشعب البريطاني ويعرف بمجلس العقلاء wltan5

وقد حدث بعد هذا أن دخلت بريطانيا في الديانة المسيحية  الكاثوليكية وسرعان ما قام نضال بين الملوك والكنيسة حول  الاستئثار بالسلطة مما اضطر الملوك إلى الاستعانة بالأشراف  لمقاومة نفوذ الكنيسة وبدأ بذلك قيام العهد الإقطاعي في إنجلترا.

الفتح النورماندي

في عام ١٠٦٦ غزا وليم الفاتح دوق نرمنديا في فرنسا  إنجلترا وهزم ملكها   (هارولد)  في موقعة   (هستنجس)   وأصبح ملكاً لإنجلترا. وقد أراد وليم أن يقضي على سلطة  الأشراف فجمع الفلاحين وحلفوا له يمين الولاء والطاعة  ولكن الملوك الذين جاءوا بعده كانوا ضعافاً. وكان الملك جون    (يوحنا)  ملكاً ضعيفاً ميالاً إلى الظلم والغدر فقد أملاكه في  فرنسا فثار عليه الشعب وخاصة الأشراف ورجال الدين وأرغموه  على أن يوقع   (البعد الأعظم)  ١٢١٥the mange carlaوأهم  الحقوق التي اكتسبها الشعب بمقتضى هذا العهد:

١: لا يجوز للملك أن يقبض على شخص أو أن يسجنه أو  ينفيه أو يصادر أملاكه أو يحرمه من حقوقه إلا إذا حوكم أمام  محكمة مؤلفة من نظرائه. وفي هذا تحديد لسلطة الملك وبدء قيام  نظام المحلفين.

٢: لا يجوز للملك فرض ضرائب جديدة بدون موافقة  البرلمان وفي هذا تحديد لسلطة الملك التشريعية.

٣: ليس الملك أن يعبث بالعدالة فينكر حق فرد أو يؤخره  على أن نصوص العهد الأعظم لم تكن واضحة حلية ولذلك  اختلف الملك والشعب في تفسرها وحاول كل منهم أن يفسرها  لمصلحته ; وقد استطاع الشعب ان يتوسع في هذا التفسير حتي اصبحت هذه الوثيقة تعتبر أساس حرية الشعب البريطاني

وجدير بي أن أذكر بهذه المناسبة أن الدستور البريطاني  دستور غير مكتوب، وأنه عبارة عن حقوق اكتسبها الشعب ولا  يمكن للملك أن يرجع فيها بتاتاً. ومن الطريف أن أذكر أن ملك  إنجلترا كان له حق رئاسة مجلس الوزراء ثم حدث أن تولى  عرش إنجلترا امير الماني لم يكن يعرف اللغة الانجليزية فحضر  بعض جلسات المجلس، ولكنه لم يكن يفهم شيئاً مما يدور في  المجلس، وبذلك امتنع عن حضور جلسات المجلس، ومنذ ذلك  التاريخ فقد ملك إنجلترا حقه في رئاسة جلسات مجلس الوزراء

وأعود إلى مواصلة البحث فأقول إنه منذ عام ١٢١٥  والشعب البريطاني دائب على كسب حقوقه، وكلما حاول أحد  الملوك الخروج على نصوص العهد الأعظم ثار الشعب في وجهه.  وقد أراد هنري الثالث فرض ضرائب جديدة فثار الشعب. وفي  ١٢٦٥ اضطر هذا الملك إلى دعوة برلمان يضم نوابا من الأشراف  ورجال الدين وفارسين عن كل مقاطعة، وبذلك أصبح البرلمان ممثلاً  لجميع عناصر الأمة وقد وافق الملك على أنه لابد من دعوة  البرلمان للاجتماع ثلاث مرات كل عام على الأقل.

وفي عهد الملك إدوارد الأول انقسم البرلمان إلى مجلسين:  مجلس عموم ومجلس لوردات. وفي عام ١٤٥٥ قام نزاع بين أسرة  لنكستر وأسرة يورك وقامت الحروب المعروفة باسم حرب  اللوردتين وانتهى الأمر بفوز أسرة تيودور   (لنكستر)  بعرش  إنجلترا ١٤٨٥.

عهد أسرة نيودور

امتاز عهد هذه الأسرة بتوقف النزاع بين الملوك والبرلمان،  ويرجع ذلك إلى عدة أسباب؛ أهمها رغبة الشعب في السلم بعد هذه

الحروب الطويلة، وانصرافه إلى طلب العلم والمال وتكون  مستعمرات فيها وراء البحار، ولمعرفة ملوك التيودور للخلق  البريطاني ولأنهم لم ينكروا حق البرلمان، فكان البرلمان يعمل  وفق رغباتهم وبذلك انقضى عهدهم في سلام، وأهم تغيير حدث في  عهدهم هو فصل كنيسة إنجلترا عن البابوية في روما

على أن أعضاء البرلمان في نهاية عهد هذه الأسرة أخذوا  يناقشون الملكة إليصابات ويجادلونها وقد اضطرت  الملكة أن ترد على أحدهم قائلة:   (أنكم لم تأتوا إلى هنا لتناقشوا  ولكن لتوافقوا) .

you have not come here to discuss but to agree   على أن هذه الملكة قد ماتت دون وارث ١٦٠٣ وانتقل  عرش إنجلترا إلى جميس السادس ملك اسكتلندا الذي تولي  عرش بريطانيا باسم جيمس الاول , وبذلك تم اتحاد انجلترا واسكتلندا تحت تاج واحد، وبدأ عهد أسرة استورت الذي  امتاز باحتدام النضال بين الملك والبرلمان

اشترك في نشرتنا البريدية