الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 882الرجوع إلى "الرسالة"

بسمارك، تأليف أميل لودوج

Share

لا يكاد الشتاء يأزف حتى يشخص إلى القاهرة الأديب العالم  الأستاذ عادل زعيتر، ولا يكاد يهبط مصر حتى يتساءل المفكرون  والأدباء عما يحمل الأستاذ في وطابه، وكانت رحلة الشتاء هذا  العام مباركة، فقد أتحف الأستاذ زعيتر مكتبتنا العربية بكتب  خمسة ذات قيمة وفيها نفع جليل، وهي حصيلة عام واحد قضاه  في جهد موصول ودأب غير مقطوع؛ إنها (بسمارك) و(الحياة  والحب) لأميل لودج، و(السنن النفشية لتطور الأمم)  و(روح الجماعات)  و(اليهود في تاريخ الحضارات للفيلسوف  الفرنسي غوستاف لوبون.

لقد قرأت (بسمارك) وهو سفر ضخم، طبع في مطبعة  المعارف، وتبلغ صفحاته ٧٨٧ صفحة لم أكد أقرأ أولى فصوله  حتى رأيتني مسوقاً إلى الانكباب على مطالعته، وإذا حدث أن  اضطررت إلى التوقف فما أسرع ما يعاودني الشوق إلى استئناف  القراءة. وأشهد أني أسف حين أوفيت على نهاية الكتاب ووددت  لو استطالت بي المتعة.

يعرف القارئ أميل لودوج كاتب عالمي شهير، امتاز بأسلوبه  الشائق في كتابته سير العظماء، ومن حق القارئ أن يعرف  كذلك أن لودوج، حين يعرض سيرة العظيم، يحرص على أن  يصل بين حياته الخاصة وحياته العامة وصلاً محكماً، زهو ينقل  القارئ إلى صميم بيئة العظيم في غير اصطناع أو تكلف حتى  ليحسبن القارئ نفسه صديقا للبطل أو هو من ذوي قرباه،  ويكون تجاوب بين القارئ والعظيم، فيحاوره ويبين ما يرتسم

على وجهه ويسبر ما ينطبع في ذهنه! ولقد رأيتني ألمس في الكتاب هواجس بسمارك طفلاً،  وأرافقه صغيراً، واجلس على رحلته المدرسية وأزامله رياضياً

وأراقبه موظفا، وأرى ما أرى من تعاليه وكبريائه يافعاً، وأحار  في تراوح الرجل بين الإلحاد والتقوى، وبين الشك واليقين،  ورأيتني أمعن الفكر في التناقض الذي يتجلى في طبيعة بسمارك. . تلك الطبيعة التي لا يرضيها أي مقام. . ثم رأيت بسمارك في  اللندتاغ وسمعته خطيباً، تتبعت حيله، وكان يرمضني أن ألحظ في مطلع  حياته مناوأته للأحرار، ونزعته البروسية الإقليمية، وكدت  أنحاز إلى خصومه لولا ما كان يجذبني إليه من إعجاب بشجاعته  وإقدامه، ولولا تلك المتعة التي كنت أظفر بها حين أقرأ رسائله  التي اتسمت بالبيان المشرق والقول الساحر ووصفه البليغ تلك  المحن النفسية التي كان يعانيها حين يختلف والملك والملكة وولي  العهد والشعب والضباط. . ثم قدرته سياسياً بارعاً حين غدا  سفيراً لبلاده في بطرسبرج فباريس، وأعجبت أي إعجاب بدوره  في قضية شلزويع وهولشتاين وما كان من أمره في حرب النمسا؛  وأكبرته حين قال قولته المشهورة: (أعرف أنني ممقوت ولكن  الحظ متقلب تقلب رأي الناس، وأجازف برأسي، وألعب لعبتي  وإن أسفرت عن سوقي إلى المشنقة، ولن تبقى بروسية ولا ألمانية  كما كانتا ولا بد لهما من سلوك تلك السبيل وصولاً إلى ما يجب أن  تكونا عليه، ولا تجد سوى هذه السبيل!) .

وجاء نصر الله في سادوا ووثبت الوحدة الألمانية أشواطاً،  ورأينا عبقرية بسمارك في حرصه على تجنب ما ينكأ قروح النمسا  من الذكريات الجارحة، وأخذه النمسا المغلوبة بالرفق والهوادة،  ليحول دون توثيق صلاتها بفرنسة، ذلك لأنه أبصر في الأفق  حرباً أخرى سيحمل عليها طوعاً أو كرهاً. . . ورأى التاريخ في  أعقاب ذلك من شجاعة بسمارك وصموده لتهديدات المجلس وريب  الملك ومعارضة الملكة وأركان القصر ودسائس السفراء  ووسوسات المثالين ما دون معه أن هذا العظيم رجل يخضع خياله  لواقعيته فيزن كلامه ويهيئ أفعاله، ويؤثر عظائم الأمور على  الصور، مستعداً للعمل مع أية أمة وأية دولة إذا ما لاءم هذا

هدفه ورأى بسمارك بعد سادوا أن ألمانيا لن تظفر بوحدة أوسع  نطاقاً بغير العنف أو بغير خطر مشترك يثير غضب الألمان كلهم،  فأعد العدة لحرب السبعين. . . ثم كان الفتح المبين في سيدان  وتوج في باريس قيصر بروسيا إمبراطوراً لألمانيا الموحدة  في احتفال وصفه لودوج وصفاً أثار فيه الألم لما لقيه بسمارك فيه  من جحود سيده. ومن هو بسمارك المجحود المنكور أنه (الرجل  الذي يلاعب الدول العظمى في أوروبا ملاعبة الحاوي الماهر)   أنه الرجل الذي رأيناه حديدياً في الشؤون الداخلية وامرن  الدبلوميين كافة في الصلات الخارجية. وكان لودوج يحلل خلال  ذلك نفسية العظيم وآراءه في الكنيسة والبيت والطبيعة والتاريخ  وولعه بالغابات والكلاب، ويأخذ القارئ العجب من  تنبؤات بسمارك واستنتاجاته حول المستقبل حتى ليظن أنه كان  يرى بنور الغيب حين قال عن روسيا: (فالثورة والجمهورية  أمران قد يلمان بروسية في أقرب وقت، وفي روسيا أناس  كثيرون يعلقون آمالهم على كارثة حربية تصاب بها تخلصاً من  النظام القيصري) .

والقارئ يخرج من مطالعة الكتاب قانعاً أن ألمانيا  لو أخذت بآراء بسمارك وسلكت، بعده، سياسته لما أصيبت  بما أصيبت به في الحربين العالميتين الكبيرتين. . . ويقنع القارئ  كذلك، أن من واجب قادة الحركة القومية، وحملة الفكرة  العربية، ودعاة الوحدة العربية أن يقرئوا كتاب بسمارك باني  الوحدة الألمانية، ففيه دروس وعبر. وأحب أن أنصف الأستاذ  المعرب، فأشيد بالجهد العظيم الذي بذله في نقل هذا السفر الضخم  إلى لغة الضاد بلاغة ورواء وفتنة، وأن أنوه باشتقاقاته اللغوية  الموفقة وبقدرته على اكتشاف اللفظ الذي يغني عن الجملة، وأن  أشير إلى أنه أول من قال دبلمي بدلاً من دبلوماسي أو دبلوماتي،  وكلاسي بدلاً من كلاسيكي، والبلطي بدلاً من البلطيكي، فأرجع  كل كلمة إلى أصلها واجتنب تكرر النسبة هذا التكرر الذي  لا يتنزه عنه كبار الكتاب.

وإذا كان لنا ما نأخذه عليه فهو أغراب في كلمات قليلة في  الكتاب لها ما يماثلها في العربية معنى وما يفوقها سلاسة. وبعد  فإننا نعتقد ان الأستاذ الجليل عادل زعيتر قد خدم العربية وزود

- وحده - مكتبتها بما تنوء بمثله عصبة من الأدباء والفضلاء  ذلك لأنه يترجم عن الكتب ما لا تجد لها مثيلات في اللغة العربية،  ومالا ينتظر أن يؤلف مثلها كتاب العربية، وفي لغة إن لم تكن  في مستواها أعلى من الأصلية فليست دونها في حال. . . فمن حقه  إذن أن نهنئه بما أصابه من توفيق عظيم. ومن حقنا أن نتطلع  دائماً إلى المزيد من ثمرات جهده الفذ في إعجاب وتقدير.

اشترك في نشرتنا البريدية