الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 18 الرجوع إلى "الثقافة"

بسم الله الرحمن الرحيم، المستشرقون ورسالة الرسول

Share

نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه أكرم الخلق على الإطلاق ، وأسماهم مقاما ، وأعزهم مكانا ، وأعظمهم شأنا . كتب في عظمته صلى الله عليه وسلم المتقدمون والمتأخرون ، فما بلغوا على اجتهاد المجتهدين منهم كفاء قدره ، ولا جزاء فضله . لكن المتقدمين كانوا أكثر من المتأخرين توفيقا ، وأقوم فيما كتبوا طريقا ، وأصدق نظرا ، وأكثر تحقيقا . وما بالتأخرين قلة استعداد أو فهم ، ولكن بهم غرور وتقليد لعله أصل ذلك الغرور : بهم تقليد المستشرقين فيما كتبوا ، وفي النهج الذي سلكوا حين عرضوا للسيرة ينقدونها ، وللرسول الأعظم بزنونه - زهموا - ويقدرونه . وللنقد آفة يؤتى الناقد من قبلها إن لم يفطن لها ، هي شعور الأشراف والاستعلاء على المنقود . هذه الآفة يصبح قليلها كثيرا وصغيرها كبيرا حين تعرض للنافد في الموضوع العظيم الخطير ؛ فإذا كان الموضوع هو أعظم المواضيع الانسانية قاطبة ، وأكبرها وأخطرها عاقبة ، كموضوع تناول حياة الرسول ، وشخصيته الكريمة بالتحليل - زعموا - وبالنقد ، فان الغرور القليل المعقو عنه في غير هذا يصبح هنا جرما وإنما ، ويفضل إلي الباطل حتما . فإذا اقترن غرور الاستشراق هذا باعتقاد المستشرق من البداية بطلان دعوي النبي المخالفة لدين المستشرق ، فقد ركب الباطل باعتقاده هذا ركوبا يحول بينه وبين لقاء الحق .

فهما احد المستشرف في بحثه بيد ذلك ، فان تلك المقدمة الباطلة التي بدا بها كافية وحدها ان نضله ويخرج به من زور وباطل إلى زور وباطل . ومهما اجتهد في الانصاف بعد ذلك فتلك القدمة التى اعتقد كافية وحدها

لاقحامه في أقبح القلم ، وحمله على أكبر الأثم ، وأي إثم أكبر من تكذيب في الله وخاتم الرسل عليه صلوات الله ؟ من البدء بغير نظر ولا تمحيص ، وتلوين حقائق التاريخ كلها بما يلائم ذلك التكذيب ؟ وأي ظلم في التقدير والحكم أفبح من نسبة الكذب إلي صاحب الدعوي الكبرى ، دعوي الرسالة من الله ، قبل النظر في دعواه ، حتى إذا نظروا وواجهتهم أدلة صدقه صلى الله عليه وسلم عن يمين وشمال ، برأه منصفوهم من تعمد الكذب ليتهموه بالوهم والانخداع في النفس ؟ برأوه من تعمده صلى الله عليه وسلم الكذب على الله في دعوي الرسالة ، ليتهموه بأنه صلى الله عليه كان مخدوعا في نفسه ، يعتقد أنه رسول وهو في الواقع غير نبي ولا رسول ! أي برأوه هو وانهموا الخالق سبحانه الذي حقق كل ما ادعاه محمد بن عبد الله ولم يكذبه في جزئية واحدة في حياته النبوية الممتدة ثلاثة وعشرين عاما ، فإن كان محمد فيما زعموا مخدوعا في نفسه ، فكيف لم يكن مخدوعا أيضا في الناس ، وفي القوي الطبيعية التي لا تخضع لتكهنات مخدوع ولا سلطان مخلوق ؟ فالتطابق التام الذي كان بالفعل بين ما جاء به محمد وبين الحق الخارجي ، والنتائج المحتومة الرائعة التي صارت إليها دعواه ، وتصديقها له في كل ما ادعاء - هذا كله هو البرهان العلمي علي أن دعواه صلى الله عليه كانت من صميم الحق ، تتفق مع كل حق آخر في ميادين الفطرة التي لا حول للانسان فيها ولا قوة . وليس هناك بين الباطل والحق فرق أكبر أو أكثر من أن الباطل لا يصدقه الواقع ، ولا توافقه السنن الفطرية في قليل ولا كثير .

لكن المستشرقين مثل ردول الذين قالوا بصدق محمد

وكذب رسالته لم يكونوا يريدون إحقاق حق ولا إزهاقي باطل ، وإنما كانوا يريدون التوفيق بين دلائل صدقه صلى الله عليه وبين تلك المقدمة التي بدأوا بها ، والتي لو سلموا ببطلانها للزمهم أن يخرجوا من دينهم ويدخلوا في دينه . وهذا بالطبع ما لم يكونوا ليفعلوه . فهم من أجل ذلك يمضون في سبيلهم يشكون فيما شاءوا أن يشكوا فيه من حقائق التاريخ - كما شكوا في أميته صلى الله عليه - من غير برهان ولا مبرر ، ما دامت حقائق التاريخ لا تتلامع مع مقدمتهم التي جعلوها أساسا لبحوثهم . فلما عجزوا عن أن يشكوا في كل حقائق التاريخ ، وبقيت منها بقية صالحة استعلت على شكهم ، وتناقضت مع مقدمتهم التي التفكوا ، آثروا أن يفرضوا أسخف الفروض لبوفقوا بين مقدمتهم وبين الحقائق التي تكذبها . ومن هنا قرضهم الذي افترضوا من أن محمدا كان يعتقد حقا أنه رسول الله من غير أن تكون رسالته نفسها من عند الله ! أي أنه في زعمهم كان واهما محدوعا في اعتقاده ذلك ! بزهمون ذلك من غير أن يسألوا أنفسهم : كيف أمكن أن يتوهم محمد تزول الملك عليه آلاف المرات في نحو ثلاث وعشرين سنة من غير أن يتبين خطأ نفسه أو بتبين أتباعه خطأه ؟ أم كيف أمكن أن ينفق توهمه مع الحقائق الخارجية في تلك السنين الكثيرة وهو صلى الله عليه في حياته النبوية في قرابة ربع قرن لم يكن معزلا العالم في صومعة ، ولكن كان في معمعة الحياة يدعو الناس ويحاجهم ، أو يهديهم ويشرع باسم الله لهم ؟ ثم هم لا يسألون أنفسهم : كيف أمكن أن يتوهم محمد أن الملك يأتيه بكلام من عند الله منجما في تلك السنوات التي تزيد على العشرين في ظروف ليست من صنعه صلى الله عليه ، ثم يكون ذلك الكلام معجزا لفصحاء أمته ، يتحداهم بإعجزه وهم خصومه فلا يملكون لابطال ذلك التحدي شيئا ، مع أنه لم يتحدهم إلا بسورة من مثله ، وفي سوره الكريمة مالا يزيد على ثلاث آيات قصار ؟

والعجيب الغريب في امر اولئك المستشرقين الذين

يكذبون برسالة محمد مع إقرارهم بصدقه هو أنهم بروات القرآن بين أيدمهم بنسبه محمد إلي الله سبحانه ، وضعير المتكلم فيه فيما ليس بحكاية راجع لا إلي محمد ولكن إلي الله سبحانه ، والخطاب فيه موجه تارة إلي محمد وتارة إلي الناس ، وكثير مما خوطب به محمد صلى الله عليه مسبوق فيه بأمر التبليغ ، بكلمة " قل " ، والآيات الكثيرة التي يرجع ضمير المتكلم فيها إلي رب العزة سبحانه لا يمكن أن بتوهمها كاذب يجهل أنه كاذب ، كما يزعم أقرب المستشرقين إلى الانصاف في القرآن آيات مثل : " إنا أوحينا إليك كما أو حينا إلي نوح والنبيين من بعده " ، ومثل : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسي وعيسى بن مريم ، وأخذنا منهم ميثا غليظا . ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما " ، ومثل : " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبلبس ومثلا أخذنا بذنبه : فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خمسنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ؛ وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ، ومثل : " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج " ، ومثل : " إنا خلقنا الانسان من منطقة أمشاج تبتليه فجعلاء سميعا بصيرا - فهذا وأمثاله في القرآن ، بل القرآن كله لا يمكن ، لو كان الاتيان يمثله في طاقة البشر ، أن يتوهمه متوهم وينسبه إلي الله كذبا من غير أن يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب . ومع ذلك فأولئك المستشرقون الذين بزعمون أنهم علميون في نظرهم وفي بحثهم ، والذين تضطرهم حقائق التاريخ أن يقروا يصدق محمد فى اعتقاده رسالة نفسه ، بفضلون أن يجمعوا بين المتناقضين بالقول بصدقه وكذب رسالته في آن واحد ، على أن يستنتجوا النتيجة الحتمية اللازمة فيقولوا بصدق رسالته ما داموا لا يجدون مفرا من القول بصدقه وباعتقاده حقا فى رسالة نفسه وبإيمانه حقا أن القرآن من عند الله .

ولم يكن يخفى عن المستشرقين المكذبين أن محمدا

صلوات الله عليه كان يأتيه القرآن حين يأتيه في غيبوبة عن الدنيا ، فإذا افاق منها صلى الله عليه تلا علي الناس القرآن ، يقول إن الله اوحاء إليه في عيبوبته تلك ، وتحدي مكذبيه أن يأنواع بسورة مثله . لم يكن يخفي عن المستشرقين تلك الحال الخاصة التي كانت تلازم نزول القرآن او توهم يزوله كما يأفسكون ، ولم يكن يخفى عنهم عجز العرب قاطبة عن تحديه وعن الاتيان ولو أقصر صورة فيه ، ومع ذلك لا يجد اقربهم إلي الإنصاف ما يقوله في تفسير هذا كله إلا أن محمدا كان مريضا بنوع من الصرع ! كما يقول ردول وكما يقول لإرح . وليس في الحمق أعرق من الإتيان مثل هذا القول تفسيرا لمثل تلك الحقائق ، إذ ليس في الأرض ناقل لا يعرف أن المرض حالة ضعف لا حالة قوة ، وان من المستحيل ان يأتي إنسان في غيبوبته تالا يستطيعه هو بله نظراءه من الناس في حاله صحوه وصوهم ، وقوته وقوتهم . ومع ذلك فقد اثر أمثال

وشتنجتون إرفنج ان يأتوا بذلك التفسير ظاهر السخف والبطلان ، عن ان يقولوا بالنتيجة المنطقية الختمية ، الأ وهي أن القرآن من عند الله حقا وان محمدا حقا رسول الله .

فالنبي صلوات الله عليه لم ينسق ممن لم يؤمن من المستشرقين إلا ظلما ، وإن تفاوتوا بينهم في مقدار ذلك الظل . ولو كانوا ينكرون الأربان فاطبة ، ولا يسلمون وجود الأنبياء ، والرسل ، لكان ذلك مفهوما مهم إلى حدما . لكيم يسلمون البودة والنصرانية ، ويؤمنون بخبوة إبراهيم وموسى ويسي ودواد وسليمان . فليت شعر العلم والعقل ، ماذا في الاسلام او في القران يجملهم ينكرون نبوة محمد خاصة في الوقت الذي يؤمنون فيه بأنبياء كتب العهدين ؟ بل وفي الوقت الذي يفر أكثرهم فيه بألوهية عيسى صلوات الله على نبينا وعليه ؟

لكنهم مستشرقون ، ومستشرقون على الطراز العلمي الحديث :

اشترك في نشرتنا البريدية