صديقي بشر أديب جليل وبحاثة قدير في الموضوعات التي يديرها سنين في ذهنه ويستقصيها على وجوهها بالبحث والتمحيص على أن الدكتور بشر فارس بعد ذلك لا ينجح في الكتابات الارتجالية ولا يصلح كاتبا ناقدا ولا يفلح في أن يكون صاحب مطالعات ونظرات تفيد (البوادر واللوامع) التي تطوف بالنفس من حين إلى حين. ولا أدل على ذلك مما تجده من التهافت في الكتابات من المرتجلة التي يكتبها
نقول هذا بمناسبة ما كتبه في العدد الأخير من (الرسالة) تعليقا على ردي على نقده لدراستي عن (توفيق الحكيم)؛ وأنت إذ تقرأ كلمته هذه تجده قد انصرف عن الرد على الإشكالات التي أثرتها حول صميم نقده والمآخذ الجمة التي أخذتها على كلمته إلى بحث شكلي يدور حول افتراض اقتباسي لبعض المصطلحات الفنية التي يرى هو أنه استحدثها في اللغة العربية؛ على أنني ألاحظ على هذا الكلام الجديد الذي خرج به ناقدنا المفضال أشياء أجملها فيما يلي:
أولا - يعتقد صديقي بشر وحده دون كل المشتغلين بصناعة القلم في الشرق والغرب أن المصطلحات الفنية التي يضعها كاتب ملك لهذا الكاتب وحده.
ثانيا - هذا الاعتقاد الخاطئ الذي يدين به صاحبنا يتناقض مع الفكرة العلمية التي ترى أن قيمة المصطلحات الجديدة ليس في وضعها وإنما هو في جريها على أقلام الكتاب. والدكتور بشر فارس واقع في هذا التناقض حين يقول: (إني فرحت فرحا شديدا لما أصبته يستعمل في مقاليه بعض تراكيب جرت على قلمي. . . وما فرحي إلا لأني أرى تراكيب اجتهدت في سياقتها تنطلق على الأقلام، وكنت أخشى أن تموت يوم ولدت).
ثالثا - إذا كان الدكتور بشر فارس يرى حياة المصطلحات في جريها على الأقلام، فهل هو يرى من المحتم أن يشير الكاتب فيما كتب إلى مواضع الاصطلاحات التي استحدثها والتي أخذها عن غيره والتي دارت على الأقلام فجاءت على قلمه؟ وإذا كان لا يرى ذلك بدليل أن كثيرا من الاصطلاحات تجري على قلمه وهي ليست له وهو لا يشير إلى أصحابها فيما يكتب، فما معنى ما كتبه في نقده لكتابنا (بعدد الرسالة ٣١٠ ص ١١٧٦) من أن التعبير (جملة صلات اجتماعية) الذي جرى به قلمنا في بحث لنا عن (خليل مطران) أصلا في كتابه (مباحث عربية؟) وما معنى ما كتبه في العدد الماضي من الرسالة؟
رابعا - نسب إلينا الدكتور بشر فارس أننا اقتبسنا تعبير (جملة صلات اجتماعية) منه وأننا لم نحسن استعماله في مجرى حديثنا. وقد رددنا على الوجه الأول فقلنا إن هذا التعبير قد دار على قلمنا قبل صدور كتابه. ورددنا عليه في الوجه الثاني من اعتراضه فبينا وجه اتساق التعبير وموضعه من الكلام.
خامسا- خرج الناقد في رده بسؤال عجيب عما إذا كان ورد في كلامنا في المصدر الذي أشرنا إليه، وهو مجلة المعهد الروسي للدراسات الإسلامية، ما ينظر لتعبير (جملة صلات اجتماعية) في الفرنسية، وهذا تعنت لا معنى له خصوصا وإن الجملة الفرنسية التي تنظر اليها العبارة العربية ليست من خلقه فقد تكرر ذكرها في كتابات العالم الاجتماعي (دوركايم)، وخصوصا في مجموعة محاضراته عن علم الاجتماع في السوربون (ص ١١، ١٣، ٢٤، ٢٦ مثلا) ومن الأعاجيب التي أتى بها الدكتور بشر فارس أنه ذهب يتحدث عن درايتنا بالفرنسية وهل هي تمكننا من الإيمان بمثل هذا التعبير كأن اللغة الفرنسية وقف عليه، وكأن محاضرات (دوركايم) لم يطالعها سواء من الذين لم يرحلوا إلى باريس، ولم يدرسوا في السوربون!
سادسا: قال الدكتور بشر فارس إن عبارة: (توفيق الحكيم يحكم سرد الرواية ويحكم الحوار ويحكم تهيئة البيئة؛ فهو صاحب فن حقاً) التي وردت في موضعين من دراستنا عن (توفيق الحكيم) (ص ٣٥٧ من العدد ص ٣٦٨ س ١٩ - ٢١ من طبعة مجلة الحديث وص ٦٥ من العدد وص ٧٦ س ١٩ - ٢١ من الطبعة الخاصة) مقتبسة منه. ولكن هل اقتبسناها منه ولم نشر إلى مصدر الاقتباس؟ هذا هو الموضوع في الواقع. وأنا اترك الرد على الدكتور بشر فارس في هذه النقطة لنفسه؛ فهو يقول في نقده لدراستنا عن (توفيق الحكيم) في الرسالة (عدد ٣١٠ ص ١١٧٥ س ٢٥) بعد أن يذكر هذه الجملة: وقد استشهد الدكتور أدهم فيما كتبه بهذه الجملة ص ٣٥٧) فما معنى الاستشهاد؟ معناها أن العبارة أسندت إلى الدكتور بشر فارس، وإذا فلا معنى لتعنت الدكتور بشر فارس واتهامنا بالاقتباس الذي يغفل الاستشهاد بالمصدر وإثارة المظنة بكتاباتنا
سابعا: ارتأى الدكتور بشر فارس أن عبارتنا التي جاءت في الكلام عن الرمزية عند توفيق الحكيم (ص ٣٦١ من طبعة مجلة الحديث وص ١٩ من الطبعة الخاصة) ذات أصل من مسرحية (مفرق الطرق) ومن مقال له عن الرمزية في الرسالة وقد يكون هنا له بعض الحق - لا كله - فليس يبعد أن تكون عبارته عن الرمزية قد علقت بذهننا فجرت على قلمنا ونحن نعرض الفكرة الرمزية عند الأستاذ توفيق الحكيم وذلك بحكم قاعدة التداعي. ومما يدل على صحة هذا التفسير ما يرى من التغيير والاستبدال في بعض المصطلحات التي تضمنتها العبارة المذكورة مما يدل على التمثيل Assimilation من حيث إدارة العبارة في ذهننا وتصحيح بعض المصطلحات فيها
وأنا إذ أختم هذه الكلمة لا يسعني - وأنا أرد الأشياء إلى مواضعها - إلا أن أذكر الدكتور بشر فارس بأنني حين أكتب بالعربية فأنا أكتب بلغة غير لغتي الأصلية، ومن هنا بعض ما يجيء على قلمي من التعابير الخاصة لكتاب اليوم استدراكا للمعنى الذي في ذهني من تعابيرهم، ولعل في ذلك بعض ما يعتذر عني في بعض ما رأى وارتأى والسلام

