الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 235 الرجوع إلى "الثقافة"

بعد إلغاء الدولية الشيوعية، التقرب بين روسيا والدول الغربية

Share

كان إلغاء " الدولية الشيوعية " الذي تم نهائيا في العاشر من يونيه الجاري ، إجراء حاسما عميق الأثر في شئون روسيا السوفيتية ، فقد لعبت هذه " الدولية " الشهيرة دورا من أعظم الأدوار في تكييف السياسة الروسية في العشرين عاما الأخيرة ، وكان لوحيها الظاهر احيانا ، والخفي في معظم الأحيان ، أكبر الأثر في سير كثير من الأحداث والإنقلابات الدولية المعاصرة ، وكانت جهودها طيلة هذه الفترة تثير كثيرا من ضروب التوجس والقلق في معظم الدول والحكومات الغربية ، وإذن فلا عجب أن يكون لإلغائها الفجائى أعمق وقع في الدوائر الدولية ، وان تري فيه مجموعة الأمم الديمقراطية المتحالفة مع روسيا ، خطوة موظفة من جانب الكرملين ، وأن تستقبلها بمنتهي الارتياح والرضا

والآن وقد أصبحت " الدولية الشيوعية " في ذمة

التاريخ ، فإنه يجدر بنا ان نستعرض طرفا من تاريخها ونظمها ، وبقاياتها ، ثم الآثار الخطيرة التي تترتب على إلغائها .

كانت الدولة الشيوعية ، ثالثة الهيئات الدولية التي أسست لتوحيد حركات العمال في مختلف الأمم ، وإدماجها في جبهة كفاح موحدة ؛ وكانت نواة " الدولية " جماعة العمل الدولية التي قام كارل ماركس إمام الاشتراكية وزميله فردريش انجلز على إنشائها ، واجتمعت لأول مرة في لندن في سنة ١٨٦٤ ، واستمرت تعقد اجتماعاتها الدورية حتى سنة ١٨٧٢ ، وهذه هي الدولية ، أو الدولية الاشتراكية الأولى ؛ ومع أنها لم تحقق كل ما علق على إنشائها من الآمال ، ولم توفق إلي إنشاء جبهة كفاح دولية فإنها كانت مع ذلك نواة الأحزاب الاشتراكية في كثير من الدول الأوربية

واحتتمت الدولية الأولى حياتها ، وانقطعت مؤتمرات العمل الدولية حينا بسبب الخلاف الذي نشب بين ماركس والزعيم الاشتراكي الروسي باكونين ؛ وفي سنة ١٨٨٩ انتظمت الدولية الاشتراكية الثانية ، واستمرت تعقد مؤتمراتها الدورية حتى سنة ١٩١٤ ، وامتازت جهود هذه الدولية بروح سلمية وإصلاحية ظاهرة ، وكانت تري بجهودها إلي التوفيق بين مصالح العمال وأصحاب الأموال ، وإلي تحقيق ما يمكن تحقيقه للعمال من المنح والمزايا ؟ وقد عقدت آخر مؤتمرانها في أوائل سنة ١٩١٤ ، قبيل نشوب الحرب الكبري ، برياسة رامسي مكدونالد زعيم حزب العمال البريطاني ، واشترك فيه عدة من أقطاب الاشتراكية المعاصرين مثل كارل كاوتسكي الزعيم الألماني ، وبراتنتج زعيم السويد ، وفاندرهلد زعيم البلجيك وغيرهم . وكانت الدولة الثانية ، مذ بدأت نذر الحرب في أفق أوربا ، تجاهد في سبيل اجتنابها ، وتحاول أحزاب العمال التي تنضوي تحت لوائها أن تحمل حكوماتها على تعزيز سياسة السلم ؟ ولكن هذه الجهود ذهبت عبثا ، ونشبت الحرب الكبرى ؛ وكان من أثر نشوبها أن غاضت النزعة الدولية وغلبت النزعة القومية على جميع الأحزاب الاشتراكية ، وركدت ريح الدولية الاشتراكية مدى حين

ولما انتهت الثورة البلشفية بالفوز في أواخر سنة ١٩١٧ ، وقامت حكومة السوفييت الاشتراكية في روسيا ، فكر لنين وصحبه الزعماء البلاشفة في بعث " الدولية الاشتراكية " من جديد ، ولكن على أسس جديدة ؛ وهكذا انشئت الدولية الثالثة " في سنة ١٩١٨ ، واجتمع مؤتمرها الأول في مارس من تلك السنة ، وسميت بالدولية الشيوعية " تمييزا لها من الدولية الثانية التي كان يعتبرها لنين وصحبه هيئة رجعية خارجة على المبادئ الاشتراكية الصحيحة ؛ وأعلن تأسيسها رسميا في سنة ١٩١٩ ، وتقرر ان تمثل فيها جميع الأحزاب الشيوعية في مختلف الدول ،

على يد مندوبين يشهدون مؤتمرانها السنوية في موسكو ، وأنشئت لها لجنة تنفيذية اختير لرياستها زعيم بلشقي بارز هو تستبنوفييف صدين لنين الحميم وساعده الايمن ، فلبث في رياستها أعواما طويلة . ولم تخف " الدولية الشيوعية " غابتها الحقيقية التي أسست لتعمل لها ، وهي إضرام نار الثورة العالمية ، وكان لنين وصحبه يعتقدون في الواقع أن بوادر الثورة العالمية أخذت تبدو واضحة في الحركات الثورية التي طافت بمعظم الدول الأوربية عقب الحرب الكبرى . وأصدرت الدولية الشيوعية في مؤتمرها العالمي الثاني الذي عقد في موسكو في سنة ١٩٢٠ ، بيانا تبسط فيه غاياتها . وتصور ما حدث في الحرب الكبرى ، وما تلاها من اضطراب السلم والنظام ، واختلال أسس الحياة الاقتصادية في معظم أنحاء العالم ، بأنه ليس إلا تطبيقا لنظرية ماركس ونبوءته بأن النظم الرأسمالية تسير إلي نكبة نفسها ، وأنها ستنحدر من جراء منافساتها العنيفة إلي معترك حرب عالية طاحنة تؤدي إلي انهيارها ، وان هذه النكبة سوف تؤدي إلي انحلال الحضارة الأوربية ما لم يقض على النظم الرأسمالية ذاتها .

ولبثت " الدولية الشيوعية " أعواما تضطلع بمهمتها الثورية الخطيرة ، وتعمل ما وسمت على استغلال الازمات والاضطرابات الدولية اينما حدثت ، وتحرك الأحزاب الشيوعية في مختلف البلاد بوحيها وتعليماتها المباشرة ، وهذه تعمل بدورها على بث روح الثورة بين طبقات العمال ، وتدبير الاعتصابات والقلاقل المحلية ؛ وكانت احوال بعض الدول الأوربية التي هزتها الازمات الاقتصادية والاجتماعية عقب الحرب الكبرى مثل المانيا وإيطاليا ودول اوربا الوسطى مسرحا خصبا لجهود الدولية ودعايتها ؛ وكادت هذه الجهود تسفر عن فوز الثورات الشيوعية في الفجر والمانيا ؟ وأحرزت الدولية الشيوعية أعظم نجاح لها في الصين ، حيث استطاعت أن تؤلب القوي القومية ضد النفوذ الأجنبي ،

وسيادة الدول المستعمرة ، وان تعاون على إنشاء الجمهورية الصينية ، ثم الحكومة القومية ، وكانت الدولية تلجأ في جهودها ومحاولاتها إلى التدابير والوسائل السرية التي قفا تعرف او تدرك ؟ وكان اعوانها السريون من الدعاة والمحرضين ينبثون في كل مكان تأنس فيه فرص النجاح ؟ ولم تكن جهودها الظاهرة من عند المؤتمرات السنوية وإذاعة البيانات الهجومية ضد الدول " الرأسمالية "  والاستعمارية ، سوى ابسط مظاهر نشاطها . وكان هذا الخفاء الذي تلجأ إليه الدولية في تدبير مشاريعها الثورية يزعج معظم الدول الغربية ولا سيما تلك التي تضم أحزابا شيوعية قوية مثل ألمانيا وفرنسا . هكذا كانت دولية لنين  وصحبه أداة ثورية مزعجة تعمل بنشاط منقطع النظير لإضرام نار الثورة العالمية ، ولا تدخر في ذلك السبيل وسيلة أو جهدا .

- ٢ - ولكن روسيا السوفيتية ما ليقت أن أدركت ما تجره عليها جهود الدولية الثورية من خصومات ومشاكل مع الدول الغربية ؛ وكانت سياسة الكرملين تتجه منذ وفاة لنبن إلي التقرب من الدول الغربية شيئا فشيئا بعد أن عانت روسيا ما عانت من التطرف في تطبيق التجربة الشيوعية . ومذ تولي ستالين وصحبه المعتدلون زمام الأمور ( حوالى سنة ١٩٢٨ ) مالت سياسة روسيا الخارجية إلي مهادة الدول الغربية ، والإبتعاد عن التدخل في شئونها ؛ وحد بذلك من نشاط الدولية الشيوعية . وتوجت سياسة روسيا الجديدة بإنضمامها إلي عصبة الأمم في سنة ١٩٣٤ ، وعقد مختلف المواثيق مع الدول . وأخذت الدولية تفقد أهميتها شيئا فشيئا ، خصوصا بعد أن اقتنع زعماء ، روسيا الجدد بأن محاولة إضرام نار الثورة العالمية أمر صعب المرام ، وانه خير لروسيا أن تقنع بتنظيم بيتها ، وان تعتبر النظام الشيوعي نظاما روسيا داخليا .

وقد أوضح أعضاء اللجنة التنفيذية للدولية في البيان الذي اقترحوا فيه إلغاءها ، أن هذا الإلغاء يستند إلي الحقيقة الواقعة ، وهي أن أحوال العالم قد تغيرت إلي حد كبير منذ تأسست هذه الدولية ، وأن قيام هذا الطعام الدولي للطبقات العاملة لم يعد يتفق مع أحوال العالم الحاضرة خصوصا إزاء الحالة التي أوجدتها الحرب الحالية ولا يخفى أن الدعاية الألمانية منذ اختارت ألمانيا أن تهاجم روسيا قد استغلت نظرية الخطر الشيوعي إلي اقصي حد ، وأن هذه النظرية ذاتها هي التي اخذت أساسا لعقد ميثاق مكافحة الشيوعية بين ألمانيا وإيطاليا واليابان في سنة ١٩٣٧ ، وأن المانها ما زالت تحشد قوي الدول التي تسيطر عليها باسم حماية المدينة والنظم الأوربية من الخطر الشيوعي . فإلغاء الدولية الشيوعية في هذه الآونة يعتبر خطوة حكيمة موفقة ، ويقضي كما صرح الزعيم ستالين على هذه الدعاية من أساسها ، كما انه يقضي علي مخاوف الدول الغربية من تدخل موسكو في شئونها عن طريق الأحزاب الاشتراكية أو الشيوعية القائمة فيها .

هذا ولاريب أن مبادرة الحكومة المصرية إلي إعلان اعترافها بحكومة السوفييت بمت بصلة وثيقة إلي قرار إلغاء الدولية الشيوعية . وقد كان قرار الحكومة المصرية بهذا الاعتراف معدا منذ سنة ١٩٣٩ ، ثم حالت التطورات الدولية دون تنفيذه حتى جاء إلغاء الدولية مؤكدا لحياد موسكو وابتعادها عن كل دعابة أو تدخل في شئون الأمم الآخرى .

والخلاصة أن إلغاء الدولية الشيوعية معناه أن روسيا السوفيتية قد عدلت نهائيا عن الأخذ بفكرة الثورة العالمية ، وأضحت تري في الثورة والنظم الشيوعية انقلابا روسيا محضا يجب ألا تتعدي آثاره حدود روسيا ، وهي بذلك تتقدم خطوة جديدة اخرى في سبيل التفاهم والتعاون مع الدول البورجوازية ( الرأسمالية ) الغريبة

اشترك في نشرتنا البريدية