انتهت المعركة الانتخابية بسلام وسكنت الضجة التى أثارتها . وعار المشتركون فيها إلى حياتهم اليوم اليومية المألوفة ورجعت الأحزاب السياسية إلى أنفسها تحصى أرباحها وخسائرها وتراجع ما نجح من خططها وما أخطأها فيه التوفيق ، وتحدد على ضوء النتائج موقفها ، وتتهيأ للدور الذى ستقوم به فى الحياة النيابية المقبلة . وليس يعنينا من أمر هذه المعركة إلا مبلغ ما أفادته الأمة منها ، وما ينتظر أن يكون لها من أثر فى حياة البلاد وسير نهضتها . ولهذا نرى واجبا علينا أن نسجل بعض ملاحظاتنا عليها ، وما تستخلصه من نتائجها وأن ننظر لما بعد الانتخابات ، ونصارح النواب الذين فازوا بثقة الأمة بما تعلقه البلاد عليهم من آمال ، وما تنتظره منهم
من مسلك يوطد دعائم الديمقراطية الصحيحة فى البلاد ويثبت تقاليدها ويكفل العمل المثمر القوى فى ظلالها .
وأول ما يسترعى النظر فى الانتخابات الحالية أن الذين نجحوا بالتزكية من النواب كانوا قليلين بالقياس إلى من يحجح بالتزكية فى الانتخابات السابقة وأن تزاحم المرشحين على الدوائر كان شديدا على غير ما جرى عليه الحال فيما سبق من الانتخابات فكان عدد المرشحين فى كثير من الدوائر سبعا وازداد عددهم فى إحدي الدوائر إلى تسع . ونشأ عن هذا أن بلغ عدد الدوائر التى أعيد فيها الانتخاب ما يقرب من ربع عدد هذه الدوائر . ويعلل البعض ذلك بأن الأحزاب جميعا تشترك فى هذه المعركة ، ولذلك اشتد فيها التنافس
والتزاحم وأنها لا تفرض على المنتمين إليها رغبة خاصة ، بل تدع حريتهم فى استخدام حقهم الفردى الكامل فى ترشيح أنفسهم حيث شاءوا ، ولهذا لم يجد بعضهم حرجا في اقتحام أسوار الدوائر المقفلة التى تفاهمت الأحزاب المؤتلفة على تركها لمرشحين معينين اتفقوا جميعا عليهم . بل لقد أجاز البعض لأنفسهم أن ينافسوا مرشحى الحزب الذي ينتمون إليه . ولم يكن الحال كذلك فى الانتخابات السابقة حيث كان الخروج على قرار الهيئة السياسية التى ينتمى إليها الفرد والتقدم لمنافسة مرشحها الرسمى أمرا تعده تلك الهيئة شقا لعصا الطاعة وخروجا على قواعد الحزبية قد يعاقب عليه بالإبعاد عن حظيرتها ، ولهذا قل المنافسون ، ونجح الكثيرون بالتزكية حين انفردت تلك الهيئة بالانتخابات وقاطعتها الأحزاب الأخرى . كذلك
يعزو البعض كثرة المرشحين إلى حالة الرخاء الاقتصادي ووفرة المال لدى الكثيرين مما يسر لهم محاولة الدخول فى تلك المعركة ، وبذل ما قد تتطلبه من نفقات ، والاعتماد على ما يستطيع المال أن يحققه من أساليب الدعاوة .
وكان من الطبيعى أن يكون لهذا التنافس الشديد والتزاحم الكثير على الدوائر أثره من حيث نشاط المتنافسين فكثرت الاجتماعات العامة وتبارى الخطباء فى إظهار مزايا المرشحين الذين يؤيدونهم ، وتعددت وسائل الاتصال بالناخبين ومحاولة كسب ثقتهم بمختلف وسائل التأثير المشروعة . وكان هذا النشاط باعثا على زيادة الاهتمام العام بالمعركة ، ومن مظاهر هذا الاهتمام زيادة عدد من اشتركوا فى التصويت عن الانتخابات السابقة زيادة غير يسيرة .
على أنه من الملاحظ فى هذه الانتحابات وفي جميع الانتخابات السابقة أن الذين يستخدمون حقهم الانتخابى فى القاهرة والإسكندرية قليل بالقياس إلى العدد الذي يشترك فى دوائر الريف ، ولا يمكن أن نفسر ذلك إلا بوجود نقص فى قيد أسماء من لهم حق الانتخاب وفى توزيع تذاكر الانتخاب فإن من المعقول أن يكون الوعى الاجتماعى فى العاصمتين أشد والحرص على استخدام الحقوق السياسية أكبر .
ودلت النتائج التى ظهرت على أن الأحزاب جميعا كان لها نصيبها من الفوز وأن الزعماء البارزين فيها قد نجحوا ، وقد كان أكبر الأحزاب فوزا اكثرها تنظيما لفروعه ونشاطا فى معاونة مرشحيه كما احتفظت العصبية المحلية بقيمتها كعامل من عوامل نجاح المرشحين فى كثير من الحالات . ولم يفز حزب من الأحزاب بعدد كاف من الكراسى يسمح له بالانفراد بالحكم والاعتماد على تأييد أنصاره وحدهم . ولهذا ستظل هذه الأحزاب بحاجة إلى التآلف وتكوين حكومة مشتركة منها جميعا . وتعتقد أن هذا من توفيق الله فى هذا الدور ففيه ضمان لاصطباغ تصرفات الحكومة بالصبغة القومية وبعدها عن الاتجاهات الحزبية الضيقة . وفيه توثيق لعرى المودة والتعاون بين الأحزاب جميعا فى هذه الفترة التى يجتاز فيها العالم مرحلة خطيرة لا نجاح فيها لأمة تواجه الدول متخاذلة مفككة القوى متضاربة النزعات . وفيه كفالة بألا ينساق الحزب المتفرد بالحكم المتمتع بثقة الكثرة إلى الطغيان والتحكم فى القلة فتفسد الأمور وتصير الديمقراطية شكلا ورسما لا روحا وعملا .
ومع أن بعض الأحزاب يفوق البعض فيما ظفر به من كراسى النيابة
فقد يكون باستطاعة القليلين بكفايتهم وجدهم وحسن تأثيرهم فى البرلمان أن يكونوا أبعد أثرا فى الحياة النيابية من الكثرة .
وأحسب فى هذا القدر عن الانتخابات ونتائجها ما يكفى القارئ فتنتقل به إلى المرحلة الثانية التى لم تكن الانتخابات إلا وسيلة لها . كيف يكون الحال فى البرلمان المقبل . أى روح ستسوده . أى مشاكل سيواجه ؟ ماذا ترجو منه وماذا تخشى ؟ كل أولئك مسائل أجدر بتقديرنا وأولى باهتمامنا .
كيف يسلك البرلمان المقبل . وهل يسير سيرته السابقة أو يعدل من أساليبه ويختلط منهجا أدنى للجد والعمل . لا نستطيع الجزم بشىء فى ذلك ولكننا نملك نقضى للنواب ببعض ما يقوم بنفوسنا من رغبات صادقة لا يرجو من ورائها إلا أن تفوز الهيئة النيابية بالنجاح والتوفيق فى مهمتها .
ترجو مخلصين ألا يهتم النواب للأثر الخارجي لما يصدر عنهم فى داخل المجلس وأن يحرصوا على عرض ما يهديهم إليه تفكيرهم الحر وألا يبالوا ما قد يلاقونه فى سبيل ذلك من سخط فأنهم مطالبون بأرضاء ضمائرهم لا بأرضاء الناس مسئولون عن الجهر بما
يعتقدون لا بما يتعلق عواطف الجماهير وإذا توخى النواب هذا المبدأ انقطع سبل الأسئلة والاستجوابات المسرحية التى لا يراد بها الوصول إلى نتيجة نافعة بقدر اقناع الجماهير الخارجية بأن هؤلاء النواب مهتمون بمشاكلهم واقتصر الحال فى ذلك على ما تدعو له المصلحة وتقتضيه الضرورة وبذلك يقتصد كثير من الوقت ويوفر على الجميع كثير من عناء لا داعى له .
وإذا توخى حضرائهم ذلك قلت الخطابات التى يتكرر إلغاؤها على منبر البرلمان كل عام واقتصد فى الملاحظات العامة التى لا يخرج منها القائل أو السامع إلى نتيجة إنجابية . وحاسب النواب أنفسهم بدقة على ما يقولون قبل أن تنطق به ألسنتهم واقتصر الأمر على ملاحظات دقيقة مدروسة ترمى إلى غاية محدودة بقولها القائل فى حينها المناسب وبذلك يسود الجد ويقل اللغو ويختصر الطريق إلى القرارات النافعة ويوفر الوقت والجهد على المجلس والحكومة .
وإذا توخي حضراتهم ذلك واستشعروا أنهم غير مدينين لأحد بمراكزهم إلا للأمة بطلت تلك العادة التى جرى عليها كثير من النواب فى كل العهود وهى السعى لقضاء الحاجات الخاصة للناخبين
ومن يمت لهم بصلة وبذل النفوذ لتيسير مطالبهم . مما يؤثر أسوأ التأثير في سير الأمور سيرها الطبيعي .
نحن ندعوهم للتحرر من سلطان الجمهور الخارجى لأن التأثر بذلك يحول بين النائب وبين أداء وظيفته بحرية ونزاهة ، وتدعوه كذلك للتحرر من قيود الحزبية متى كانت الإعتبارات القومية والمصلحة العامة للأمة تتعارض مع اتجاهات الحزب وقراراته . إن الديموقراطية الصحيحة تقوم على الحرية الفردية الشاملة فإذا كانت النظم البرلمانية التى تقوم على أسس الديمقراطية لا تكفل هذه الحرية كانت متناقضة مع أسسها .
ترجو كذلك أن يروض النواب أنفسهم على الهدوء وضبط النفس وألا تتكرر حالات الإنفعال العصبى التى كانت تحدث كثيرا فى الماضى ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بالدقة فى النظام ومنع المقاطعات والهاترات ويتعاون الجميع على التسامح وتبادل الإحترام وحسن الاصغاء .
ونرجو أن يتسع صدر المجلس للأقليات ويستمع بعناية عاطفة لكل ما يبدونه من آراء وأن يكون من التقاليد التى يسلم بها الجميع أن يتمتع نواب الأقلية بكل فرصة لإبداء آرائهم والتعبير عن وجهات نظرهم بغير
مقاطعة بهذا يتحقق عرض كل وجهات النظر وبهذا تتحقق الحرية التى يجب أن تسود الحياة البرلمانية .
ولما كانت المجالس فى الواقع تعتمد فى أعمالها أكبر اعتماد على لجانها التى تفحص المسائل وتدرس تفاصيلها التى لا يتسع لها وقت المجلس أثناء اجتماعه فأنا نرجو أن يولى حضرات النواب جلسات هذه اللجان أكبر تصيب من عنابتهم ، وألا يضنوا عليها بوقت أو جهد ، وإلا يذهبوا بمسألة من السائل للبرلمان الا بعد دراسة واقية ناضجة .
بني أن ترجو حضرات النواب أن يتوخوا السرعة فيما يعرض عليهم من المسائل وألا يطيلوا نظر النواحي الشكلية ويصرفوا فيها الوقت الكثير ثم لا يجدوا للأمور الجوهرية الوقت الكافي فيمروا بها صرا سريعا من غير درس . أن خير ما يصنعه المجلس ان بدع للجانه المباحث الفقهية الشكلية وأن يحصر اهتمامه بالنواحي الجوهرية العملية للموضوع المعروض عليه فيقرر المبدأ الذي يرتضيه
هذه بعض رغبات نقضى بها آملين أن يوفق الله نواب الأمة إلى الحكمة والسداد وأن يكتب لهم النجاح فى خدمة البلاد .
