لا يزال صدي الانقلاب اليوجوسلافي يشغل كل شئ في الميدان السياسي ، ولا تزال اثاره المحتملة موضع التكهن والبحث . هل يحفز الآلمان إلي مهاجمة يوجوسلافيا في القريب العاجل ؟ أم هل يحملها على أن ترجيء مشروعاتها العسكرية في البلقان وقتا آخر ؟ لقد كان انفجار القنبلة اليوجوسلافية غداة توقيع حكومة
بلغراد السابقة صك انضمامها للمحور الثلاثي مفاجأة مؤلة لألمانيا ، وضربة اصابت هيبتها في الصميم ؛ وقد ظن العالم حينما تم هذا التوقيع ان يوجوسلافيا قد قضى عليها ، وانها ستصبح عما قريب مسرحا سهلا لحركات الحرب الالمانية مثل رومانيا وبلغاريا ، ولم يكن يتوقع أحد أن تجوز يوجوسلافيا بين عشية وضحاها هذا الانقلاب العنيف الشامل ، فتحطم النظام الذي تم الخضوع في ظله ، وترفع إلى عرشها ملكها الفتي ، ومن
ورائه الجيش يشد ازر النظام الجديد ، وتعلن حكومة بلغراد الجديدة انها تبغى المحافظة على حياد يوجوسلافيا وسلامها ؛ ولكنها لا تنوي الخضوع لاية محاولة يمكن أن تمس شرف يوجوسلافيا أو استقلالها
والحقيقة أن هذا الانقلاب - بالرغم من عنفه وسرعته - يتفق تمام الاتفاق مع تقاليد يوجوسلافيا وميولها الطبيعية والتاريخية: فيوجوسلافيا هي مملكة الصرب السلافية القديمة التي عملت السياسة النمسوية دائما على إذلالها وسحقها بموازرة ألمانيا وتحريضها حتى لا تنمو وتغدو عقبة في سبيل الزحف الجرماني في اتجاه الجنوب الشرقي ، والتي غزتها الجيوش النمسوية والالمانية في الحرب الكبرى ، ودمرتها بمنتهي القسوة بالرغم من استبسالها في الدفاع عن نفسها ؛ ولكنها خرجت من غمار المحنة عقب انتصار الحلفاء اقوى وأعظم مما كانت عليه ؛ فلو أن يوجوسلافيا استسلمت إلي تصرف وزرائها الخانعين الذين وقعوا صك خضوعها في فينا ، لانكرت بذلك ماضيها ، ومحت صفحة بسالة مجيدة من تاريخها ؛ ولكن يوجوسلافيا الحقيقية التي لم تبهرها قوي الجرمانية الغازية ، استطاعت لحسن الحظ أن تمحو في ساعات قلائل هذه الوصمة المزرية من تاريخها .
والآن تقف يوجوسلافيا وجها لوجه أمام العاصفة ؛ ومن المحقق ان المانيا الغاضبة المتوتية قد شعرت بخطورة هذه الضربة التي وجهت إلي هيبتها من دولة لاح لها انها أصبحت في قبضتها ، ثم انقلبت فجأة إلي معارضتها والوقوف في طريقها ؛ ومع ان برلين لم تصرح بعد بموقفها إزاء هذا الانقلاب ، فإن الاحتجاجات والوسائل التي بدأت تلجأ إليها تدل على انها لن تصير طويلا علي ذلك فقد أخذت السنة الدعاية الالمانيه من إذاعة وصحف وغيرها تتهم يوجوسلافيا بأنها تسئ معاملة الأقليات الالمانية ،
وان الاعتداء مستمر على اشخاص الالمانيين وأملاكهم ، وانهم يفرون إلي رومانيا والمجر ؛ هذا بينما اخذ الرعايا الالمانيون والايطاليون يغادرون يوجوسلافيا على عجل ، واخذت الدعاية الالمانية فوق ذلك تذيع عن يوجوسلافيا مختلف الانباء المزعجة المثيرة ؛ وهذه الاجراءات هي التمهيدات التى تتذرع بها الدعاية الالمانية عادة لمهاجمة بلد تنوي المانيا به شرا ، وهي تذكرنا بما وقع قبيل غزو تشيكوسلوفاكيا وبولونيا . وقد رات يوجوسلافيا مع احتفاظها بهدوئها وسكينتها ان تتخذ من جانبها بعض الإجراآت الدفاعية ، فدعت للتعبئة طبقات جديدة من الجند ، وأخذت في إخلاء مناطق الحدود وتحصينها ، وهي تعلم حق العلم بفداحة الخطر الذي يهددها .
والواقع أن القوات الألمانية الغازية تحيط بيوجوسلافيا من الشمال الغربي حيث تتاخمها النمسا ، ومن الشرق من رومانيا وبلغاريا ؛ هذا إذا صرفنا النظر عن القوات الأيطالية التي تجاورها من الغرب ، ومن الجنوب الغربي في البانيا ؛ فهي تغدو في مركز دقيق إذا اختارت دولتا المحور مهاجمتها .
على أنه يلوح لنا أن غزو يوجوسلافيا قد لا يكون هو الخطة المفضلة في نظر القيادة الألمانية في الوقت الحاضر على الأقل . أجل أبدت ألمانيا رغبتها في السيطرة على يوجوسلافيا ، واستطاعت بما بذلك من ضغط ان تحمل حكومة بلغراد السابقة على الانضمام إلي ميثاق المحور ؛ ونحن نعرف ما ينطوي عليه هذا الانضمام عادة ، من وضع الحليفة الجديدة ومواردها تحت تصرف القيادة الالمانية ، على نحو ما حدث في المجر ورومانيا وبلغاريا ؟ وقد كان هذا هو المصير المتوقع ليوجوسلافيا مهما قيل عن التحفظات التي قرن بها انضمامها ؛ فألمانيا كانت على وشك ان تضع يدها عليها ، وان تتخذها طريقا سهلا
للزحف إلي الجنوب، وذلك دون أن تدفع لذلك ثمنا غير الوعيد والوعود .
أما خطة الغزو المباشر فانها قد تكلف ألمانيا غالبا ؛ فالجيش اليوجوسلافي بالرغم من تأخره في مضمار التسليحات الحديثة معروف بشجاعته وقوة بأسه ؛ وطبيعة الأراضي اليوجوسلاية صالحة للأعمال الدفاعية ، وليست ممهدة للزحف الميكانيكي السريع . هذا عدا ما سوف تلقاه يوجوسلافيا من المعونة البريطانية بمختلف صورها إذا هو جمت ؛ وعندئذ يستطيع سلاح الطيران البريطاني أن يتخذ من القواعد اليوجوسلافية ، نقطا لضرب آثار الزيت الرومانية ومصانع السلاح النمسوية ، ولا سيما في ((فيترنو بشتات)) ، حيث توجد مصانع طائرات " سر شميت " الشهيرة . وعواصم ألمانيا الجنوبية مثل فينا وجرائز وغيرهما فإقدام المانيا علي غزو يوجوسلافيا قد يكلفها بهذه الصورة غالبا ، وقد لا يكون النصر مكفولا على الأقل بالسرعة التي اعتادتها القيادة الالمانية ؛ وإضاعة الوقت في غزوات صعبة قد تعرض مشروعاتها الآخري إلى الفشل . ولاسيما في الوقت الذي حل فيه الربيع ، وهو الوقت الذي يدخره هتلر دائما لتحقيق مشروعاته
ولهذا كله يلوح لنا ان المانيا قد تؤثر اتخاذ خطة أخري غير الغزو المباشر ليوجوسلافيا ؛ فهي قد تعمد إلي إثارة القلاقل العنصرية في يوجوسلافيا علي يد دعاتها - وفي يوجوسلافيها اقليات من الألمان والمجر والسلوقين والكروات وتسعي بوسائلها المعروفة إلي تدبير الاضطرابات الداخلية في البلاد ، وتقرن ذلك بنوع من حرب الأعصاب المثيرة ، وتحاول بهذه الوسيلة أن تحطم عزام الشعب اليوجوسلافي ، وتمهد بذلك إلي خضوعه واستسلامه ؛ وهي خطة ليست محققة النجاح ، بعد الذي ابداه الشعب اليوجوسلافي من صدق
العزيمة ، والخمسك بوحدته واستقلاله .
وقد تؤثر ألمانيا في هذه الحالة أن تنتظر قليلا ، وان تقضي مدى حين عن الضربة التي اصابت هيبتها ؛ حتى تجد في تطور الحوادث البلقانية ما يحملها على التحرك . فإذا هي رأت أن تعجل بمهاجمة اليونان ، إنجادا لحليفتها المنهزمة ، فسوف تقنع - بعد الفشل الذي لقيته في إخضاع يوجوسلافيا - بالزحف على اليونان من بلغاريا في اتجاه سلانيك ، وبذلك ترغم على أن تسلك طريقا بطيئا لإرسال عتادها وإعداداتها إلي هذه الجبهة ؛ وقد كانت تطمح إلي ان تتخذ لذلك طريق يوجوسلافيا الحديدي ( خط الشرق ) الممتد مباشرة إلى وادي الوردار وثغر سلانيك
ومهما كان الاتجاه الذي تتخذه المشروعات الألمانية في البلقان ، وسواء أقدمت المانيا على مهاجمة يوجوسلافيا ام قنعت بمهاجمة اليونان ، فإن انكلترا ساهرة ترقب الموقف بمنتهي العناية ؛ وقد اكد مستر تشرتشل في تصريحاته أن بريطانيا على أتم استعداد لمعاونة يوجوسلافيا جهد استطاعتها إذا اعتدى عليها ؛ وقدمت الحكومة البريطانية على يد سفيرها في بلغراد إلى الحكومة اليوجوسلافية عهودها المكتوبة بذلك ، كما قدمت إليها حكومة الولايات المتحدة نفس التأكيدات على يد سفيرها . ولا ريب أن بريطانيا علي أتم استعداد لمواجهة جميع الاحتملات التي قد يسفر عنها تطور الحوادث في البلقان ؛ وتنقلات مستر إيدن وزير الخارجية والسيرجون ديل رئيس أركان الحرب البريطاني بين القاهرة وأثينا لا تدع سبيلا إلي الشك في أهمية هذه الاستعدادات .
هذا وبريطانيا تواجه الآن حوادث البلقان في كثير
من الاطمئنان والثقة بعد ان تطورت الحوادث في افريقية وفي شرقي البحر الأبيض المتوسط على هذا النحو لصالحها ؛ فالامبراطورية الايطالية في افريقية أضحت على وشك الانهيار النهائي بعد الضربات المتوالية التي نزلت بها في ارتريا والحبشة ؛ فقد سقطت كيرن وأسمرة وهرر وديرداوه ؛ وقد لا يمضي اسبوع اخر أو اثنان حتى تسقط اديس ابابا في يد القوات البريطانية ، وتقتصر الحرب في شرقي افريقية بعد ذلك على اعمال التطهير النهائية ، وبذلك تتمكن بريطانيا من أن توجه كثيرا من قواتها هنالك للعمل في ميادين أخري .
أما في شرقي البحر الأبيض المتوسط فقد تأكدت سيطرة بريطانيا على هذه المياه مرة اخرى بصورة حاسمة ، في الموقعة البحرية الكبرى التي نشبت على مقربة من كريت بين الوحدات البحرية البريطانية والايطالية ، والتي مني فيها الأسطول الإيطالي بفقد خمس قطع من افضل سفنه واحدثها ؛ فإذا أضفنا هذه الخسارة الفادحة إلى الخسائر العديدة التي لحقته من قبل على يد الأسطول البريطاني والطائرات البريطانية ، استطعنا أن نقدر مدى الضربة الى اصابت قوي إيطاليا البحرية . ولاريب أن بريطانيا قد اصبحت بعد تحطيم قوي إيطاليا البحرية على هذا النحو ، وتحطيم قواها الجوية ايضا ، سيدة البحر الابيض المتوسط من شرقه إلي غربه ، وخصوصا بعد أن فشلت محاولات الطائرات الآثانية في عرقلة حركات الأسطول البريطاني أو قوافل السفن البريطانية
إن حوادث يوجوسلافيا ليست حوادث مستقلة منقطعة الصلة بغيرها من تطورات السياسية والحرب ؛ فهي دليل على خطورة الحالة النفسية التي انبهت إليها الشعوب الأوربية في ظل الإرهاب الهتلري ، أو ما يسموه بالنظام الأوربي الجديد ، ودليل على أن القوي المعنوية الكامنة قد
أخذت تتحرك في الشعوب التي ما زالت تعتز بحريتها لمقاومة هذا النظام البربري - نظام الاستعباد المطبق وتقف في سبيله ، وسوف تكون هذه الصدمة الحقيقية الاولي مقدمة لصدمات اخرى ، وقد تغدو نذير تحول حقيقي في مصاير الحرب .

