الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

بعد الهجوم الألمانى

Share

كان الهجوم الألمانى الأخير فى الميدان الغربى مفاجأة شديدة للجيوش المتحالفة ، وقد كان الرأى السائد دائما حتى بعد أن بدأ الحلفاء هجومهم على ألمانيا واستطاعوا أن يقتحموا حدودها الغربية في عدة مواضع وأن يستولوا على آخن أولى المدن الألمانية الكبرى ، أن ألمانيا ما تزال على جانب عظيم من القوة والأهبة ، وأنه يجب أن يحسب لمقدرتها الدفاعية أعظم حساب ، وانها لن تهزم في ميدان الحرب إلا بعد معارك طاحنة ؟ وكانت صلابة المقاومة الألمانية فى كل موقعة وفى كل خطوة تؤيد هذا الرأى . ولكن كان من المشكوك فيه مع ذلك أن يستطيع الريخسفر ( الجيش الألمانى ) بعد ما أصابه من الهزائم المتوالية في الشرق والغرب ، أن يضطلع بمثل هذا الهجوم القوي وعلي هذا النطاق الواسع ، وأن

يعود فيندفع بمثل هذا العنف الكاسح إلى الأمام مرة أخرى .

وإذا فقد كان هجوم المارشال فون رونشتت فى القطاع الأوسط فى شرق البلجيك مفاجأة خطيرة للقيادة المتحالفة خصوصا وقد بلغ التقدم الألمانى فى أيام قلائل مدي مزعجا ، ولم يكد يفيق الخلفاء من الصدمة الأولى حتى كان الألمان قد بلغوا قلب البلجيك على مقربة من اياح ونامور ولم يبق بينهم وبين نهر الموز أحد أهدافهم الرئيسية سوى أميال قليلة . وهنا فقط استطاع الخلفاء وقف الهجوم بعد أن احتل الألمان داخل خطوطهم شقة واسعة طولها نحو أربعين ميلا وعرضها نحو ثلاثين ، واقتربت خطوطهم الجنوبية الشرقية من مدينة ستراسبورج ، والجنوبية الغربية من ثغرة سيدان ، وفصلوا بهذا النتوء العميق بين جيوش الحلفاء الشمالية والجنوبية .

وقد خبت شدة الهجوم الألمانى بعد شهر من بدئه ، وانقلب الألمان من الهجوم إلى الدفاع فى معظم النقط ، وأخذت الشقة التى استولوا عليها تنكمش شيئا فشيئا تحت ضربات المارشال مونجمرى . ومن المرجح أنه لن يمضي أسبوعان أو ثلاثة حتى يستطيع الحلفاء إزالة النتوء الألمانى بأكمله ، ورد الألمان إلى خطوطهم الأولى ، إلا إذا حدثت مفاجأة جديدة واستطاع الألمان استئناف هجومهم فى اتجاه جديد

على أن وقف الهجوم الألمانى والقضاء على آثاره المادية على هذا النحو لا يعنى انه لم يحقق شيئا من النتائج التى علقتها القيادة الألمانية عليه أو أنه فقد جميع الآثار التى ترتبت على حدوثه : والأمر بالعكس ، فقد كان لهذا الهجوم آثار بعيدة المدى سواء من الناحيتين العسكرية أو السياسية ، وسواء من الناحية الألمانية أو من ناحية الحلفاء . ذلك أن هذا الهجوم قد وقع فى الوقت الذى بلغت فيه ثقة الأمم المتحدة بالنصر وقرب نهاية

الحرب أقصاها ، وكان المفهوم أن قيادة الحلفاء تعد العدة للهجوم النهائى على ألمانيا من الغرب فى الوقت الذى يقوم فيه الروس بهجومهم النهائى من الشرق ، فجاء الهجوم الألمانى معدلا لهذه الخطة ، وبدأ الروس هجومهم من الشرق ، بينما شغل الحلفاء فى الغرب برد الهجوم الألمانى والقضاء على آثاره . وهذا التأخير يمد الألمان بمهلة جديدة من الوقت يستطيعون فيها أن يضاعفوا أهباتهم الدفاعية ، وقد يترتب على ذلك أن تطول المقاومة الألمانية ، ويطول أمد الحرب عما قدر له في الربيع القادم أو الصيف

والواقع أن إطالة أمد الحرب من الأهداف التى ترمى اليها القيادة الألمانية ، وفسد رأينا هتلر يظهر في فاتحة العام الجديد عقب اتساع نطاق الهجوم الألماني لأول مرة بعد صمت دام عدة أشهر ، ليؤكد للعالم من جديد أن ألمانيا لن تجثو على ركبتيها كما حدث فى الحرب الكبرى ، وانها سوف تقاتل حتى النصر أو حتى تحصل على تسوية عادلة ، وأن أعداء ألمانيا يخطئون فى الاعتقاد بقرب نهاية الحرب ، وفيما يضعونه منذ الآن لتصفيد ألمانيا من الشروط . وكان من الواضح حينما ألقى هتلر خطابه ، وحينما بلغ الهجوم الألمانى أقصى مداه ، أن الهدف الأول من أهداف هذا الهجوم هو العمل على تقوية الروح المعنوى فى ألمانيا بعد أن

تطرق اليه الوهن واليأس ، وذلك بالدفاع الريخسفر إلي ميدان الهجوم مرة أخرى . ومن المعقول أن يتحقق الأثر المنشود وتنهض روح الشعب الألماني المعنوية إلى حين

ومن جهة أخرى فان إطالة أمد الحرب على هذه الصورة قد تحدث فى الأمم المتحدة بعض الآثار المعنوية التى تستطيع ألمانيا استغلالها ؛ فأمريكا قد تشعر بالملل والسأم من استمرار الحرب الأوربية على هذا النحو ، بينما عدوها الأصلي وهو اليابان ما يزال رابضا فى معاقله محتفظا بجميع قواه ، وقد يتطرق مثل هذا السأم كذلك إلى الشعب البريطانى ؛ ويؤدى هذا وذاك إلى تعديل موقف الأمم المتحدة بإزاء ألمانيا ، فتضطر بغية تقصير أمد الحرب إلى أن تعرض على ألمانيا شروطا اكثر سخاء واعتدالا

ولكن كل ما هنالك بالعكس يشير إلى انهيار هذا الأمل الخلب ، فقد أعلن الرئيس روزفلت أنه لابد لإحراز النصر من القضاء على آخر جندى ألمان ، وأن القضاء على ألمانيا النازية هو أول شروط النصر على اليابان لأن ألمانيا هى العدو الأساسى ، وإن أمريكا سوف تضاعف جهودها فى سبيل تقصير أمد الحرب فى أوربا . ومثل هذه النغمة تتردد اليوم فى إنجلترا ، بعد أن انقشع خطر الهجوم الألمانى ولم يسفر عنه تعديل خطير

فى الموقف الحربى . وقد عاد مستر تشرشل فأكد بالأمس فى مجلس العموم مرة أخرى أنه لا يوجد أى تفكير فى عقد الصلح مع ألمانيا ، وأنه لابد من استسلامها بلا قيد ولا شرط ، وسوف يستمر القتال حتى يتحقق هذا الاستسلام . وهكذا يبدو ان الأثر المعنوى الذى أحدثه الهجوم الألمانى فى إنجلترا وأمريكا جاء عكس ما يرجوه الألمان ، وانه إذا كانت القيادة الألمانية قد حققت من ورائه بعض المزايا المادية والأدبية المؤقتة ، فقد أفاد منه الخلفاء أيضا مثل هذه المزايا ، إذ تنبهت الدوائر الانجليزية والأمريكية مرة أخرى إلى خطر الإغراق في التفاؤل والركون إلي فكرة النصر العاجل . وكان الهجوم الألماني نذيرا جديدا بمضاعفة الجهود وشحذ الهمم لتحقيق النصر المنشود بأسرع ما يستطاع .

والآن وقد بدأ الهجوم الروسى العظيم فى الشرق بعد استعداد طال أمده فإنه يحق لنا أن نتوقع تطورات خطيرة فى الموقف الحربى . وتدل أنباء الهجوم الأولى علي شدته وعنفه واتساع نطاقه ونحن نكتب هذه السطور وأمامنا أنباء سقوط وارسو وكراكوف وكلاهما من أعظم معاقل الألمان في الجبهة الشرقية . وسقوط العاصمة البولندية يمهد الطريق لزحف الجيش

الأحمر إلى برلين . وسقوط كراكوف التى لا تبعد عن سيليزيا الألمانية سوى مسافة قصيرة يفتح الطريق إلى سيليزيا وعاصمتها برزلا ، وهي من أهم مراكز الصناعات الحربية الألمانية . والواقع أن كل ما هنالك يؤيد أن الهجوم الروسى الحالى هو الهجوم الحاسم الذى أشار إليه المارشال ستالين فى خطابه السنوى فى نوفمبر الماضى حينما أشار إلى أن الجيش الأحمر سوف يحتل برلين وسوف يخفق عليها العلم السوفيتى وهذا كلام يردده اليوم كاتب روسيا الكبير إيليا إيرنبورج في جريدة البرافدا لمناسبة بدء الهجوم وإذا استطاع الجيش الأحمر أن يستمر فى زحفه الكاسح على هذا النحو فإننا سوف نشهد فى القريب العاجل أعظم المعارك الفاصلة التى يستطيع الجيش الألمانى خوضها قبل انهياره الأخير .

ومن المتوقع فى نفس الوقت أن ينشط الخلفاء فى الغرب لتنسيق هجومهم المنتظر بعد القضاء على نتوء الأردين ليسير مع الهجوم الروسى فى الشرق معا حتى لا تستطيع القيادة الألمانية أن تنتفع بنقل قواتها الاحتياطية من جهة إلى أخرى ؛ وبذلك تواجه المانيا النازية أخطر الأزمات العسكرية التى واجهتها بالاشتباك الطاحن فى ثلاثة ميادين رئيسية كل منها يقع على مشارف الوطن الالمانى ؛ هذا عدا القتال في ميدان رابع هو الميدان الإيطالى .

ولا مراء فى أن ألمانيا النازية ستبدى أعظم مقاومة ولا سيما فى الميدانين الشرقى والغربى ، ولنا أن نتوقع اشتداد المقاومة بالأخص متى وصل الروس إلى حدود ألمانيا الشرقية . ولكن يجب أن نذكر أن أمد هذه المقاومة ليس رهينا فقط بقوة الجيش الألمانى ، ولكنه رهين بالأخص بسلامة الجبهة الداخلية الالمانية . وقد أراد فون رونشتت أن يبث بهجومه فى الغرب شيئا من الأمل والانتعاش فى نفوس الشعب الالمانى ، ولكن هذا الأمل الخلب بغيض اليوم سراعا أمام ضربات الجبش الأحمر ، والمرجح أنه آخر هجوم يستطيع الريخسفر أن يشنه فى أى ميدان من ميادين الحرب . ومن المحقق أن ألمانيا لا تقاتل اليوم في سبيل النصر ، وليس من المعقول أن يؤمن الشعب الالماني بالنصر بعد الهزائم الفادحة التى منى بها الريخسفر ، ولكن زعماء النازية يقاتلون في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ولا سبيل للشعب الألماني أن يسلك أى سبيل آخر ، ولا بد له أن يمضي مرغما في نضال لا أمل فيه ولا مخرج منه ، ذلك أنه يخضع لسلطان أشد هولا من سلطان المحن والشدائد التى يجوزها ، هو سلطان " الجستابو " فهو الذى يصفد أعناقه بأصفاد من حديد ، وهو الذى يحشده وراء الخطوط ويسحقه سحقا . وقد أدرك النازيون مذ لاحت بوادر الهزيمة

على جيوش الريح أهمية المحافظة على سلامة الجبهة الداخلية للمضى فى النضال فلم يدخروا وسعا فى سحق العناصر المناوئة ، ولكن هل تثبت الجبهة الداخلية أمام الكوارث العسكرية الجديدة ؟ هذا ما يشك فيه كل الشك .

وأغلب الظن أن الجبهة الداخلية سوف تنهار متى وصل الروس إلي ارض الوطن الألمانى ، وعندئذ تنهار جيوش الريخ على نحو ما حدث في سنة ١٩١٨ .

وإذا استطاع النازيون بنوع من المعجزة أن يسيطروا مع ذلك على الجبهة الداخلية واستطاعت جيوش الريخ أن تصمد حينا أمام تيار الغزو الكاسح ، فإن هذه المرحلة الفاصلة من الحرب لا يمكن أن تدوم طويلا ، وقد لا تعدو الربيع القادم أو الصيف

اشترك في نشرتنا البريدية