الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333الرجوع إلى "الثقافة"

بعد تسليم ألمانيا

Share

في اليوم الثامن من مايو شهدت الإنسانية أعظم مواقف الفصل في تاريخها ومصايرها ، ففيه تم تسليم ألمانيا النازية لخصومها تسليما مطلقا شاملا ، وعقد بذلك لواء النصر عاليا خفاقا للأمم المتحدة ، ووقفت المجازر البشرية التى خضبت بالدماء بسائط أوربا زهاء ستة أعوام ، وبدأت الأنوار الساطعة التى أطفأها الطغاة منذ سبتمبر سنة ١٩٣٩ تشرق من جديد في جنبات القارة الخائرة المحطمة .

وهذا النصر الذى لم يشهد مثله التاريخ ليس نصر الأمم المتحدة فحسب ، كما أن هذه الهزيمة الساحقة التى منيت بها الريخ الثالثة ليست هزيمة لألمانيا النازية وحدها ؛ ولكنه فى واقع نصر لأسمى المبادئ ، التى جاهدت من أجلها الإنسانية على كر العصور ، وهي مبادئ الحق والحرية والعدالة .

كما أنه هزيمة لمبادئ الطغيان والظلم والقوة الغاشمة .

لبثت ألمانيا تدين عصورا بفلسفة القوة المادية وهى التى صاغها نيتشه في أواخر القرن الماضى إلى عقيدة قومية سياسية ، فليس فى العالم سوى القوى والضعيف ، والسيد والعبد ، والصفوة والدهماء ، والامة العظيمة هي امة الأقربا ، وهي أمة السادة والصفوة ، حتى جاء هتلر وأعوانه النازيون فأسبغوا على هذه العقيدة لونا ملتهبا ، و نادوا بسمو الجنس الآرى أو الألمانى على غيره من سائر البشر وحق ألمانيا القوية أو حق الشعب الألمانى ، وهو الشعب السيد الممتاز ، فى الحكم والسيادة ، وفي الفضاء الحيوى اللازم لحياته ورخائه ورفاهته .

وعملت ألمانيا النازية على إضرام نار هذه الحرب بعد

أن اكتملت لها أسباب التفوق الهائل في القوى العسكرية وأحكمت وسائل الاعتداء المنظم ، وانقضت على الأمم الأمينة الوادعة فاجتاحتها ودمرتها بأساليب وحشية لم يسمع بها ، ولم تراع فى عدوانها عهدا ولا ذماما ، ولم تحفل بقوانين الحرب أو السلم ، ولم تقدر وقع اعتدائها وهمجية  أساليبها في الرأى العالمى المتمدن ، ولم تقدر بالأخص أن  القوة المادية وحدها لا تكفى لتأييد السيادة وحكم الأمم إلى الأبد ؛ وهكذا خربت أوربا ودكت معالم الحضارة الأوربية  وزهقت الألوف والملايين ضحية العدوان النازى وأطماع  الريخ الثالثة ، وأقامت ألمانيا بذلك ظفرها المؤقت على بركان من البغضاء المتأججة في صدور شعوب العالم المتمدن بأسره

وكان من الظواهر العجيبة التى تعذر فهمها أن تسلم المانيا مصايرها في هذه الفترة العصبية من تاريخها إلى أيدى عصابة من الزعماء المتعصبين كهتلر وأضرابه ، فتنتهم فلسفة القوة والعنف وحدها ، وأن تقبل على تأييدهم فى عنفهم وعدوانهم تأييدا لاحد ، له وألا تشعر بما في وسائلهم وسياستهم المدمرة القصيرة النظر من الأخطار والتبعات الفادحة ، وألا تحاول في الوقت المناسب أن تثوب إلى رشدها ،  وأن تقصى أولئك الزعماء البغاة عن قيادتها . ولو تذرع الشعب الألمانى في الوقت المناسب بشىء من الفطنة والشجاعة ، مذ ظهرت بوادر الهزيمة على جيوش ((الريخ)) واستطاع أن يحطم هتلر وعصابته ، لاجتنب كثير من الضحايا والآلام الفادحة من الجانبين ، ولنجت ألمانيا ذاتها من الدمار المطبق الذى حل بها ، وفازت بمصير غير مصيرها الحالى ، وكانت هزيمتها أرفق وأهون شأنا .

ولكن ألمانيا ربطت مصيرها بمصير النظام العنيف الذي اعتنقته ، وآثرت أن تنحدر معه إلى الهاوية التى حفرها ببغيه وعدوانه ، ولم تذعن لقوة أعدائها إلا بعد أن مزق الوطن الألماني شر ممزق ، وسحقت جيوشه فى

كل ساحة ودمرت موارده ، واحتل العدو سائر أرضه . وهكذا غدت الاشتراكية الوطنية (الهتلرية) التى لاح مدى حين أنها مبعث القوة والعظمة للريخ الثالثة ، مقبرة لعظمة ألمانيا وقوتها ، ومورد التهلكة والدمار للأمة الألمانية بأسرها .

-٢- على أن انهيار ألمانيا النازية وتسليم ألمانيا ليس الا بداية النهاية فيما تبقيه الأمم المتحدة لاستقرار السلم وتوطيد حكم القانون ، وحماية قدس المعاهدات الدولية . ولقد كانت معاهدة فرساى التى فرضها الحلفاء على ألمانيا الامبراطورية عقب هزيمتها في الحرب الكبرى ترمى إلى نفس المقاصد ، وكانت تمثل يومئذ أقسى ما يمكن أن يذهب اليه الظافرون في تأمين السلم والقضاء على نزعة العدوان . وكانت المانيا المهزومة تلقى يومئذ شيئا من العطف في بعض الدوائر ، وباقى القول بوجوب التفرقة بين الشعب الألمانى وبين حكامه وقادته شيئا من التأييد . وكانت تهمة الحرب وما تخللها من آثام وجرائم تلقي بالأخص على كاهل السياسة الامبراطورية ، وليس على الأمة الألمانية بأسرها . وقد كان لهذه التفرقة أثرها فى تلطيف الشروط المفروضة على المانيا وفي المحافظة على وحدتها وصون حرياتها واستقلالها .

ولكن معاهدة فرساى كانت فشلا ذريعا ، ولم تكن سوى أداة لبعث النازية ، ومقدمة للحرب العالمية الثانية التي شهرتها الريخ الثالثة . وما وقع في الحرب الكبرى لابعد شيئا مذكورا بالقياس إلى ما ارتكبته ألمانيا النازية خلال هذه الحرب من ضروب التدمير والسفك التي لم يسمع بها . وقد مضى الشعب الألمانى فى تأييده للعصبة الهتلرية في كل  ما اقترفت ، وآزرها في نضالها البائس حتى آخر لحظة وعلم ذلك فان هذه النظرية القديمة في التفرقة بين الشعب الألمانى والدولة الألمانية في تقدير التبعات لم تجد حظا من القبول .

ومهما اختلفت أشكال الحكم في ألمانيا ، فإن نزعة العدوان عاطفة متأصلة فى نفوس الشعب الألمانى ، ولم يكن قيام الهتلرية بكل ما تعتنقه من المبادئ العنيفة إلا رمزا لميول الشعب الألمانى وأمانيه .

وهكذا يعامل الحلفاء الظافرون ألمانيا النازية باعتبارها وحدة متضامنة في التكفير عما ارتكبت . وألمانيا تشعر فى محنتها الغامرة بروعة الكارثة التى نزلت بها ، وروعة ما يخبئه لها المستقبل القريب . ولقد صرح القواد الألمان الذين وقعوا صك التسليم بأنهم يضعون ألمانيا ومستقبل الشعب الألماني تحت رحمة الظافرين ، ومع أن الشروط الى وضعتها الأمم المتحدة لمعاملة ألمانيا المهزومة لم تعرف بعد ، وقد يمضى بعض الوقت قبل أن تبرم بصورة نهائية ، فإنه لا ريب أنها ستكون أفدح وأبعد مدى مما فرضته معاهدة فرساى التى أثبتت التجارب المؤلة أنها لم تحقق شيئا مسماء علق عليها .

والآن تحتل الجيوش المتحالفة سائر أراضى الوطن الألماني ، وتبدأ مهمتها الشاقة في حكم ألمانيا المغلوبة المحطمة . وليس من المعروف بعد ما إذا كانت الأمم المتحدة ستبقى على الأميرال دونتز خلف هتلر ؛ وقد أبدى الأميرال نفسه ريبه فى مستقبل حكومته ، وصارح الشعب الالمانى ، بأن بقاءها مرهون بمشيئة الحلفاء ولكن الحوادث قد

تتمخض فى المستقبل القريب عن ظهور قوى سياسية جديدة في ألمانيا المحتلة يمكن أن يركن إليها الحلفاء فى تأليف حكومة محلية تعمل لضبط الأمن والنظام تحت إشراف سلطات الاحتلال .

ومن الواضح أن سلطات الاحتلال ستعنى قبل كل شئ بالعمل على تتبع آثار النظام النازى ومحوها في سائر مناحى الحياة الألمانية العامة والخاصة . وقد أعلن الأميرال دونتز إلغاء الحزب النازى واختفاءه كهيئة من هيئات الدولة الألمانية ، ولكن حل الحزب النازى لا يكفى فى القضاء على آثار نظام تغلغل في صميم الحياة الألمانية ، ولا بد من مضى وقت حتى يتم القضاء على آثاره الظاهرة على الأقل . وسوف تشرف سلطات الاحتلال فى نفس الوقت على تنفيذ عهد التسليم ، وحل الجيش الألمانى ، ونزع سلاح ألمانيا ، وهذه مهمة تستغرق جهدا فادحا .

لقد انتهت الحرب في أوربا ، ولن نسمع بعد شيئا عن تطور المعارك العسكرية ، ولكن بقى علينا أن نرقب سير التطورات السياسية والاجتماعية في ألمانيا والدول المحررة . وسوف تحتل هذه التطورات منذ الآن فصاعدا المقام لأول فى الحوادث الأوربية .

اشترك في نشرتنا البريدية