الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 155 الرجوع إلى "الثقافة"

بعد عشرة اعوام

Share

كان الزمان مساء الخميس من شهر مارس سنة ١٩٢٥ . وموجة الدفء تسري في هيكل الشتاء المتجمد سريان رنوة الحنان في عين الحسناء المتكبرة ، و كان مسرح حديقة الأزبكية مكتظا ببعض طلاب مدرسة الخديوية ، اختارتهم المدرسة لمشاهدة تمثيل رواية كليوباطره ، وكان جابر رشدي يري المسرح لأول مرة في حياته ، وكان مقعده الرابع من الصف الثالث من الصفوف الأمامية ، فجلس مسرورا وفخورا - لا لحسن موقع مقعده فحسب - ولكن لأنه صادف أن ليس البنطلون الطويل لأول مرة كذلك في ذاك المساء، وكان يقول لمن حوله بثقة : إنه من غرائب المصادفات حقا أن يجلس في نفس الصف الذي يجلس فيه عادة كلما ذهب إلي مسرح الحديقة مع والده ! . ولبث المكان يضج بالصراخ والتنادي والضحك والنكات الهامسة يقذف بها المدرسون ؛ ولكن ما كاد الجرس يرن والمكان يظلم حتي سكتت الأصوات واشرأبت الأعناق ؛ ثم رفع الستار وبدأ التمثيل بين الاهتمام والشغف إلي أن انتهي الفصل الأول وهبط الستار ، فضج المكان بالتصفيق ؛ صفقت الأيدي الصغيرة حتى أعياها التصفيق ، ثم عاود أصحابها أحاديثهم وعبثهم . وكان يجلس إلي يسار جابر رشدي فتي يدعي الحديدي ، له تجارب في اللهو والغزل على حداثة سنه ، ومعدود من رواد دور التمثيل ، وقد قرأ في وجوه من حوله آي الإعجاب والانبساط فأكرم نفسه عن مشاركة السذج والأغرار عواطفهم ، وقال بلهجة الناقد : " لا تعجيني هذه الرواية ، والحق أن أجمل ما فيها هي كليوباطره نفسها أعني سوسن جوهر " فلاح الرضا في وجه جابر وقال بإعجاب : " سوسن جوهر ، ما أجملها . ما أفتنها ! " فنظر إليه

الحديدي نظر الخبير إلي الغشيم وقال : " ليست كما تتصور يا هذا ، ولكنها على كل حال جديرة بالإعجاب ، لأنها تبدو كاليافعة وهي في الحقيقة في نهاية الحلقة الرابعة " فلاذ جابر بالصمت دهشة ، وكبر عليه الأمر ، وكان في حال يرثي لها ، لأن كليوباطره حين أبدت محاسن وجهها ومفاتن جسمها ورنت بعينيها وتثنت بعطفيها ونفثت سحر الحديث وحلو الكلام قنصت إمبراطور الرومان على المسرح وسحرت المسكين جابر رشدي في الصف الثالث ؛ لبث طوال مدة التمثيل يصعد إليها بصره في ذهول ابن أربعة عشر ، يتجلي له حسن باهر لأول مرة . وكانت سوسن جوهر تبدو في اللباس الملكي آية في الحسن المنغمر بنور المسرح البهيج ، نقية اللون والثغر ، ضامرة البطن ، رشيقة القوام ، مرتوية الساقفين قاتلة الرنوات ، سوداء الشعر ، عذبة الصوت ، حلوة النبرات ، لم يسمع كصوتها ولا في سجع الأغاني ، فتساءل حيران مغرما : " أإنسان هذه المخلوقة البديعة أم ملاك كريم ؟ . . هل يمكن أن يخفق قلبها بالحب ؟ وأن تهيم بإنسان كما يهيم الناس بها ؟ " ورغب أن يعطف سؤاله إلي الحديدي ، ولكنه أشفق من تهكمه ، وتعوذ بحمي الصمت حتى فارق المسرح سليب اللب فقيد القلب ، مشرد الخيال ، ثائر النفس ، مصدع الصدر ، يعالج أنفاس الحب الأولي . وثقلت عليه الحياة خارج المسرح حيث لا سوسن ولا كليوباطره ، فبدأ البيت باردا والمدرسة سمجة ، وكبر عليه أن ينظر إلي وجه هذا أو ذاك من البشر بعد أن قيست عيناه نورا من جبين سوسن الشرق ، فأحس تمردا وثورة ، ونازعه قلبه إلي النسيم العبق والستائر المحتملة الحمراء والنور البهيج ، وجعل يتنهد قائلا : متي يأتي يوم الخميس ؟ . ولم يكن في وسعه أن يذهب إلي المسرح أكثر من مرة في الشهر ، ولكن صورتها لم تفارقه قط ، كانت تثوي في قلبه

ووجدانه ، وتلوح في خياله أبهي مما تطمع فيه أية حسناء ؛ وتابع ما يكتب عنها في المجلات ، واقتطع الصور التي تنشر لها ، جاملا منها نماذج لقلمه المفتون ، وعاش في دنيا خيال وفتنه وإبداع دعائمها خفقة القلب الأولى ونشوة اليفاعة ويقظة الخيال وتوثب العاطفة وطهارة القلب ، فراح ضحيتها جميعا واعتله المرض الذي لا شفاء منه ؛ وكان يسائل نفسه محزونا مكتئبا : ما معنى هذا الحب الذي اغرق فيه ؟ . ما جدواه ؟ . . وما عسى أن تكون غايته ؟ . وما من امل أعلل به نفسى ، وما من سبيل إلى ان نعلم ان في صدري قلبا لها يأتكل ويحترق ؟ . . أما لعذابي هذا من ختام ؟ . وأما لدمعي من كفاف ؟ "

وبلغ به اليأس ان جعل يفكر في الانتحار ، ولكنه لم يبتل بمداومة التفكير فيه ، إذ خطر له خاطر سعيد هبط على قلبه كالوحى ، فأشرق الامل بعد مغيب . قال لنفسه : إنى لم أجاوز الرابعة عشرة ، وسوسن تعتلي فمة الأربعين ؛ وكلما تصبرت عاما اوغلت قدمي في بساتين الصبا وهبطات هي درجات نحو وادي الشيخوخة ، وسأناهز العشرين حين تنتصف بها الحلقة الخامسة ، ولن أرضي باليأس في ذاك العهد القادم ، ولا بأس ان امد حبل انتظاري لعلى اجد في الخامسة والعشرين او ما بعد ذلك متنفسا لصدري وبرءا لسقامي ، وهل تزهد امراة في الخمسين في شاب ابن خمس وعشرين يتوسل إليها لشدة حبه وشبابه وعذاب الاعدام ؟ واطمأن إلى منطقه وحيبه إليه الامل فداخلته رقة ولدة وطابت له الحياة .

وتوالت السنون فحصل على البكالوريا والتحق بالزراعة العليا ، ولبث قائما من لذة الدنيا بمشاهدتها بضع ساعات كل شهر ، حتى كانت سنة ١٩٢٩ فأعلنت المجلات المسرحية ان فرقة سوسن جوهر ستقوم برحلة فنية في البلاد الشقيقة ، فجزع جابر جزعا شديدا ، وايقن انه سيحرم لذته

الوحيدة أشهرا طوالا ؛ ولكن بعد انقضاء زمن الرحلة نشرت المجلات خيرا مؤداه ان سوسن جوهر تعتزل التمثيل إلى حين للعمل في السينما ، فكانت القارعة ، وبلغ منه الحزن مبلغا جنونيا أضناه وعناه وكربه ؛ ولكنه لم يستسلم لليأس ، وبات على امل ان يراها يوما في السينما أو أن ينازعها الشوق إلى المسرح فتعود إليه ؛ نعم ما دامت تعمر الدنيا بحسنها فما ينبغي له ان يقنط ؛ ولكنه لم يستطع أن يقاوم وحشة مخيفة تجثم على صدره ، فكانه كان يعيش في قبر مهجور .

وجاءت سنة ١٩٣٢ فحصل علي دبلوم الزراعة وعمل مهندسا زراعيا في أدفينا . . وحمل معه إلي مقر عمله ما سماه " متحف سوسن " . وهو صوان صغير أنيق يحتوي مجموعة صورها المختارة من الصحف والمقالات ، والنبذات التي نشرت عنها في المناسبات المختلفة ، وكراسة ضخمة أرخت حبه يوما بعد يوم ، وسطرت تاريخ هواء وآلام قلبه ، غير مبقية على زفرة أو أنه حتى الدموع استقرت في أماكنها بين الأسطر وعلى الكلمات  واحتفظ كذلك فيه بالبذلة التى كان يرتديها يوم رآها لأول مرة فى مسرح الآزبكية ، لم يهملها لتقادمها ، وقد لفت جسمه مساء نفذ إلى صدره أول شعاع للحب ؛ وكان يثوب إلي هذا المتحف كلما نازعته إليها نفسه أولج به الشوق ؛ فلم يفارق جوها ودنياها ، ولبث خياله غارقا في أحلامها وأوهامها . ومضت الأيام يحتث بعضها البعض وهو يتصبر وبتجلد ، ويتملص من مخالب اليأس ، حتى كان عام ١٩٣٥ ، وشاء الله أن يكافئ ذلك الأمل اللحوح ، فظهر إعلان في المجلات يبشر بعودة سوسن جوهر إلي عالم الفن وافتتاحها صالة للرقص والغناء . فلم تهتز نفس في مصر كما اهتزت نفس مهندس أدفينا الزراعي ، ولقد ثبتت عيناء على الاعلان في ذهول ثم في إشراق وفرح ،

ثم في اضطراب وجنون ، ثم تنهد من أعماق صدره وقال وعيناء ثغرورقان : " جاء يومي بعد تصير عشرة أعوام " وحشا حافظته بالنقود التي أعدها لذاك اليوم السعيد ، وسافر إلي القاهرة يود لو يندفع القطار بقوة فرحه .

واستقبل المساء علي تمام الأهبة ، حليق الذقن ، أنيق الملبس ، عامر الجيب ، ومضي إلي الصالة كالحالم ، ووجد الجمهور يدخلها زرافات ضاحكة عابثة ، فدخل مع الداخلين ، ولكن كان وجلا متهيبا حائرا متسائلا : تري ماذا هو فاعل ؟ وعلي أي وجه تنتهي مخاطرته ؟ ورأي مائدة خالية قريبا من المقصف فقصد إليها وجلس ، وألقي علي المكان نظرة شاملة . كانت تمثل رواية هزلية من فصل واحد فلم يلق إليها بالا ، وكانت جماعة من الراقصات يجالسن بعض الشبان ويشاربنهم ، فلم تعجبه مداعبتهن ولا توددهن ، وتساءل متأففا : هل يدعو سوسن كما يدعو الشبان الراقصات ؟ . . ولكنه لا يريد ثمنا لشراب يقدمه ، ولكن ثمن الحب الأمين والصبر الجميل . إنه ما أعد العدة في أحلامه للقاء يتم في صالة . وانقبض صدره وأحس وحشة وكآبة ، وأيقظه من غيبوبته صوت ينادي النادل وراءه مباشرة ، فأوشك أن يلتفت إليه ، ولكنه جمد وخفق قلبه خفقة عنيفة كاد لها يتصدع ، إنه الصوت الرخيم العذب ، الذي لبث يتجاوب في قرارة نفسه عشرة أعوام ، صوت كليوباتره جاءه من حيث لم يتوقع . . وحنت حواسه وجوارحه جميعا إلي الوراء ، ولكنه لم يبد حراكا من فعل المباغتة والصوت ، وثورة الوجدان ، وكان يجلس أمامه حول مائدة عامرة بالكؤوس المترعة جماعة من أعيان الريف كما يدل مظهرهم ، فاتجه واحد منهم إلي التي وقفت وراءه ، وأحني رأسه ثم دعاها إلي الجلوس . . فاشتد وجيب قلبه وهو يوشك

أن يراها بعد صبر عشرة أعوام وآلام مائة وعشرين شهرا . وصوب نحوها ناظريه في تهيب وهيام . رأي القادمة تسير في تبختر الأوزة ، عبلة القوام ، لفاء الساقين ، رابية الكفل ، ذهبية الشعر ، ذهبية الأسنان ، قاضحة التبرج ، تتردد في عينيها نظرة إغراء وخبث ؛ فالتفت إلي الوراء سريعا فلم ير سوى بعض العمال ؛ فعاد إلي المرأة ، وقد تبدل من هيامه حيرة وانزعاجا وذعرا . أين كيلوباتره ؟ اين الملاحة والرشاقة والفتنة ؟ من هذه المرأة الغليظة الفاجرة ؟ رباه هذا الصوت لا يخطئ ، وهو الذي حافظ على بهائه القديم دون ما عداه وهذه الملاح ملامح سوسن على تغيرها وبشاعتها ؛ فكيف حدث كل هذا ؟ وكيف لم يشعر به قلبه المرهف المغرم ؛ رباه ؛ إنها تجاري الراقصات في تبذلهن وفي إيماآتهن الوقحة ، وفي مداعباتهن المكشوفة ! أين هذا من حوار كليوباتره الفاتن وهواها الخالد ، وسحرها الذي لا يقاوم ؟ . . لقد انهار كل شئ كأنما دكته قنبلة عانية وتركت في أثره خرائب لها في صدره صدي وحشة وفي قلبه حسرة ولوعة : ودنا النادل منه فأوما إليه وأشار إلي المرأة وسأله بصوت خافت : " من هذه ؟ " فقال الرجل منكرا : " كيف لا تعرفها ؟ هي سوسن جوهر " ، ففض طرفه وأحس رغبة إلي البكاء ؟ بل إلي الصراخ والعويل ، ولكن ماذا يجديه هذا ؟ . لقد انتهى كل شئ .

ومضي الليل مع هذا في الصالة غائبا عما حوله ، يرمق سوسن - سواء في مجلسها او علي خشبة المسرح - بنظرات حائرة بائسة ، وكان يحاول - مستعينا بخياله وامله ورغبته - ان يجد فيها حبيبته فلم يفلح . وعند منتصف الليل رآها تغادر الصالة من الباب الخلفي متابطة ذراع رجل طويل القامة مفتول الشارب ، يرتدى

معطفا وجلبابا وطربوشا طويلا ، لدرجة تلفت النظر كانه من رجال البوليس السري ، وكان على مقربة منه بائع فستق جوال ، فاوما إلى رقيق الراقصة وسأله بسذاجة : " من الرجل ؟ . . " فنظر إليه البائع بغرابة وإنكار ، ثم احنى راسه حتى نفوس قفاء وصفع نفسه تلائا وضحك ضحكة بشعة . واتجه بصر الشاب نحو المرأة ، وتنهد قائلا من قلب مكلوم : " الوداع يا سوسن . الوداع إلى الأبد ؛ . "

وعاد إلى ادفينا متصدع الراس محطم القلب ، وثبت

في نيته أن يحرق متحف الحب على أثر وصوله ؛ ولكنه ما كاد يري الصور التي طالما الهمت قلبه الحب والعطف والحنين ، والكراسة التي اشتملت على ذكريات عشر سنين من الهيام واثر الدموع بين الأسطر ، حتى عدل عن عزمه وقال لنفسه متأثرا : " كلا لن يزول هذا الأثر ، فاحراقه إحراق لأجمل عهد بضوع منه مسك الشباب . . فليبقى متحف الحب وليكن حبا بغير حبيبة . ثم بسط كراسة الذكريات بين يديه وأضاف إليها بضمة أسطر ، كانت ختام تاريخ الحب والوهم .

اشترك في نشرتنا البريدية