الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 243الرجوع إلى "الثقافة"

بعد فتح صقلية

Share

كان القدماء يقضون السنين الطوال ، يحاربون من أجل السيادة في صقلية ، ثم ينتهي  الأمر بأن يحتل فريق طرفا من الجزيرة ، ويحتل الفريق الثاني جانبا آخر منها . في ذلك الوقت كانت جزيرة صقلية عالما عظيما ، وقطرا ضخما ؛ وكان لابد للجيوش من شهور لكي تقطع المسافات ، التي لا تحتاج اليوم إلا لبضع ساعات .

وكان الطامعون في الجزيرة في ذلك العهد يكتفون بأن يكون لهم نصيب منها ، ولأعدائهم نصيب ، ثم يجنحون إلى السلم فترة من الزمن ، إلي أن تتاح الفرصة لإشهار الحرب مرة أخري .

ولكن صقليه لا ينظر إليها اليوم بأنها قطر ضخم - برغم غناها واتساعها - وليست مقصودة لذاتها ، وإنما هي اليوم مثابة درجة من سلم ، أو عتبة تنفذ منها الأقدام

إلي داخل البيت . والاستيلاء عليها لا ينظر إليه إلا بأنه خطوة أو مرحلة من مراحل الحرب .

في هذه الحرب الصقلية التي لم تدم أكثر من بضعة وثلاثين يوما ، شهدت الجزيرة أحداثا عجيبة ؛ لم تشهد الجزيرة في تاريخها الطويل أعجب منها ، على كثرة ما مر بها من الأحداث . وقد سبق للجزيرة أن كانت ميدانا للحرب بين الفونيقيين والرومان ، وبين العرب والروم ؛ وكان هذا في ذاته غريبا ؛ ولكن غرابته لا شك قد تلاشت لما شهدناه في هذه الأسابيع الأخيرة من حرب عجيبة ، يضطلع بعبء الهجوم فيها جيوش آتية من وراء المحيط الأطلسي ، قطعوا آلاف الأميال لكي يشتركوا في غزو جزيرة من جزر البحر المتوسط ، جالبين معهم عدتهم وآلاتهم وأسلحتهم ، وكثيرا من طعامهم وعلاجهم . ومن الجيوش

الأمريكية أفراد أتوا من الجانب الغربي من الولايات المتحدة . وهؤلاء ، قد قطعوا نحو عشرة آلاف من الأميال ، لكي يقاتلوا في جزيرة صقلية .

هؤلاء هم المهاجمون ؛ أما المدافعون عن صقلية فقصتهم لا تقل غرابة . فإن القوات التي ثبتت طويلا في ميدان قطانيا وفي حصن تروينا ورندازو لم تكن الجيوش الإيطالية ، بل الجنود الألمان الذين جاءوا من شمالي القارة الأوربية ، وهكذا شهدت صقلية حربا من أغرب الحروب التي مرت بها .

لقد تم للحلفاء فتح صقلية من أولها لآخرها في أقل من اربعين يوما ، دخلوها في اليوم العاشر من يوليو ، ولم يكد الشهر أن ينتهي حتى كان أربعة أخماس الجزيرة في أيدي الجيوش المتحدة ، ولم يبقى أمامهم سوى الركن الشمالي الشرقي ؛ وقد اشتد القتال حول هذا الركن الصغير ودافع عنه المحور دفاعا مجيدا ، مع علمة بأن الجيوش المحورية لابد لها في النهاية أن تجلو عن الجزيزة تماما ، لأن الحرب الحديثة لا تسمح لقوة محاصرة أن تثبت للهجوم مدة طويلة . ولكن قيادة المحور أرادت أن تطيل الدفاع عن هذا الركن الأخير إلى أقصي حد ممكن ، لكي تؤخر وصول الحلفاء إلى بوغاز مسينا بقدر الإمكان .

والآن وقد تم فتح صقلية ، وباتت الجزيرة كلها خاضعة لسلطان الدول المتحدة ، يجوز لنا الآن أن نتريث لكي تستخلص النقط البارزة التي امتازت بها هذه المرحلة من مراحل الحرب ، وننظر في التطورات التي تليها .

وأول ملاحظة تسترعي الانتباه أن غزو صقلية كان شيئا يتوقعة جميع الناس ، منذ زوال نفوذ المحور في إفريقية في النصف الاول من شهر مايو الماضي . إذن كان غزو صقلية متوقعا قبل حدوثه بشهرين . وفي أثناء الحرب الإفريقة نفسها كانت صقلية أهم مصدر لتموين قوات المحور في تونس ؛ فلابد أن كانت الجزيرة ملآي بمعدات الحرب ،

وفيها من الجنود العدد الكافي . ولئن كان هنالك نقص تبير في قوات الدفاع عنها ، فإن مهلة الشهرين كافية لاتخاذ الأهبة اللازمة لمقابلة غزو الحلفاء ما يستحقه من المقاومة العنيفة

والجزيرة قطعة من الوطن الإيطالي ، وعلي اتصال مباشر بألمانيا ، فمن السهل إمدادها بالرجال والعتاد في مدة وجيزة ؛ بينما قوات الحلفاء يأتيها العدة والرجال من وراء المحيطات ، بعد قطع البحار الواسعة المعرضة لأخطار الغواصات والألغام ، وبعد كثير من النقل البري الطويل في شمال القارة الإفريقية

فإذا كان غزو صقلية أمرا ينتظره الجميع ، وفي متناول دول المحور أن يمدوا الجزيرة بالقوة الدفاعية اللازمة لها ، فإن لنا الحق ان نعجب من أن قوات الحلفاء كانت بادية التفوق في البر والبحر والجو ، وأنها استولت على الجزيرة بهذه السرعة الفائقة ، وأن دول المحور في الحقيقة لم تحشد القوة اللازمة للدفاع عن الجزيرة .

ومن المعلومات أن طبيعة الجزيرة الجبلية تجعل الدفاع عنها اسهل بكثير من غزوها وفتحها . ولقد كان من الممكن أن الوقفة التي وقفها جيش المحور في الطرف الشمالي الشرقي يكون لها نظيرها في الجنوب وفي الغرب ، لو أن هنالك جيوشا تقف في سبيل الغزاة

لقد قيل في تبرير هذه الظاهرة أمور كثيرة ، منها : أن قيادة المحور لم تكن تنوي الاحتفاظ بصقلية . وأن الخطأ التي رسمتها منذ بداية الغزو هي إخلاء الجزيرة تدريجيا ، والسماح للحلفاء باحتلالها مع تأخير هذا الفتح إلي أقصي درجة ممكنة . وإذا صح هذا فإن قيادة المحور لها رأيها وهي أدرى بوجاهته منا . ولكنا نحن عامة الناس بحق لنا ان نعجب من التضحية بهذه الجزيرة العظيمة ، ذات الموقع الجغرافي والحربي المنقطع النظير ، ونحن مضطرون لأن تفترض ان المحور قد جلا عن صقلية لأنه كان

عاجزا عن الاحتفاط بها ويحق لنا بعد هذا أن نفكر في سر هذا العجز . إن ألمانيا نواجه حربا شعواء في شرق أوربا ، وللمرة الأولى تقف أمام جيش روسي استطاع في فصل الصيف أن يبدأ بالهجوم ، وأن يستولي على مدن وحصون متيمة ، وأن يرد الجبهة الألمانية عشرات الأميال إلي الوراء . إن الميدان الروسي أجل خطرا من الميدان الصقلي ؛ وإذا أصابت الجيوش الألمانية كارثة في الميدان الشرقي تعرض الوطن الألماني كله للخطر ؛ ولم يغنه ألف انتصار في إفريقة أو صقلية . ولقد أصيب الجيش المحوري بالهزيمة في إفريقية وفي صقلية فلم يكن لهذا نتيجة مباشرة على الوطن الألماني . ولكن إذا أتيح للروس أن يفوزوا بنصر باهر في جزء واحد من الميدان الشرقي ، أصيب الميدان كله بالإنهيار . . لهذا لم يكن بد من أن تكون عناية ألمانيا الأولى موجهة إلي الميدان الشرقي وإلى تقويته وتعزيزه . فإذا كان هنالك فضل من الجند والذخيرة والعتاد فأولي به أن يكون قوة احتياطية لهذا الميدان الخطير .

ولا بد لنا أن نستخلص من هذا أن ألمانيا في صيف هذا العام لم تكن تملك من القوات الاحتياطية ما يمكنها من إمداد الميدان الصقلي بحاجته من الجند ؛ ولهذا لم يكن بد من أن يكون اعتمادها الاكبر على الجيش الإيطالي وان تكون القوة الجوية الألمانية بالقدر الضروري . ولقد اعتاد الناس ان يسخروا من الجيش الإيطالي ، وأن يصفوه بالضعف والعجز ؛ ولكن تصريحا صدر من القائد الأعلي للجيوش المتحدة في الأسبوع الماضي يدل على أن في هذا الوصف شيئا غير قليل من الإسراف . فقد قال الجنرال إيزنهور : إن القوات الإيطالية التي كانت تغطي تراجع الجيش الالماني المتقهقر قد ابلت بلاء حسنا . والذي نستطيع أن نستخلصه من هذا ، أن الجندي الإيطالي لاتعوزة الصفات الحربية اللازمة ، بقدر ماتعوزه الرغبة

الصادقة في متابعة هذه الحرب . فبالرغم مما ذكر عن موقف الجنود الإيطاليين التي أبلت بلاء حسنا في المرحلة الأخيرة من الحرب الصقلية ، فإنه لا بد من التسليم بأن الجيش الإيطالي بوجه عام لم يقم بدفاع شديد عن الجزيرة ، وأن كثيرا من الوحدات كانت تسلم من غير حرب ؛ وأننا لا بد لنا أن نخلص من هذا كله إلى نتيجة لا مفر منها ، وهي أن الجيش الإيطالي - كالشعب الإيطالي - قد أخذ يسأم الحرب ، ويزهد فيما قد وعد به من المغانم ؛ وبات اليوم وأقصي أمانيه أن تضع الحرب أوزارها ، وأن ينعم بالسلم مرة أخري

إن هذه الروح موجودة في الجيش الإيطالي ولا شك في وجودها ، كما انه لا شك في انها آخذة في الزيادة والانتشار ، وقد زاد في توكيدها وانتشارها زوال الحكم الفاشستي ، واعتقاد الناس بأن الحرب شديدة الصلة بذلك الحكم ، وأن منطق الأشياء يقضي بأن تزول الحرب وتنقضي بانقضائه . وهذه الحقيقة - وإن تجاهلها رئيس الحكومة الإيطالية في الوقت الحاضر - فإنها ستكون من الأمور ذات الخطر في تقرير مجرى الحوادث في المستقبل

وصفوة القول إذن أن الحلفاء قد تم لهم فتح صقلية بهذه السرعة لسببين : أولهما عجز المانيا عن إمداد الميدان الصقلى بالدرجة الكافية ؛ والثاني قلة رغبة الجيش الإيطالي - أو جزء كبير منه - في متابعة الحرب ويحق لنا أن نتساءل : إلي أي حد سيظل هذان السببان قائمين بحيث يؤثران في جميع تطورات الحرب المقبلة ؟

تقف جيوش الحلف الآن علي مضيق مسينا ، لا يفصلهم عن أرض إيطاليا سوي مساحة ضئيلة من الماء ، لا تزيد على الميلين في أضيق جزء من المضيق . والجزء المقابل لصقلية هو مقاطعة كالابريا ، وهي إقليم جبلي وعر ، ترتفع أرضه من ساحل البحر المقابل لمسينا ، فلا تلبث حتى تبلغ نحو الفين

من الأمتار . وطرق المواصلات الوحيدة في هذا الاقليم تلتزم الساحل الضيق بين البحر والجبل

ومن المعلوم المشهور أن إيطاليا تمتد نحو الجنوب في شكل شبه جزيرة ، وطرفها الجنوبي يشبه النعل ؛ فكان إيطاليا كلها بمثابة رجل قد ألبست حذاء ضخم ، ومقدمة الحذاء هو مقاطعة كالابريا المقابلة لمسينا ، وكعب الحذاء هو مقاطية أبوليا المشرفة على البحر الأدرياتي . وهذا الكعب طويل جدا ، بحيث يكون بينه وبين مقدمة الحذاء فراغ عظم يحتله البحر في صورة خليج وهو خليج تارنتو ، حيث الميناء الحربي الشهير السمي بهذا الاسم ؛ وحيث يقيم الشطر الاكبر من الأسطول الإيطالي .

والآن - وقد تم للحلفاء بسط سلطانهم على صقلية - قد أخذ الناس يتحدثون في الخطوة التالية ؛ فمن الجائز أن يحاول الحلفاء عبور المضيق ، واحتلال الطرف الشرقي منه ؛ وكانهم بهذا يتابعون خطهم ويسيرون في نفس الطريق الذي سلكوه من قبل ، متممين ما بدأوه ، معتبرين هذا المضيق مجرد عقبة ، أو خندق عظيم لابد من الوثوب فوقه .

غير أن الحاله أكثر تعقدا من هذا ، فإن الاستيلاء على صقلية يتيح للفاتحين احتمالات عديدة . فهم ليسوا مضطرين لان بهاجموا الطرف الجبلي من كالابريا ، وأمامهم جهات اخري أكثر سهولة . وفي وسعهم ان يهاجموا أبوليا وهي أرض سهلة يمكنهم الاستيلاء عليها من التسلط على ميناء تارنتو وبرنديزي ، والتحكم في مدخل البحر الأدرياتي ؛ إذ ليس من شك في أن كعب الحذاء أجل فائدة وأعظم نفعا من مقدمة الحذاء ذات الطبيعة الحبلية والمسالك الوعرة . كذلك في وسع الجيوش المتحدة ان تغير على سواحل إيطاليا الجنوبية ؛ وأن محاول احتلال خليج سالرنو أو خليج نابولى نفسه ، أو خليج بوليكاسترو ولعل الاحتمال الأخير أقرب إلي الظن

على أن الخطط الحربية قينة بأن تخلف كل ظن ، وان تأتي بما لم يكن متوقعا . ولقد صادف فتح صقلية انعقاد مؤتمر خطير في أمريكا يشهده كبار سادة الحرب والسياسة من بريطانين وأمريكين . وأخذت الالسن تردد أن قرارات خطيرة لا تلبث أن تقطع ، وأن خطوات جليلة في الحرب الأوربية توشك أن تتخذ . ولقد قيل في جملة ماقيل ، إن أهمية غزو إيطاليا قد نقصت هما كانت ، وأنه يكتفى بفتح صقلية والتحول إلي ميدان جديد ؛ وأشير إلى أن هذا الميدان هو غربي أوربا . وليس مستبعد ان يحاول الحلفاء غزو أوربا الغربية في هذا الخريف ، فإن حملة صقلية قد أكسبت جيوشهم خبرة جديدة ومرانا على هذا الضرب من الأعمال العسكرية . ولعل لديهم علما بأمور اخري تبرر التعجيل بهذا الغزو .

ولكن الأمر الذي يصعب قبوله ان يكون هذا الميدان الجدد سببا في إلغاء كل عمل اخر في جنوب إيطاليا . فان الحلفاء إذا استطاعوا الاستيلاء على جنوب إيطاليا ، بقطع النظر عن سائر الملكة ، فإن هذا وحده يكسبهم منافع عظيمة جدا ، ليس أقلها خطرا تهديد شبه جزيرة البلقان ، والسيطرة على مدخل البحر الأدرياتي

لهذا يصعب أن نتصور أن الحلفاء سيعدلون عن متابعة غزو إيطاليا اكتفاء بفتح ميدان جديد في مكان آخر ؛ بل الأقرب إلى الظن أنهم سيمضون في حملتهم الإيطالية التي لم تكن صقلية سوى الرحلة الأولى منها وهذه المرحلة لابد ان يفصلهما عن المرحلة التالية فترة من الزمن . فبالرغم من أن مضيق مسينا قليل المساحة ، فإنه لا بد من مضي بعض الوقت ، لكي يتم فيه إصلاح المطارات القريبة من المضيق ، ولإصلاح ميناء مسينا نفسها ، والطرق الممتدة على شاطئ المضيق .

اشترك في نشرتنا البريدية