الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 255الرجوع إلى "الثقافة"

بعد مؤتمر موسكو

Share

حققت الدول المتحالفة فى مؤتمر موسكو أعظم نصر  سياسى أتيح لها مذ عقد ميثاق الإطلنطيق فى أغسطس  سنة ١٩٤١ ؛ وكان الحديث قد كثر قبل مؤتمر موسكو  حول علائق الديمقراطيتين الكبيرتين ، انكلترا وأمريكا بروسيا السوفيتية ، وعن اختلاف وجهات النظر بينهما فى بعض المسائل العسكرية والسياسية ، وبلأخص عما  يخشى أن تعتزمة روسيا من انتهاج خطة مستقلة قد تحملها  على عقد صلح منفرد ، إذا لم تبادر انكلترا وأمريكا إلى  تحقيق وعودهما فى فتح جبهة قتال ثانية فى أوروبا تعاون فى  تخفيف العبء الفادح الذى يضطلع به الجيش الأحمر منذ أكثر من عامين .

كانت هذه الأحاديث وأمثالها تردد قبل مؤتمر موسكو ، بل كان البعض يشك فى إمكان عقد مثل هذا المؤتمر بين الدول الثلاث ، فجاء عقده مبددا لكل شك وقاطعا لكل حدس ، وخرجت الجبهة الديمقراطية منه موحدة الكلمة ،

موحدة الخطط ، وغاضت جميع الإشاعات التى ذاعت حول عقد الصلح المنفرد مع ألمانيا .

ويبدو من البيان الذى أذيع عن قرارات المؤتمر أنه لم يقتصر على بحث الشئون العسكرية العاجلة ، وهى التى تتعلق بتنسيق جهود الجبهة الديمقراطية فى الشرق والغرب ، ومحاولة القضاء على العدو المشترك ( ألمانيا ) بأسرع ما يستطاع ، ولكنه تناول أيضا طائفة من المسائل التى تتعلق بتنظيم السلم عقب انتهاء الحرب .

ولم تترك الجبهه الديمقراطية بما أصدرت من قرارات  حاسمة فى موسكو شكا فى اتحاد رأيها وتوطيد عزمها المشترك  على مواصلة الحرب حتى تهزم ألمانيا الهتلرية ، ولم تترك  شكا فى موقفها من ألمانيا المغلوبة ، فلا صلح ولا مفاوضة  من أى نوع ، وإنما يجب على ألمانيا المغلوبة وشركائها فى  المحور أن تلقى سلاحها على قاعدة التسليم بلا قيد ولا شرط .

ولهذا التصميم على وجوب تسليم ألمانيا بلاقيد ولا شرط

أسباب وبواعث تاريخية . ذلك أن الحلفاء يرون أن الطريقة التى انتهت بها الحرب الكبرى فى أواخر سنة ١٩١٨ ، ومنح الهدنة لألمانيا ، وجيوش (( الريخ )) تعسكر كلها خارج الوطن الألمانى ، كانت تنطوى على خطأ سياسى وعسكرى خطير . والواقع أن ألمانيا الهتلرية عملت على إضرام نار الحرب الحاضرة وشعارها أن ألمانيا الإمبراطورية لم تهزم فى الحرب الكبرى هزيمة عسكرية ، ولكنها هزمت هزيمة سياسية فقط بسبب تصدع الجبهة الداخلية ، ولذا فهى تبدأ الحرب الحاضرة من حيث انتهت جيوش " الريخ " الثانية فى سنة ١٩١٨ ، وتستأنف نصرها العسكرى القديم بسلسلة جديدة من الانتصارات فى ميادين الحرب المختلفة ، وتملى شروطها على أعدائها السابقين ، وهم نفس أعدائها الحاليين تقريبا ، بصورة تمكنها من أن تجنى ثمار تضحياتها القديمة والحديثة على السواء .

ولهذا يرى الحلفاء أنه يجب لكى يتحقق النصر المنشود فى الحرب الحاضرة أن تضرب جيوش (( الريخ )) الثالثة ضربة قاضية ، وأن تلقى ألمانيا الهتلرية هزيمتها فى ميدان الحرب ، وأن تدخل جيوش الحلفاء الظافرة أراضى (( الريخ )) لتملى شروطها على ألمانيا المغلوبة ، وأن يشعر الشعب الألمانى بمعانى الهزيمة وآثارها شعورا عميقا قويا .

وهذا ما ينطوى عليه قرار التسليم بلا قيد ولا شرط الذى أبرمته دول الحلفاء فى موسكو ؛ فألمانيا المهزومة يجب أن تلقى سلاحها دون مفاوضة أو مساومة إذا شاءت وقف القتال ، ويجب عليها فى هذه الحالة أن تضع مصيرها تحت رحمة أعدائها الظافرين يملون عليها شروط الصلح وفق مشيئنهم وحدها .

على أنه لا يزال أمام الحلفاء لبلوغ هذه النهاية مرحلة شاقة ، وإن لم تكن طويلة .

فألمانيا مصممة حسبما يؤكد زعيمها هتلر فى خطابه الأخير على القتال إلى النهاية ، لأنها تدرك أنه مهما كانت فداحة الضحايا والآلام التى يجب أن يتحملها الشعب الألمانى فى سبيل المضى فى القتال ، فإنها لن تكون شيئا بالنسبة لنتائج التسليم أو الهزيمة .

ويقدر مستر تشرشل أن الحرب الأوربية ستشهد نهايتها فى سنة ١٩٤٤ ، إذا سارت الأمور وفق الخطط الموضوعة ، ولم يرتكب الحلفاء خطأ خطيرا فى تنفيذها ، وإذا لم يقع حادث فجائى يعجل نهاية الحرب ، كتصدع الجبهة الداخلية فى ألمانيا ، وهو فرض لا يعول عليه مستر تشرشل كثيرا .

ولم يبق شك فيما يظهر ، فى أن هجوم الحلفاء على أوربا ، وهو الذى يعبر عنه بفتح الجبهة الثانية ، سيقع فى الربيع القادم إن لم يقع قبل ذلك . وهذا ما قرره المارشال سمطس قبيل انعقاد مؤتمر موسكو ، وهذا ما يؤكده مستر تشرشل عقب انتهاء المؤتمر ، إذ يحدثنا عن حملة سنة ١٩٤٤ إلى أوربا . ومستر تشرشل كعادته كثير التحفظ ، غير مسرف فى التفاؤل ، فهو مع تأكيد ثقته فى بلوغ النصر النهائى ، يصرح فى جلاء بأن سنة ١٩٤٤ ستشهد أعظم ضحايا الأرواح فى القوات البريطانية والأمريكية ، وسوف تضطرم فيها أعظم معارك خاضها الحلفاء فى هذه الحرب .

أما أين تكون هذه الجبهة الثانية التى ستشهد خاتمة الحرب الأوربية ، فما يزال موضع الحدس الكثير ، فأمام الحلفاء فى غربى أوربا منطقة شاسعة تمتد من النرويج إلى فرنسا . ومن الممكن أن يقع هجوم القوات المتحالفة فى أية بقعة من هذه المنطقة ، غير أنه من المرجح ، أن يوجه مثل هذا الهجوم إلى الشواطئ القريبة من الجزيرة البريطانية ، من الشواطئ الهولندية إلى شواطئ المانش الفرنسية . ويعزز هذا الغرض ما ينوء به مستر تشرشل من توقع فداحة الضحايا فى الأرواح ، وهو ما يقترن عادة بمحاولة

القوات المهاجمة النزول فى شواطئ أحكم تحصينها .

بيد أن تطور الحوادث فى الميدان الروسى قد يحملنا من جهة أخرى على أن نتوقع مفاجآت جديدة فى هذه الناحية . فقد توالت انتصارات الجيش الأحمر فى الأسابيع الأخيرة بسرعة مدهشة ، وقد انتزع كييف آخر القواعد الروسية الرئيسية فى يد الألمان ، وطوق شبه جزيرة القرم ، واقترب من حدود بساراتيا أو بعبارة أخرى من حدود رومانيا ؛ وما زالت الجيوش الألمانية توالى ارتدادها . واقتراب الجيش الأحمر بهذه الصورة من حدود البلقان يحمل على الاعتقاد بأن البلقان قد يشهد فى الأشهر القليلة القادمة تطورات عسكرية خطيرة . فالبلقان طريق الغزو الجنوبى للنمسا والمجر . ومن الممكن أن يقع فى جنوبى البلقان أو فى غربية هجوم يعززه زحف الروس من الشمال فى اتجاه رومانيا والمجر ، وعندئذ يغدو فى وسع القوات المتحالفة أن تشق طريقها إلى ضفاف الدانوب حيث تلتقى بالجيش الأحمر . وحوادث البلقان الحالية من نشاط العصابات المجاهدة فى يوجوسلافيا وألبانيا واليونان ، واضطراب الحالة فى بلغاريا ، وازدياد متاعب القوات الألمانية المحتلة ، كل ذلك مما يشجع الحلفاء على تنفيذ مثل هذه الخطة . ولا يغيب عن البال أن تركيا قد تؤدى فى مثل هذه التطورات المحتملة دورا معينا ؛ ولا شك أن المحادثات التى دارت أخيرا فى القاهرة على أثر مؤتمر موسكو بين مستر إيدن وزير الخارجية البريطانية ، ووزير الخارجية التركية تمت بصلة وثيقة إلى الموقف فى البلقان . ومن المحتمل أن تعتزم تركيا أخيرا أمرها ، بعد أن اطمأنت إلى تفوق الحلفاء ، فتدخل الحرب إلى جانبهم ، أو تقوم بأى دور إيجابى آخر لتسهيل مهمتهم فى غزو البلقان .

هذا ، ومن الواضح أن خطط مؤتمر موسكو العسكرية قد وضعت على ضوء التطورات الأخيرة فى الميدان الروسى ، وما يمكن أن تتمخض عنه فى القريب العاجل . والظاهر

أن القيادة الألمانية بعد أن تصدع خط الدفاع الألمانى كله من الشمال إلى الجنوب لن يتاح لها الصمود فيما بقى لديها من أراضى روسيا السهلة ، ولا بد لها أن توالى ارتدادها حتى خط جديد تستطيع الصمود فيه طيلة فصل الشتاء . وقد يستند هذا الخط الجديد إلى جبال الكريات ، وهى الحاجز الطبيعى الذى يحمى سهول المجر ، ويمتد شمالا من لفوف ( نبرج ) إلى خليج ريغا ، وبذلك يتم تحرير ما بقى من أراضى روسيا ما عدا رقعة صغيرة مما يلى بحر البلطيق . ومهما يكن من الأمر فمما لاشك فيه أن مشاريع الغزو الألمانى لروسيا قد تحطمت كلها أشنع تحطيم ، وانهارت أحلام ألمانيا الهتلرية فى امتلاك قمح اليوكرين وحديدها وامتلاك زيت القوقاز ، وذهبت ملايين الجند الألمانى التى هلكت فى فيافى روسيا وثلوجها القاسية هباء منثورا ؛ كذلك لاشك فى أن الجيش الأحمر لن يقف جامدا متى أتم تحرير الوطن الروسى من الغزاة ، وسوف يجد فى مطاردة أعدائه غربا فى اتجاه بولونيا والمجر ؛ وقد قطع الجيش الأحمر فى عام واحد ، خلال زحفه المظفر من ستالنجراد إلى كييف زهاء سبعمائة ميل ، وقطع مثل هذه المسافة بحمله غربا حتى أراضى الوطن الألمانى . ومهما أكد زعيم (( الريخ )) تصميم ألمانيا على المضى فى الحرب إلى النهاية ، ومهما كانت قوى ألمانيا ومواردها الباقية ، فلا ريب أنها تدخل الآن فى أخطر وأدق مرحلة من  مراحل الحرب بالنسبة إليها ؛ فسوف ترغم على القتال فى أكثر من ميدان ، فى الجنوب والغرب ، وطوفان الجيش الأحمر يرهقها من الشرق ، وتذر الهزيمة تلاحقها ، وتفث فى قواها المعنوية ، وغارات الحلفاء الجوية تدك مدنها ومصانعها ، وتبعث الدمار والاضطراب فى داخلها ، ولن تغنيها تأكيدات زعيمها بالنصر والانتقام شيئا ، فى وقت أخذت فيه آمال النصر تخبو تباعا .

اشترك في نشرتنا البريدية