حققت الدول المتحالفة فى مؤتمر موسكو أعظم نصر سياسى أتيح لها مذ عقد ميثاق الإطلنطيق فى أغسطس سنة ١٩٤١ ؛ وكان الحديث قد كثر قبل مؤتمر موسكو حول علائق الديمقراطيتين الكبيرتين ، انكلترا وأمريكا بروسيا السوفيتية ، وعن اختلاف وجهات النظر بينهما فى بعض المسائل العسكرية والسياسية ، وبلأخص عما يخشى أن تعتزمة روسيا من انتهاج خطة مستقلة قد تحملها على عقد صلح منفرد ، إذا لم تبادر انكلترا وأمريكا إلى تحقيق وعودهما فى فتح جبهة قتال ثانية فى أوروبا تعاون فى تخفيف العبء الفادح الذى يضطلع به الجيش الأحمر منذ أكثر من عامين .
كانت هذه الأحاديث وأمثالها تردد قبل مؤتمر موسكو ، بل كان البعض يشك فى إمكان عقد مثل هذا المؤتمر بين الدول الثلاث ، فجاء عقده مبددا لكل شك وقاطعا لكل حدس ، وخرجت الجبهة الديمقراطية منه موحدة الكلمة ،
موحدة الخطط ، وغاضت جميع الإشاعات التى ذاعت حول عقد الصلح المنفرد مع ألمانيا .
ويبدو من البيان الذى أذيع عن قرارات المؤتمر أنه لم يقتصر على بحث الشئون العسكرية العاجلة ، وهى التى تتعلق بتنسيق جهود الجبهة الديمقراطية فى الشرق والغرب ، ومحاولة القضاء على العدو المشترك ( ألمانيا ) بأسرع ما يستطاع ، ولكنه تناول أيضا طائفة من المسائل التى تتعلق بتنظيم السلم عقب انتهاء الحرب .
ولم تترك الجبهه الديمقراطية بما أصدرت من قرارات حاسمة فى موسكو شكا فى اتحاد رأيها وتوطيد عزمها المشترك على مواصلة الحرب حتى تهزم ألمانيا الهتلرية ، ولم تترك شكا فى موقفها من ألمانيا المغلوبة ، فلا صلح ولا مفاوضة من أى نوع ، وإنما يجب على ألمانيا المغلوبة وشركائها فى المحور أن تلقى سلاحها على قاعدة التسليم بلا قيد ولا شرط .
ولهذا التصميم على وجوب تسليم ألمانيا بلاقيد ولا شرط
أسباب وبواعث تاريخية . ذلك أن الحلفاء يرون أن الطريقة التى انتهت بها الحرب الكبرى فى أواخر سنة ١٩١٨ ، ومنح الهدنة لألمانيا ، وجيوش (( الريخ )) تعسكر كلها خارج الوطن الألمانى ، كانت تنطوى على خطأ سياسى وعسكرى خطير . والواقع أن ألمانيا الهتلرية عملت على إضرام نار الحرب الحاضرة وشعارها أن ألمانيا الإمبراطورية لم تهزم فى الحرب الكبرى هزيمة عسكرية ، ولكنها هزمت هزيمة سياسية فقط بسبب تصدع الجبهة الداخلية ، ولذا فهى تبدأ الحرب الحاضرة من حيث انتهت جيوش " الريخ " الثانية فى سنة ١٩١٨ ، وتستأنف نصرها العسكرى القديم بسلسلة جديدة من الانتصارات فى ميادين الحرب المختلفة ، وتملى شروطها على أعدائها السابقين ، وهم نفس أعدائها الحاليين تقريبا ، بصورة تمكنها من أن تجنى ثمار تضحياتها القديمة والحديثة على السواء .
ولهذا يرى الحلفاء أنه يجب لكى يتحقق النصر المنشود فى الحرب الحاضرة أن تضرب جيوش (( الريخ )) الثالثة ضربة قاضية ، وأن تلقى ألمانيا الهتلرية هزيمتها فى ميدان الحرب ، وأن تدخل جيوش الحلفاء الظافرة أراضى (( الريخ )) لتملى شروطها على ألمانيا المغلوبة ، وأن يشعر الشعب الألمانى بمعانى الهزيمة وآثارها شعورا عميقا قويا .
وهذا ما ينطوى عليه قرار التسليم بلا قيد ولا شرط الذى أبرمته دول الحلفاء فى موسكو ؛ فألمانيا المهزومة يجب أن تلقى سلاحها دون مفاوضة أو مساومة إذا شاءت وقف القتال ، ويجب عليها فى هذه الحالة أن تضع مصيرها تحت رحمة أعدائها الظافرين يملون عليها شروط الصلح وفق مشيئنهم وحدها .
على أنه لا يزال أمام الحلفاء لبلوغ هذه النهاية مرحلة شاقة ، وإن لم تكن طويلة .
فألمانيا مصممة حسبما يؤكد زعيمها هتلر فى خطابه الأخير على القتال إلى النهاية ، لأنها تدرك أنه مهما كانت فداحة الضحايا والآلام التى يجب أن يتحملها الشعب الألمانى فى سبيل المضى فى القتال ، فإنها لن تكون شيئا بالنسبة لنتائج التسليم أو الهزيمة .
ويقدر مستر تشرشل أن الحرب الأوربية ستشهد نهايتها فى سنة ١٩٤٤ ، إذا سارت الأمور وفق الخطط الموضوعة ، ولم يرتكب الحلفاء خطأ خطيرا فى تنفيذها ، وإذا لم يقع حادث فجائى يعجل نهاية الحرب ، كتصدع الجبهة الداخلية فى ألمانيا ، وهو فرض لا يعول عليه مستر تشرشل كثيرا .
ولم يبق شك فيما يظهر ، فى أن هجوم الحلفاء على أوربا ، وهو الذى يعبر عنه بفتح الجبهة الثانية ، سيقع فى الربيع القادم إن لم يقع قبل ذلك . وهذا ما قرره المارشال سمطس قبيل انعقاد مؤتمر موسكو ، وهذا ما يؤكده مستر تشرشل عقب انتهاء المؤتمر ، إذ يحدثنا عن حملة سنة ١٩٤٤ إلى أوربا . ومستر تشرشل كعادته كثير التحفظ ، غير مسرف فى التفاؤل ، فهو مع تأكيد ثقته فى بلوغ النصر النهائى ، يصرح فى جلاء بأن سنة ١٩٤٤ ستشهد أعظم ضحايا الأرواح فى القوات البريطانية والأمريكية ، وسوف تضطرم فيها أعظم معارك خاضها الحلفاء فى هذه الحرب .
أما أين تكون هذه الجبهة الثانية التى ستشهد خاتمة الحرب الأوربية ، فما يزال موضع الحدس الكثير ، فأمام الحلفاء فى غربى أوربا منطقة شاسعة تمتد من النرويج إلى فرنسا . ومن الممكن أن يقع هجوم القوات المتحالفة فى أية بقعة من هذه المنطقة ، غير أنه من المرجح ، أن يوجه مثل هذا الهجوم إلى الشواطئ القريبة من الجزيرة البريطانية ، من الشواطئ الهولندية إلى شواطئ المانش الفرنسية . ويعزز هذا الغرض ما ينوء به مستر تشرشل من توقع فداحة الضحايا فى الأرواح ، وهو ما يقترن عادة بمحاولة
القوات المهاجمة النزول فى شواطئ أحكم تحصينها .
بيد أن تطور الحوادث فى الميدان الروسى قد يحملنا من جهة أخرى على أن نتوقع مفاجآت جديدة فى هذه الناحية . فقد توالت انتصارات الجيش الأحمر فى الأسابيع الأخيرة بسرعة مدهشة ، وقد انتزع كييف آخر القواعد الروسية الرئيسية فى يد الألمان ، وطوق شبه جزيرة القرم ، واقترب من حدود بساراتيا أو بعبارة أخرى من حدود رومانيا ؛ وما زالت الجيوش الألمانية توالى ارتدادها . واقتراب الجيش الأحمر بهذه الصورة من حدود البلقان يحمل على الاعتقاد بأن البلقان قد يشهد فى الأشهر القليلة القادمة تطورات عسكرية خطيرة . فالبلقان طريق الغزو الجنوبى للنمسا والمجر . ومن الممكن أن يقع فى جنوبى البلقان أو فى غربية هجوم يعززه زحف الروس من الشمال فى اتجاه رومانيا والمجر ، وعندئذ يغدو فى وسع القوات المتحالفة أن تشق طريقها إلى ضفاف الدانوب حيث تلتقى بالجيش الأحمر . وحوادث البلقان الحالية من نشاط العصابات المجاهدة فى يوجوسلافيا وألبانيا واليونان ، واضطراب الحالة فى بلغاريا ، وازدياد متاعب القوات الألمانية المحتلة ، كل ذلك مما يشجع الحلفاء على تنفيذ مثل هذه الخطة . ولا يغيب عن البال أن تركيا قد تؤدى فى مثل هذه التطورات المحتملة دورا معينا ؛ ولا شك أن المحادثات التى دارت أخيرا فى القاهرة على أثر مؤتمر موسكو بين مستر إيدن وزير الخارجية البريطانية ، ووزير الخارجية التركية تمت بصلة وثيقة إلى الموقف فى البلقان . ومن المحتمل أن تعتزم تركيا أخيرا أمرها ، بعد أن اطمأنت إلى تفوق الحلفاء ، فتدخل الحرب إلى جانبهم ، أو تقوم بأى دور إيجابى آخر لتسهيل مهمتهم فى غزو البلقان .
هذا ، ومن الواضح أن خطط مؤتمر موسكو العسكرية قد وضعت على ضوء التطورات الأخيرة فى الميدان الروسى ، وما يمكن أن تتمخض عنه فى القريب العاجل . والظاهر
أن القيادة الألمانية بعد أن تصدع خط الدفاع الألمانى كله من الشمال إلى الجنوب لن يتاح لها الصمود فيما بقى لديها من أراضى روسيا السهلة ، ولا بد لها أن توالى ارتدادها حتى خط جديد تستطيع الصمود فيه طيلة فصل الشتاء . وقد يستند هذا الخط الجديد إلى جبال الكريات ، وهى الحاجز الطبيعى الذى يحمى سهول المجر ، ويمتد شمالا من لفوف ( نبرج ) إلى خليج ريغا ، وبذلك يتم تحرير ما بقى من أراضى روسيا ما عدا رقعة صغيرة مما يلى بحر البلطيق . ومهما يكن من الأمر فمما لاشك فيه أن مشاريع الغزو الألمانى لروسيا قد تحطمت كلها أشنع تحطيم ، وانهارت أحلام ألمانيا الهتلرية فى امتلاك قمح اليوكرين وحديدها وامتلاك زيت القوقاز ، وذهبت ملايين الجند الألمانى التى هلكت فى فيافى روسيا وثلوجها القاسية هباء منثورا ؛ كذلك لاشك فى أن الجيش الأحمر لن يقف جامدا متى أتم تحرير الوطن الروسى من الغزاة ، وسوف يجد فى مطاردة أعدائه غربا فى اتجاه بولونيا والمجر ؛ وقد قطع الجيش الأحمر فى عام واحد ، خلال زحفه المظفر من ستالنجراد إلى كييف زهاء سبعمائة ميل ، وقطع مثل هذه المسافة بحمله غربا حتى أراضى الوطن الألمانى . ومهما أكد زعيم (( الريخ )) تصميم ألمانيا على المضى فى الحرب إلى النهاية ، ومهما كانت قوى ألمانيا ومواردها الباقية ، فلا ريب أنها تدخل الآن فى أخطر وأدق مرحلة من مراحل الحرب بالنسبة إليها ؛ فسوف ترغم على القتال فى أكثر من ميدان ، فى الجنوب والغرب ، وطوفان الجيش الأحمر يرهقها من الشرق ، وتذر الهزيمة تلاحقها ، وتفث فى قواها المعنوية ، وغارات الحلفاء الجوية تدك مدنها ومصانعها ، وتبعث الدمار والاضطراب فى داخلها ، ولن تغنيها تأكيدات زعيمها بالنصر والانتقام شيئا ، فى وقت أخذت فيه آمال النصر تخبو تباعا .

