انتهت المأساة اليونانية إلى النتيجة المحتومة ، وسقطت اليونان صرعى أمام الغزاة بعد أن سقطت يوجوسلافيا بقليل ، وبعد أن صمدت بمعاونة الحملة البريطانية نحو ثلاثة أسابيع ، وهى بالنسبة لأهوال الحرب الصاعقة مدة كافية إذا ذكرنا ما يحشده الألمان عادة من القوى السريعة الضخمة لاحراز النصر فى جبهة واحدة ؛ ولم تكن هذه النتيجة المؤلمة مفاجأة لأحد ، فلم يكن من المنظور أن تقاوم اليونان على صغرها وضآلة مواردها إلى ما لانهاية ، أو أن تستطيع الحملة البريطانية ، وهى لم تتجاوز ستين ألفا وتواجه قوات تفوقها أضعافا مضاعفة ، أن ترد سيل الغزو العنيف المضطرم إلا بقدر محدود ، ولم يكن
إرسال الحملة البريطانية مع ذلك إلى اليونان عبثا ؛ فقد أوضح لنا مستر تشرشل فى خطابه الأخير أن إرسالها كان ضرورة لا مفر منها صونا لشرف بريطانيا ووفاء بعهودها لدولة آثرت أن تقف إلى جانبها وقت الشدة ، ولو ترددت بريطانيا فى تلبية نداء اليونان لأصيبت هيبتها فى الصميم ، وفقدت كثيرا من عطف أصدقائها وثقتهم ، ولا سيما فى أمريكا ، حيث تبذل المعاونة الأمريكية باسم الديمقراطية كلها ولجميع الدول الديمقراطية ، وحيث تعتبر بريطانيا خط الدفاع الأول عن الديمقراطية ، ومن واجبها أن ترد عدوان النازية حيثما استطاعت . ومن جهة أخرى فقد حقق إرسال الحملة البريطانية إلى اليونان بعض نتائج
عسكرية لها قيمتها ؛ ذلك أنها كبدت الغزاة بمقاومتها خسائر فارحة فى الرجال والعتاد والموارد ، وأرغمت هتلر على أن يشترى نصره فى البلقان غاليا ، بعد أن حاول أن يبسط سلطانه على يوجوسلافيا واليونان بطريق الضغط والوعيد على نحو ما فعل فى رومانيا وبلغاريا ، وكاد بالفعل ينجح فى محاولته على أثر انضمام يوجوسلافيا إلى الميثاق الثلاثى . هذا إلى ما تتطلبه السيطرة على البلقان من الاحتفاظ بقوات كبيرة ، وما يترتب على ذلك من إطالة خطوط المواصلات الألمانية مرحلة كبيرة أخرى .
ولقد بقيت جزيرة كريت فى أيدى البريطانيين كقاعدة مهمة للاسطول البريطانى وسلاح الطيران الملكى ؛ وفى استبقائها تدعيم لسيطرة الأسطول البريطانى على شرقى البحر الأبيض المتوسط .
وإذا كان استيلاء هتلر على يوجوسلافيا واليونان يعتبر متمما لمشروعه فى الاستيلاء على أوربا كلها ، وإخضاعها لنظامه الجديد ، فانه لا ريب أن هذا الاستيلاء لا يقصد لذاته ؛ فاستيلاء هتلر على اليونان يقربه من الشرق الأدنى ، ويسمح له باتخاذ قواعد جديدة للطيران يستطيع أن يهدد منها خطوط المواصلات البريطانية فى شرقى البحر الأبيض المتوسط ومصر . ومن المنتظر أيضا أن يتجه الضغط الألمانى بعد إخضاع اليونان شرقا نحو تركيا ؛ وقد مهد الألمان لهذه الحركة بالفعل ، فاحتلوا جزيرتى (ساموثراكى) ولمنوس الواقعتين تجاه غاليبولى والدردنيل ، وجزيرة طنيوز الواقعة تجاه أزمير ؛ فإذا ذكرنا أن إيطاليا تحتل جزر الدودكانيز حتى رودس ، فان دولتى المحور تطوقان بذلك شاطئ الأناضول الغربى كله ؛ وظاهر أنهما تقصدان بذلك إلى أن تحولا دون تلقى تركيا أية معاونة بحرية أو عسكرية محتملة من هذه الناحية .
والحقيقة أن موقف تركيا إزاء التهديد الهتلرى ،
لا يزال غامضا كل الغموض ؛ فتركيا كما هو معروف ترتبط مع بريطانيا بميثاق تحالف ، وقد عاونتها إنكلترا بناء على ذلك بالمال والسلاح ، وجرت مفاوضات عسكرية عديدة بين الفريقين ، حول تنسيق جهودهما لمواجهة الخطر المشترك ؛ ومنذ احتل الألمان بلغاريا ، والأنظار متجهة نحو تركيا ؛ ولكن تركيا احتفظت بسكونها وغموض موقفها حتى انتهى الألمان من افتراس يوجوسلافيا واليونان ، وأصبحوا يطوقون حدودها الأوربية وشواطئها الغربية ؛ ومن الواضح أن الخطر النازى أصبح يهدد تركيا الآن تهديدا مباشرا ، ومن الواضح أيضا أن الزحف الألمانى لا يمكن أن يقف فى البلقان ؛ وإذا صدق تكهن مستر تشرشل فى خطابه الأخير ، فقد تمتد الحرب فى القريب العاجل شرقا إلى تركيا ؛ وقد يجد هتلر ما يغريه فى الزحف شرقا إلى سهول الجزيرة حيث منابع الزيت العراقى ؛ ولم تنس السياسة الألمانية مشروعها القديم فى الزحف إلى بغداد والخليج الفارسى ؛ وإذا استطاعت القوات النازية الوصول إلى هذه المنطقة فانها تهدد موارد الزيت الامبراطورية ، كما تهدد طريق الهند البرى بذلك تهديدا خطيرا ؛ بيد أنه يجب عليها قبل الوصول إلى هذه الغاية أن تقتحم هضاب الأناضول ؛ فماذا عسى أن يكون موقف تركيا إزاء هذه المحاولة ؟ هل تدافع عن استقلالها ، وسلامة أراضيها إزاء الاعتداء النازى ؛ وفى تلك الحالة تخف بريطانيا إلى إنجادها بكل ما وسعت وفقا لمعاهدة التحالف المعقودة بينهما ؟ أم تنزل عند الوعيد الهتلرى وتؤثر أن تبحث عن سلامتها بالتسليم والخضوع ، على نحو ما فعلت رومانيا وبلغاريا ؟ لقد عقدت تركيا بالأمس معاهدة تجارية جديدة مع ألمانيا ، وقد يفسر ذلك بأنه اتجاه منها نحو مصانعة المحور ومداراته ، وربما نحو التفاهم معه .
بيد أن مثل هذا التفسير لا يمكن أن ينهض دليلا على اتجاه تركيا الحقيقى ؛ فما زالت تركيا تؤكد حتى هذه اللحظة على لسان زعمائها وصحافتها أنها سوف تدفع الاعتداء عليها بكل ما وسعت ؛ ولا ريب أن هذا هو الموقف الوحيد الذى يمكن أن تقفه دولة تحرص على استقلالها وكرامتها ؛ وقد لا تمضى أيام قلائل أخرى حتى يستبين الموقف ، وتتضح نيات الألمان نحو تركيا ، ويتضح موقف تركيا إزاءها .
وعلى أى حال فان بريطانيا العظمى ترقب تطورات الحوادث فى هذا الاتجاه بمنتهى اليقظة . ومن الواضح أن سلامة العراق وسوريا وفلسطين تهم بريطانيا إلى أقصى حد ؛ ولم يخف مستر تشرشل فى خطابه ما قد يهدد هذه الساحة من الأخطار ؛ وقد اتخذت القوات الأمبراطورية بالفعل مراكزها الدفاعية فى البصرة والموصل ، وهى ترابط فى فلسطين منذ بعيد ؛ ولا ريب أن انكلترا لن تقف جامدة إزاء أى تغيير يصيب الحالة الراهنة فى سوريا ويترتب عليه تمهيد الطريق لنزول قوات المحور فيها أو اقترابها منها ، وتصريح الحكومة البريطانية فى ذلك معروف لا يدع مجالا لأى شك ؛ ثم إن أى تطور يقع فى هذه الساحة يرتبط أشد الارتباط بمصير مصر وقناة السويس ، وانكلترا تحرص أشد الحرص على حماية مواصلاتها الحيوية من هذه الناحية ، خصوصا بعد أن غدت بعد تطهير البحر الأحمر من الايطاليين ، وقرار الرئيس روزفلت ، طريقا مهما لوصول الامدادات الأمريكية إلى الشرق الأدنى .
وإذا كان شرقى البحر الأبيض المتوسط لازال مسرح الاحتمالات القريبة ، فان غربى هذا البحر قد يغدو أيضا ساحة جديدة للنضال ؛ وقد أشار مستر تشر شل فى خطابه إلى أن الحرب قد تتحول بعد البلقان إلى جبل طارق
ومراكش الأسبانية ، وتهديد الألمان لجبل طارق يتفق تمام الاتفاق مع محاولة الايطاليين والألمان تهديد مصر وقناة السويس ، فهتلر يريد أن يضرب المواصلات البحرية البريطانية أينما استطاع ؛ ولا يخفى أن سيطرة الأسطول البريطانى ضرورية على مدخلى البحر الأبيض المتوسط ليستطيع الاحتفاظ بسيطرته وتفوقه فى هذا البحر ؛ ولهذا لا يبعد أن يحاول الألمان الضغط من جديد على أسبانيا ، كى تسمح لهم باختراقها إلى جبل طارق وإلى مراكش الأسبانية ، حيث يحاولون من الضفتين محاصرة هذه القلعة المنيعة ، وقطع الطريق على الأسطول البريطانى ؛ وهناك احتمال آخر ، هو أن الألمان قد يحاولون باختراق أسبانيا غزو البرتغال ، لكى يجعلوا من شواطئها قواعد للطيارات والغواصات المغيرة على طريق الأطلنطيق الوسطى ، وهى طريق ما زالت بعيدة عن منطقة الخطر الشمالية نوعا .
تلك هى الاحتمالات التى يمكن أن تعقب غزو البلقان ، سواء فى شرقى البحر الأبيض المتوسط أو فى غربيه ؛ وقد يقع إحداها وقد تقع معا ، وقد تتجه الحرب شرقا ، وقد تتجه غربا ، وقد تنشب فى المسرحين معا ، فيغدو البحر الأبيض كله أتون حرب مستعر .
ولا ريب أن مصر وقناة السويس ستكونان فى تلك الحالة مركزا من أشد مراكز النضال فى هذه الساحة . وقد بدأ الزحف الثانى على مصر بالفعل منذ بضعة أسابيع ، حينما كانت معظم القوات الامبراطورية مشغولة بحرب الحبشة ؛ ولكن هذا الزحف الألمانى المفاجئ قد انتهى عند الحدود المصرية ، وفى اعتقادنا أنه سيمضى وقت طويل قبل أن يتجدد بصورة خطيرة ، خصوصا وقد انتهت الأعمال الحربية فى الحبشة تقريبا ، ولم يبق للقضاء نهائيا على فلول الفاشستية فيها سوى مرحلة يسيرة ؛ وعندئذ يمكن حشد القوات الأمبراطورية فى الصحراء الغربية مرة أخرى ،
هذا عدا جنود الحملة البريطانية الذين ارتدوا من اليونان ؛ ومن جهة أخرى فان الأسطول البريطانى الذى شغل فى الأسابيع الأخيرة بنقل هذه الحملة إلى اليونان ، ثم نقلها بعد الارتداد منها ، سيكون فى وسعه أن يشدد المراقبة على مضيق صقلية حيث تتسرب الامداد الألمانية إلى طرابلس .
وفى تلك الأثناء تضطرم معركة الاطلنطيق بأقصى شدتها ؛ وما زالت أنباء هذه المعركة البحرية الهائلة التى قد يترتب على نتائجها فصل الخطاب فى هذه الحرب ، غامضة كل الغموض ؛ وقد تناولها مستر تشرشل فيما تناول من خطابه ، فوصف المحيط بأنه وريد الحياة الذى يربط بريطانيا بالولايات المتحدة ، وأشار إلى أن معركة الاطلنطيق بالرغم من هولها وروعتها تدخل اليوم فى مرحلة أدعى إلى التفاؤل ؛ وليس من المبالغة أن نقول إن فتوحات هتلر فى أوربا الغربية ، واستيلاءه على شاطىء أوربا الغربى من النرويج إلى خليج بسكونية كانت بالأخص تمهيدا لمعركة الإطلنطيق والتمكن من قطع سبل البحار على بريطانيا ؛
ويحاول الألمان اليوم بحرب الغواصات والطائرات البعيدة المدى تحطيم مواصلات بريطانيا البحرية مع امبراطوريتها ، ومنع الامدادات الأمريكية من الوصول إليها ؛ وتبذل بريطانيا من جانبها جهود الجبابرة لإحباط هذه المحاولة ؛ ولا تنكر المقامات البريطانية عظم الخسائر التى تنزل بسفنها ، ولكن الظاهر مما صرح به مستر تشرشل أن عنف المرحلة الأولى قد خف نوعا . ومن جهة أخرى فقد أصدر الرئيس روزفلت أمره بأن يتولى الأسطول الأمريكى والطائرات المائية الأمريكية حراسة القوافل فى نصف الكرة الغربى حتى منتصف المحيط الأطلنطيقى ، وسيكون من أثر ذلك الاسراع فى إرسال الامدادات الأمريكية ، وتمكين الأسطول البريطانى من حصر جهوده فى حماية المياه القريبة من الجزر البريطانية ، ومضاعفة مقدرته بذلك على مطاردة الغواصات وتحطيمها .
والخلاصة أن حوادث هذا الصراع الهائل تجتمع اليوم ، ونتجه إلى مسرح الفصل والحسم ؛ فلتنتظر قليلا ، فستكشف لنا الأسابيع القلائل المقبلة عن كثير مما نتوق إلى الوقوف عليه . (* * *)

