حفظت الشهادتين ووعيت ما فيهما من وضوح وانطباق على سنن الكون. وذلك قبل بلوغى من العمر خمس سنين، لأن وضوح الشهادتين، وانطباقهما على سنن الكون كفيل بحفظهما ودخولهما إلى العقل الناشئ فى سهولة ويسر. وأعتقد أنه ليس بين أصول الديانات الكتاببة - وغير الكتابية - ما هو أدخل إلى العقل، وأرسخ فى القلب، وأقدر على البقاء فى قرارة النفس، من عقيدة الشهادتين، لما فيهما من قوة وروح ورفعة فى المعنى فضلاً عن الوضوح والانطباق على سنن الكون.
ثم تعلمت أن الإسلام بنى على خمس ، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً . هكذا لقنت قواعد الإسلام ، وقمت بما استطعت القيام به فى طفولتى ، من تشهد حميد ، وصلاة خالصة وصوم على قدر الطاقة ، عملاً بنصحة أبى وأمى ، واحتراماً لإشفاقهما على صحتى فى سن الصغر ؛ وتركت ما لم أقدر على تأديته حتى أكبر وأقدر على حسن الأداء . غير أنى ظللت
مدة لا أفقه المقصود بعبارة حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وسألت أمى أن تشرح لى معنى السبيل ، فذكرت لى ما يتطلبه الذهاب إلى الحجاز للحج من سفر شاق بالبر ثم سفر أشق بالبحر ، ثم سفر هو الأشق بالبر مرة أخرى، فى طريق غير ذى زرع أو ماء أو ساقية . لكن العبارة ازدادت غموضاً على بشرح أمى ، لأنى لم أعرف وقتذاك من وسائل التنقل فى الأسفار البعيدة سوى القطار الذى يجرى على سكة حديدية مثبتة فى الأرض بأوتاد من حديد ، ولم استطع أن أتصور وسيلة للسفر غير ذلك ولم أفهم عن البحر سوى أنه ماء ملح زاعق صاخب الأمواج ، ولم أدر من خبر السفن والجوارى المائية سوى المعدية الصغيرة التى تنقل الراغبين فى الانتقال من أهل قريتى إلى القرية المقابلة عبر ترعة من ترع النيل ، يسميها الناس البحر حتى العصر الحاضر ؛ هاتان القريتان كانتا كل دنياى وكل مداى ، ولذا لم أدرك ثمة وسيلة للسفر فى البحر سوى القطار، وبقيت حائراً فى أمر السكة الحديدية التى ينبغى أن تكون مثبتة على وجه الماء مثلما هى مثبتة على وجه الأرض .
وخشيت أن يضحك أهلى منى إذا سألت منهم أحداً أن يبين لى سر جريان القطار على سكة حديدية وسط البحار المائجة الهائجة ، وفوق الأمواء المائعة الهادرة . وآثرت الجهل والصمت على السخرية منى والضحك ، كما عقدت النية على ترك الحج مهما استطعت إليه سبيلاً حتى لا ألقى بنفسى إلى تهلكة . انحلت العقدة حين سمعت بالسفن البخارية الكبيرة دون أن أراها ، وأخذت من ثم أعلل النفس بالآمال فى الحج وغير الحج من الأسفار . وكل ذلك ولما أبلغ من العمر إلا سبع سنين .
ثم تعلمت شيئا ًمن التاريخ ، فبدأت بسيرة خاتم الأنبياء والرسل ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وحفظت أخبار مولده فى ليلة مباركة من ليالى شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ميلادية ، كما حفظت أخبار ما حدث تلك الليلة المنورة ، من تصدع إيوان كسرى ، وتساقط الشهب من السماء ، وتنكس الأصنام فى الكعبة ، وإخماد نار فارس ، وفيض وادى السماوة ، وظهور النور - ما بين المشرق والمغرب - لآمنة أم رسول الله . ولذا امتلأت حباً وإعجاباً وفخراً بالنبى الذى اهتزت الأرض بميلاده إلى ذلك الحد ، وزلزلت الثوابت بمقدمه إلى تلك الدرجة ، وزاد فى حبى وإعجابى وفخرى خبر المعجزات الكثيرة التى وقعت للنبى فى حياته . وهى المعجزات التى صار بها النبى فى نظرى بطل الأبطال الأولين والآخرين ، وإنه لكذلك عليه السلام أبد الآبدين .
غير أني لم أجد في طفولتي ، أو في طفولة غيري من الأجيال اللاحقة بي تخليدا أو شبه تخليد لتلك المعجزات ، مع ما لها من إثارة للاعجاب والهيبة في نفس الطفل ، وفضلا عما فيها من نقش للعقيدة وتثبيت للايمان في قلب الناشئ ، بل إن جميع ما أذكر من أخبار للموالد النبوية في مصر لا يعدو مواكب الليل ، وحلقات الذكر ، وموائد الحلوي من السكر ، مما ليس فيه للأطفال فائدة أو مشركة ، عدا ما تجتذبه الحلوي إلي بائعها ومشتريها وآكلها من أصناف المنبهات والوان التراب الناقلة للأمراض الوبيئة.
لكن ما للأطفال وهذا الموضوع ، وما العلاقة بين الأطفال وعيد ميلاد النبى ؟ العلاقة هى أن ذلك العيد لا يكون إلا عيداً
للأطفال والناشئة ، ولا يجب أن يكون غيره من الأعياد إلا للأطفال والناشئة ، لأن المسلم البالغ العاقل ، والمسلمة البالغة العاقلة ، لا يحتاج كلاهما للأعياد الدينية وغير الدينية إلا للذكرى والترويح عن النفس والترفية عن الغير . أما الأطفال فالأعياد وسيلة من وسائل تعليمهم ، ليكونوا مواطنين صالحين مخلصين لدينهم ومحيطهم . وأدركت أوربا المسيحية تلك الحقيقة ، فجعلت من عيد الميلاد المسيح على وجه التخصيص عيداً تدخل به إلى نفوس الأطفال عناصر الدين ، وليس فيما تعنى به أوربا المسيحية من تخليد لحياة المسيح شئ من التهريج ، كما أنه ليس المقصود باللعبات التى يتلقاها الأطفال فى ذلك العيد مجرد التلهية والسرور ، بل إن غرضها الحقيقى هو تثبيت العقيدة وترسيخها فى افئدتهم عن طريق حسى يبعث السرور . ولما كان الأطفال عماد الأجيال والدين أهم ركن فى بناء العقول السليمة ، فما لنا لا نعمد إلى معجزات النبى لنجعل منها وسيلة لتثبيت العقيدة وترسيخها فى أطفالنا ، عن طريق تدخل السرور إلى قلوبهم ، كما يفعل الأوربيون فنعمل لعبة من إيوان كسرى إذا مست انهارت أجزاؤها ، أو لعبة من أصنام الكعبة إذا شدت بخيط تنكست ، أو لعبة من نار فارس إذا نفخ فيها انطفأت ، وهكذا . وما لنا لا نعمل من أمثال تلك اللعبات هدايا لأطفالنا فى مولد النبى تخليدا للنبى ، وإبرازاً لمقامه بين النبيين ؛ وما لنا نقتصر فى ذلك العيد العظيم على قراءة السيرة النبوية فى عبارات شعرية رائعة لا تتغير عاما بعد عام ، وفى حفلات صامتة واجمة ترى الناس فيها كأن على رؤوسهم الطير ، أو كان بهم حزناً أسيفاً ، وهم أبعد ما يكونون من جو المأتم، لأنهم فى حفل لإحياء ميلاد النبى الذى أخرج بهديه وشخصيته الجبارة ملايين الناس من الظلمات إلى النور .
ولقد شاءت المقادير أن أذهب إلى انجلترا في طلب العلم ، وذلك منذ أكثر من ربع قرن مضي ، فشهدت عيد ميلاد المسيح عند الإنجليز عاما بعد عام ، وهو في ليلة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر ، والشتاء على أشده من البرد ، وموعده لا يتحول عن ذلك الفصل لثبات الشهور المسيحية الشمسية عند فصولها ، ولذا تثبت طقوس ذلك المعبد على نمط واحد لا يتغير من الأطعمة وأنواعها
والملابس وأصنافها . ويكون الناس فى ذلك الفصل من السنة فى أكثر أيامهم نشاطاً وانصرافاً إلى أعمالهم، بالمزارع والمصانع والدكاكين والمدارس والجامعات ، فإذا أقبل أسبوع ذلك العيد انصرفوا إلى التمتع به وإدخال السرور إلى قلوب أطفالهم فى نشاط وفرح واغتباط ؛ فإذا كنت بينهم وقتذاك ، وسرت فى شوارع المدينة ساعة الغروب رأيت المحال التجارية مزدانة بالأنوار الكهرائية على كل لون ، ورأيت الناس يدخلون تلك المحال صحبة أطفالهم من بنات وبنين ، ليشتروا لهم ما يختارونه من الألعاب المسلية الملهية ، ولا ينسى الأب أن يأخذ ابنته أو ابنه ليشهد قصة ميلاد المسيح منشورة فى بعض المحال ، وليرى ما يسميه الإنجليز سانتا كلوز (SANTA CLAUS) أو ما يسميه الفرنسيون ( بابا نويل ) (PAPA NOEL)، وهو شخص من الخشب مهندم باسم ، يلبس معطفاً أحمر مفرى الأطراف ، وعلى رأسه قلنسوة حمراء مفراة ، وتزين وجهه لحية بيضاء ناصعة البياض ، وعلى ظهره كيس ضخم ، إشارة إلى الهدايا التى سوف يحملها هذا الشخص الخرافى إلى منازل الناس والأطفال نيام . ثم إذا تركت شوارع المدينة وأويت إلى بيتك ، وجلست لتستريح من عناء النهار ، لا تلبث أن تسمع أطفالا يغنون بالباب أغانى عيد الميلاد ، على ضوء مصباح من الورق مثل مصابيح المهرجان ، فإذا كنت ممن يحبون الغناء خرجت أو خرج صاحب البيت أو صاحبته لإعطاء الأطفال بنساً أو بنسين ، وهو ما يقابل القرش المصرى ، حتى إذا كانت ليلة عيد الميلاد ، وكان بالبيت الذى تسكنه بنات أو بنون صغار رأيت كلا من أولئك يربط إلى رجل سريره كيسا أو جوربا قبل النوم ، ليضع فيه الشخص الخشبى سانتا كلوز ما يشاء من الهدايا فى جنح الليل . والحقيقة أن الأمهات والآباء هم الذين يضعون تلك الهدايا ، ولكن الأطفال يحبون أن يعتقدوا أن سانتا كلوز هو الذى هبط عليهم بهداياه ؛ ولست أذكر منظراً أحلى وأجلى من منظر أطفال البيوت التى سكنها ، وهم يتعقدون نصيبهم من الهدايا صباح عيد الميلاد فى إنجلترا .
ثم مرت السنون . وشاءت المقادير ما شاءت لى مرة أخرى ، إذ كلمتنى جامعة الأزهر الشريف بتدريس السيرة النبوية بإحدى كلياتها ، وكنت وقتذاك فى مستهل خبرتى
بالتدريس الجامعى ، ولم أك أعرف من حياة محمد ما يجعلنى كفؤا للمحاضرة فيها وتدريسها لطلاب معظمهم أكبر منى سناً ، وكلهم راسخ فى العلوم الدينية ، من تفسير وفقه وأصول ومعلومات بتاريخ القرآن . ولذا لم أكد أسمع بتكليفى حتى عزمت على طلب الإعفاء من ذلك التكليف الخطير ، ولكنى نزلت على رغبة شيخ الأزهر وقتذاك ، واستعنت على قصورى بالدراسة الدائية آناء الليل وأطراف الفجر . فكنت ألقى فى الصباح ثمرة كدى فى الليل ، حتى إذا انتهيت من تدريس السيرة ، وحمدت التوفيق ، شهق أحد الطلبة إلى أنى لم أتعرض للمعجزات النبوية فى قليل أو كثير ، وقصد بذلك فيما يبدو أن يحرجنى ويرمينى بعض القصور . فأجبت - أو أجابت دراستى الذاتية - بأنه لا حاجة بالمؤرخ إلى المعجزات النبوية ليدل بها طلاب الأزهر على نبوة محمد ، وعبقرية محمد ، وعظمة محمد . ومن كانت به حاجة إلى المعجزات فليدرس بلاد العرب وأحوالها قبل الإسلام وبعده . وليتأمل حياة محمد وسياسته وأعماله ، فإن فيهما ما يكفى من المعجزات الناطقة الدالة لمن أراد الدليل . ولم تكن هذه العبارة مجرد إجابة طلبة زائعة أردت بها التخلص من سؤال محرج أو عويص ، بل كانت إجابة المقتنع عن طريق الدرس والإمعان ، إذ الواقع أنى أصحت بعد تدريسى للسيرة النبوية بالأزهر الشريف مقتنعاً ومؤمناً بأن الحوادث التاريخة على عهد النبى هى معجزة المعجزات .
ولو شك قارئ أو قارئة فيما أقول ، أو شاء قارئ أو قارئة التماس الدليل على صحة ما قدمت . فليدرس خطة النبى ضد مكة ، أو فليقرأ وليدرس السياسة الخارجية للنبى نحو الدول المجاورة ، أو فليقرأ وليدرس حياة عمر ابن الخطاب ، أو خالد بن الوليد ، أو عمرو بن العاص ، قبل الإسلام وبعده . وما القارئ والقارئة بحاجة إلى كل ذلك أو بعضه ، إذ تتضح المعجزة الكبرى فى المقارنة بين بلاد العرب القابعة فى صحرائها سنة مولد النبى ، وبينها بعد مائة عام من تاريخ مولده الكريم ، حين أصبحت بلاد العرب بهرة لإمبراطورية لا تكاد تغرب عنها الشمس ، هل تريدون أكبر من ذلك معجزة للنبى ودين الإسلام ؟

