ولا ريب فى أن أمريكا ترمى بإصدار قانون الحياد إلى المحافظة على مصالحها الخاصة ، واجتناء أقصى ما يمكن اجتاؤه من الأرباح المادية ، وذلك بافتتاح أسواق المتحاربين والمحايدين على السواء ، لمنتجاتها الوفيرة ؛ والحرب الأوربية بما تستهلك من الأسلحة والمواد الحربية تفتح أمام الموارد الأمريكية الضخمة أسواقا رائجة ، وتعاون فى معالجة العطلة مما تبث إلى الصناعة الأمريكية من نشاط مضاعف
على أن المسألة - فضلا عن هذه الناحية المادية التى يعود غنمها على الأمة الأمريكية وحدها - ناحية سياسية أهم وأخطر ، تترتب عليها بالنسبة لمصاير الحرب الأوربية نتائج خطيرة ؛ وهى أن أمريكا بما تبيحه من تصدير الأسلحة والذخائر ، تقدم للدولتين الديمقراطيتين ، أعنى انجلترا وفرنسا ، فرصا ذهبية للمساونة العسكرية غير المباشرة . ذلك أنه بالرغم من إباحة تصدير الأسلحة والذخائر للفريقين المتحاربين ، فإن اشتراط الدفع والنقل Cash and Carry يكاد يجعل هذه المزية وفقا على انجلترا وفرنسا ، فهما وحدهما اللتان تملكان أموالا احتياطية عظيمة من الذهب والنقود والسندات الأجنبية ، وفى وسعهما دون غيرهما أن تدفعا ثمن ما تحتاجان إليه من الأسلحة والذخائر ، وهما اللتان تسيطران على البحار وبخاصة على مياه المحيط الأطلنطى ، وفى وسعهما دون غيرهما أن
تنقلا المواد المشتركة على سفنهما الخاصة . أما ألمانيا فإنه يستحيل عليها أن تنتفع بهذه الفرصة ، نظرا لنضوب مواردها المالية من جهة ، ونظرا لانقطاع مواصلاتها البحرية تمام الانقطاع من جراء الحصار المضروب عليها .
وفى وسعنا أن نقدر أهمية هذه المزية بالنسبة لانكلترا وفرنسا منى علمنا بأن آلاف الطيارات التى صنعت فى أمريكا لحسابهما تنتظر الآن فى حظائرها على الشاطئ الأمريكية السفن التى تقوم بنقلها إلى الشواطئ والانكليزية والفرنسية ؛ هذا عدا كميات عظيمة من المواد الحربية الأخر ، أعدت برسمهما منذ حين وأرجىء تصديرها حتى يصدر قانون الحياد . ثم إن افتتاح السوق الأمريكية الفنية يمكن الخلفاء من توفير الأيدى العاملة ، والمحافظة بقدر المستطاع على نشاطهما الصناعى وعلى أسواقهما الخارجية حتى فى وقت الحرب . أما ألمانيا فإن اضطرارها إلى الاعتماد على نفسها في صنع ما يلزمها من الأسلحة والذخائر ، يشل صناعتها ويقضى على تجارتها الخارجية بالبوار ، ويعاون بذلك فى تشديد آثار الحصار الاقتصادى عليها .
وسواء أكانت الولايات المتحدة تقصد بإصدار قانون الحياد أن تصل إلى مثل هذه النتائج أو لم تكن تقصد ، فإن الذى لا ريب فيه هو أنها تتجه بميولها وعواطفها إلى الخلفاء ، وترمى إلى تأييدهم بكل الوسائل الأدبية والمادية المكنة دون أن تعرض حيادها للخطر ، وترى فى فوزهم بتحطيم ألمانيا الهتلرية وسياستها العنيفة البربرية فوزا المبادئ والنظم والحضارة التى تعتنقها . ولا ريب أن قانون الحياد يعاون فى تقريب هذه الغابة أكبر المعاونة ؛ ومن ثم كان وقعه العظيم فى أوربا ، وفى العالم ، وكان ما أثاره فى انكلترا وفرنسا ومعظم الدول المحايدة من مظاهر التأييد والارتياح.
