الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 284الرجوع إلى "الرسالة"

بعض الدكاترة الفخريين، الذين ضحوا الدكتوراه الفخرية في فرنسا هذا العام

Share

-1-

سیدى رئيس تحرير الرسالة وأستاذي العزيز ولا ينضبك من تلميذك أن يذكرك بمعهد كرت عليه الأيام ، وطواء الدهر في صفحات بدأ يعلوها الاصفرار . فكم في مثل هذه الذكريات من العذوبة ما ترق له النفس ، وتذوب حنانا ، يرسل في قسوة الحاضر سحر الماضي ، ننرضى ونبتسم ... ثم ينسينا التلهف على الماضى حسن الظن بالمستقبل . وهكذا تدفعنا دائما متاعة النفس ضد التبرم بحقائق الحاضر أن تلوذ بما تتصوره سحر الماضى، حتى ترهقنا الحقيقة وترى قلم الزمان يجر رقما جديدا

في حساب الأعمار ، قندير إليه ظهورنا وتتعلق بآمال المستقبل فاذا أنكرت من تلميذك حديث الحنان ومنطق العاطفة ، وإذا اتهمته بسوء النية في إثارة حديث الأعمار ، فهو يافع عن نفسه بأن التلميذ غير مسئول إذا استطيع حديث العاطفة - ولو لم يكن هذا فى قطرته - إذا كان أستاذه . وصاحب ذلك الأسلوب الموسيقى فى ترجمة ( آلام فرتر » و « رفائيل » ؛ وهو بعد ذلك أن يسل حسام المنطق الجاف ، منطق العقل الخالص ، يعالج به مشكلة الأعمار ويقيم الدليل على أنه لم يكن ماكراً خبيثاً

في إثارتها ، وهو الذى لا يقنع بتلك الحجة البائسة تساق للسلوة حما مضى من الشباب ، في قولهم إن مع المشيب نضوجا وحكمة، فما كانت هذه الحكمة في الغالب إلا خمودا في مجذوة الحياة ، وفرقا اعتناق تأثر الأنظار تضطرب من تحتها الأرض . لا يقنع تلميذك بهذا بل هو مصطنع لسان الطب يعالج به مشكلة الأعمار فيقول : إن ما يختلج أعضاء المرء من الحيوية لا يقاس بما مر من السنين على بزوغ هذه الحيوية . وقديما قال الفرنسيون : وما عمر

المرء إلا عمر عروقه On a l'age de ses artères وهو ما يعبر عنه بلغة البيولوجيا الحديثة ) أو قل علم الحياة حتى يرضى عنى أنصار ترجمة المصطلحات السلمية ) بأن مبالغ الطاقة الحيوية في المرء موقوف بما عليه إفراز غدده الصماء كما وكيفاً ، وبما تطيقه مجموعته الاشتراكية بالفعل وبالقوة . فاذا كانت المقاييس الحديثة لنشاط

ساتين المجموعتين قد أدت إلى تقرير مبادى جديدة في حساب الأعمار يستند إليها علم حديث يدعونه بيوتبپولوچی Biotypologie يرمی إلى تميز الشخصية الحيوية اللأفراد لتوجيههم في معترك الحياء ، بأن يدلهم على ما يصلحون له وما يطيقونه ؛ وإذا كنا نرى هذا البحث الجديد قد جعل من بعض الشيوخ شبابا ومن بعض الشباب شيوخا ، أفلا يرى مى أستاذى أن لا بأس على الشيوخ إذا كان نشاطهم شابا ، وأن يخفف الشباب من فلوائه إذا كان نشاطه متقاعدا هرما ؟

فاذا لم يرضك مني حديث للمنطق بعد حديث العاطفة، وهممت أن تجرى قلمك الأحمر على هذا اللغو تحذفه من كلمني كما تعودت أن تفعل مى قديما في كراسة الانشاء، فإني أهيب بك أن أسمح لى بالاستئناف أمام أستاذى أحمد أمين ، فاصله يكون أقل صرامة في الحكم ، وقد سمته يشير إلى تلك الظاهرة النفسية التي تدفع بالكاتب إلى الحرص على آثار قلعه والاعتزاز بها للغث منها والسمين، كما تحرص الأم وتحب فلذات كبدها، الدميم منهم والجميل

و بعد فهانذا أفى بوعد قديم فاكتب ( الرسالة ) صفحات أردت أن أشير فيها إلى بعض تيارات الفكر العلمى الحديث في الغرب ، التي تعنيها تلك المظاهر الدولية تعلن لحاملي لوائها تقدير الأوساط العلمية ، فتجيزهم جوائز فخرية مثل جائزة نوبل أو الدكتوراه الفخرية تمنحها لهم الجامعات

وقد كان منح الدكتوراه الفخرية Honoris causa هذا السلام في الجامعات الفرنسية حادثاً جللا بالنسبة لمصر ، فقد رأينا لأول مرة أديباً مصرياً يتال هذا الشرف وهو الدكتور طه حسين بك . ولست أشك أن غيرى كتب في الجرائد المصرية يبين خطر هذه المنحة . و. أن أشير إلى أن الجامعات الفرنسية ضنينة بأجازاتها فلا تمنحها لغير العلماء الدين ثبت فضلهم على العلم ؛ فلم تر إينشتين يمنح الدكتوراه الفخرية من باريس

إلا سنة ۱۹۲۹ بعد أن نال جائزة نوبل مرتين. وها نحن أولاء ترى للعلماء الذين فازوا هذا الشرف هذا العام اثنين من العلماء مما تزنت جیورجی » و « کارر » قد سبق أن فازا بجائزة نوبل الأول للطب والثانى للكيمياء لقيامهما - منفردين - أبحاث خطيرة في مسألة الفيتامين كما سأبين بعد

وليس في عربى أن أقدم إلى قراء الرسالة الدكتور طه حسين بك كما سأقدم إليهم السماء سورنسن ، وتزنت جيورجي ، وكارر من بين العلماء الذين فازوا بالدكتوراه الفخرية من فرنسا هذا العام، فإن عميد كلية الآداب ليس في حاجة إلى أن يقدم إلى صحف الأدب العربي ، كما أنه ليس فى عزى أن أتناول بهذه المناسبة مؤلفاته الأدبية بنقد أو تحليل ، فلم يكن الأدب من عمل لم أكن يوماً من الأدباء وحسبى أن أردد ما قاله ممثل الجامعة الفرنسية في عميد كلية الآداب من المقابلة بينه وبين أديبهم الفرنسي رينان، فقد قال : إن ریتان كان أديباً فذا ولكنه كان إلى ذلك مؤمناً قوى الايمان بمستقبل العلم نصيراً له ؛ وكذلك الدكتور طه في مصر فهو إلى صفاته الفنية في الأدب قد يمث فيمن حوله روحاً علمية صحيحة وأنفق من الجهد في نصرة الروح العلمية والأخذ بمنهجها ما يجعله حقيقاً أن يحتفل به الملاء قبل الأدباء . ومن أجل هذا فإنى أسجل له تحيتي هنا

العلامة سورنسن S. P. L. Sörensen

يمتاز هذا الكيميائي الدانمركي بعبقرية مبتدعة في طرائق البحث التجربي واختراع الوسائل الفنية التي يدعونها بتلك الكامة اليونانية الأصل ( تكنيك » ؛ ولعل العلماء المبرزين في هذا النوع من النشاط العلمى أقل حظاً من غيرهم في ذيوع الشهرة وجريان أسمائهم على أفواء المتعلمين ؛ ذلك لأن هذه الوسائل وما يتصل بها من الأجهزة تبقى في العادة داخل المعامل يستغلها الباحثون فى الكشف وتحقيق الفروض، فاذا ما انتهى إلى جمهور المتعلمين شيء منها فهى نتائج هذه البحوث : قانون طبيعي أو نظرية جديدة في تفسير طائفة من الظواهر تحمل اسم قائلها ولكنها غفل من اسم مخترع الوسائل التي أدت إلى هذا الكسب الجديد في ميدان المعرفة . ومع ذلك فان هذه الوسائل كثيراً ما كانت تكأة لفتوح خطيرة في العلم بل تكأة لعلم بأسره ؛ فكثير منا يعلم مثلا أن جاليليله هو أول من أقام الدليل اي صحة

نظرية كويرنيك في دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها ، ولكن كم منا يعلم أن هذا الجهاز البسيط المقرب للأبعاد المدعو تلسکوب، والذى خرج من خلاله كل محصولنا الحالي في علم الفلك بل كل هذه الثورة على جدل القرون الوسطى النظرى وتوجيه العلم نحو الملاحظة والتجريب ، كم منا يعلم أن المنظار للقرب يحمل

اسم جاليليه ؟ تم كم من لاء فى العالم الذين يستعملون كل يوم منذ أكثر من قرن ذلك الجهاز المدعو « سنتوسكوب » أى السماعة الطبية ويقيمون تشخيصهم على ما يسمعونه خلالها ، منهم يعلم أنها تحمل اسم الطبيب الفرنسي الكبير ( لينك ) مؤسس فن التشخيص السمعي ؟

اتجه نشاط سورنسن بعد بحوث في الكيمياء المعدنية محو دراسة المكون الرئيسى للمادة الحية : المواد الزلالية المسماة في الاصطلاح الدولى بروتيد ؛ بدأ باستخلاصها في حالة النقاء أى من المواد الأخرى العالقة بها مما مكنه ومكن غيره من الباحثين من دراسة خصائصها الكيميائية والفيزيقية ؛ أجرى عليها تجربة التحليل الغشائي ، أى النفاذ خلال الأغشية وهى أجسام من أصل نباتي أو حيواني ذات ثقوب دقيقة (مثل جلود الحيوانات ( لا تسمح لغير الجزئيات الدقيقة مثل جزئيات الملح الدائبة في الماء بإختراقها ، بينما الجزئيات الزلالية لا تنفذ منها . ونتيجة هذا التحليل النشائى أن الجزئيات الغريبة العالقة بالجزئيات الزلالية تنفذ خلال هذه الأغشية تاركة الجزئيات الزلالية في حالة النقاء . وهكذا تبدو لنا المحاولات المحتوية على مواد زلالية كأنها

تسلك مسلك المحاولات الغروية ( نسبة إلى الغراء ) أي تلك المحاولات التي تختلف عن المحاولات العادية - المسماة بالمحلولات البلورية مثل محلول الملح - يكبر حجم جزئياتها مما يمنعها من اختراق تلك الأغشية ، والتى تختلف عنها أيضاً بأنها لا تترك بعد تبخير السائل الدائبة فيه دقائق متبلورة بل تترك جسما يشبه الفراء ولكن هذه الحقيقة ، حقيقة وجود المواد الزلالية وبالتالي المادة الحية على الحالة الغروية تحمل نتائج غاية في الخطورة؛ ذلك أننا تعلم أن المحاولات المروية تنفرد بصفات خاصة يرجع إليها السبب نى ثبات هذه المحاولات أى بقاء الجزئيات منتشرة في السائل لا تسقط ، فاذا ماحدث اضطراب في هذه الصفات فان جزئيات المحلول الغروى تهالك بعضها على بعض أي تفقد ثباتها فينهار المحلول الفروى . ولما كانت المادة الحية توجد على الحالة الغروية فان بقاء الحياة واستمرارها يترجم عنه من الناحية الفيزيقية

بنبات الحالة الفروية ، وفناء الحياة أو اضطرابها يترجم عنه من الناحية الفيزيقية بإنهيار الحالة الفروية

أما أهم هذه الصفات التي رجع إليها ثبات الحالة الغروية فهو وجود شحنة كهربائية من نوع بعينه تحملها الجزئيات المنتشرة فتدفعها إلى التباعد بعضها عن بعض فتمنعها من الهالك . فاذا ما أدخل على المحلول الفروى جسم يحمل شحنة كهربائية مضادة لشحنته لا تلبث جزئيات المحلول الفروى أن تتجاذب مع هذا الجسم للغريب وفقاً للقانون الطبيعي الذي يقرر التجاذب بين جسم موجب وآخر سالب ، وبالتالي ينهار المحلول الغروى ؛ وهذا ما يحدث بين السموم الغرزة من الجراثيم وبين الجزئيات الزلالية في الأنسجة الحية . ومما يجدر ذكره أن تقدم الكائن الحي في السن والمحداره نحو الهرم يقابله تغير في الصفات الغروية الخاصة بأنسجته ينتج عنه تباطؤ في نشاطها ؛ وهكذا يمكننا أن نقرر دون خشية الخطأ أنه فى اليوم الذى تم لنا فيه معرفة جميع الصفات الغروية نكون قد كشفنا الغطاء عن جميع مسميات المظاهر الفسيولوجية في الصحة والمرض

ومن المسائل التي استرعت اهتمام سورنسن مسألة الوزن الجزئي للزلاليات، أى وزن أصغر جزء له نفس صفات الجسم الذى يتركب من عدد كبير من هذه الجزئيات ؛ فاستمان بالضغط الأسموزي ، أى الضغط الذى يحدثه دفع محلول على جدار غشاء إذا وجد من الناحية الأخرى من هذا النشاء محلول ذو تركيز يختلف من تركيز المحلول الأول . وبواسطة قانون ( فان تهوف ) الذي يعين العلاقة بين الضغط ودرجة الحرارة المطلقة والتركيز الجزئى يصبح من السهل استنتاج الوزن الجزئي . أدت هذه الطريقة سورنسن ثم ( أدير » إلى تقدير الوزن الجزيئي لزلال البيض : ٣٤,٠٠٠ وبضعف هذا العدد لزلال الدم . وقد حققت التجارب التي أجريت بواسطة طرق فيزيقية أخرى هذا المدد كما حققت أن المواد الزلالية المختلفة لا تختلف في وزنها الجزيئي إلا بأنها حاصل ضرب هذا العدد في أعداد صحيحة. وليس في ذلك غرابة، فتحن نعلم أن المواد الغروية تتكون من وسط منتشرة فيه دقائق مؤلف كل منها من عدد معين من الجزئيات قد يختلف من مادة غروية إلى أخرى . ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف في الوزن الجزئي فان ما يسترعى النظر حقا هو ضخامة حتى أصغر قيمة وجدت للوزن الجزيئي في الزلاليات وهي ۱۷,۰۰۰ ) يلاحظ أنها نصف

٣٤,٠٠٠ ) ؛ ذلك لأننا لا نعرف جسمها يقترب وزنه الجزئي من هذه القيمة مما يدل على شدة التعقيد في تركيب المواد الزلالية ؛ ومع ذلك فان تحليل هذه المواد إلى عناصرها الأولية لا يؤدى إلا إلى أربعة عناصر بسيطة هي الكربون والهيدروجين والأكسجين

والأزوت ، ثم في معظم الحالات أيضاً الكبريت .. إذن فالتعقيد لا يأتى من ازدحام عدد كبير من العناصر الأولية، بل من النظام الداخلي في ارتباط هذه العناصر . كيف تتركب إذن هذه المواد ؟ إذا أجرينا على المواد الزلالية تحليلا خميريا أى بواسطة الخمائر مثل خمار الأمعاء فإنها تتحل في النهاية إلى عدة أجسام بسيطة التركيب إلى حد ما، يدعونها الأحماض الأمينية أي أجسام بعينها وجود وظيفة حمضية بجانب وظيفة أمينية (وهى وظيفة قلوية تحتوى على الأزوت منتشرة في المواد المضوية) ؛ وعلى ذلك كان من السهل أن يتحد حامض أميني مع حامض أميني آخر بأن ترتبط الوظيفة الحمضية لأحدهما مع الوظيفة الأمينية للآخر، كما أنه يمكن أن يتحد هذا الجسم المزدوج الجديد مع حامض أميني ثالث بنفس الطريقة وهكذا . وقد تمكن فيشر من تركيب نحو ثمانية عشر حمضا أمينياً بعضها مع بعض فنتج لديه أجسام لها كثير من خصائص المواد الزلالية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان الأحماض الأمينية نفسها يمكن تركيبها من أجسام بسيطة . وقد كان السور نسن الفضل في دراسة وتركيب أحد هذه الأحماض الأمينية الممامة وهي الأرجينين، كما كان له فضل ابتداع طريقه التقدير الكمي للأحماض الأمينية في محلول يحتوى عليها البحث بقية

اشترك في نشرتنا البريدية