من حكم المتنبي المأثورة قوله :
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذان منه
على قدر القرائح والعلوم
ورأي المتنبي في هذين البيتين صحيح لا غبار عليه ، فالرجل المدخول العقل السقيم الفكر كثيرا ما يعيب الأقوال الصحيحة ، لأن عقله الواهن العاجز لا يمكنه من فهم مدى صحتها ومقدار حظها من الصدق والإصابة ؛ ولكن هل ضعف التفكير وعجز العقل وحسور النظر هو السبب الوحيد الذي يلقي بين الناس وبين الفهم الصحيح حجابا صفيقا ويقيم حاجزا لا يمكن تخطيه ؟ أظن أن تجارب الحياة تنفض ذلك ، فليس الفهم السقيم وحده هو الذي يجعلنا نرى الصواب خطأ والخطأ صوابا والجمال قبحا والقبح جمالا . وكثير من الناس الذين لا نشك في رجحان تفكيرهم وأصالة آرائهم قد يعيبون الأقوال التي نراها صحيحة لا لأنهم أوتوا من ناحية الفهم ، وإنما لأن أسلوبهم في فهم الأمور وطريقتهم في النظر إلي الأشياء تخالف أسلوبنا وتناقض طريقتنا ؛ وقد تتفاوت العقول في القوة والضعف كما لاحظ المتنبي بحق ، فتفهم الأمور فهما واسعا شاملا أو فهما ضيقا محدودا علي قدر نصيبها من السعة أو الضيق وحظها من العلم أو الجهل ، ولكن هذا شئ آخر غير اختلاف ألوان الأفهام وتباين أنواع القرائح الذي يجعلني أمقت تفكير فلان من الناس وأرميه بالخطأ والانحراف لأن طريقته في الفهم تختلف عن طريقتي وتناقضها .
والواقع أن عقولنا حينما تحاول فهم الأشياء تكون متأثرة بأحوالنا الجسدية وظروفنا العاطفية وأهوائنا وميولنا وعقائدنا الموروثة ونشأتنا وسائر ملابسات حياتنا ، أى أن حالتنا الصحية وحالتنا الأخلاقية لهما أثر كبير في فهمنا
للأمور ، وكثيرا ما نعرف رجالا لهم فطنة وذكاء ، ولكنهم مع ذلك لا يحسنون عملا ولا يصنعون شيئا ، لضعف في إرادتهم أو لفتور في همتهم أو لخطأ وقع في تربيتهم ، ولكن برغم مؤثرات التربية والنشأة والجسد والبنية ولون المزاج ، فإن العقول تتفاوت وأساليب الفهم تختلف وتتباين وتتعارض ، والعقول قد تختلف في النوع والصنف كما تتفاوت في القدرة والتفوق ؛ فإذا استعنا في تنسيق أنواع العقول بالنظام الأفقى والنظام الرأسي وجدنا أننا قد نضع في مستوي أفقي واحد عقلين مختلفين اختلافا شديدا ،
ولكننا نضعهما على مسافات متباعدة ، وذلك مثل عقل برجسون وعقل برتراند رسل مثلا ، وقد يكون بعض المتصوفين أقل قوة بكثير من عقل برجسون ، ولكن فيه من الشبه به والاقتراب منه ما يجيز لي أن أضعه في درجة أنزل منه في المستوي الرأسي ؛ وهكذا قد تتقارب العقول في المستوي الأفقي لأنها من نوع واحد وتتباعد في المستوي الرأسي حسب قوتها أو ضعفها .
وبعض الفروق الأفقية أو الرأسية طبيعية ، وبعضها مكتسب حادث ، وقد تخفف التربية من حدة الفروق أو تصلح منها .
وأوفى ما عرفت من تقسيم ألوان العقول وصنوف الأفهام هو التقسيم الذي وضعه العلامة النفسي الكبير يونج في كتابه المشهور عن الطرز النفسية ، فقد قسم يونج الناس إلى قسمين رئيسيين : النوع المنطوي على نفسه ، الدانم النظر في ذاته ، والنوع المنبسط الموكل بالنظر إلى العالم الخارجي ، فالمنطوي على نفسه يؤثر الانسحاب من العالم الخارجي ، لأنه يتحاماه ويخشاه ويضل في متاهاته ويشعر بما فيه من مقاومة له ، فيلوذ بعالمه الداخلي ويعتصم به ، وهو يعتقد أن فكرته عن الأشياء أصح وأصدق من الأشياء في ذاتها ؛ وهو حينما ينظر إلى الأشياء الخارجية يريدها على أن
تلأنم الصورة التى رسمها لها وتوافق الفكرة التى كونها عنها . أما النوع المنبسط فإنه يحاول أن يلائم بين نفسه وبين الأحوال الخارجية ؛ فعند المنطوي لا قيمة للمظاهر الخارجية الزائلة ، وعند المنبسط أن الأفكار إن لم تطابق الواقع فإنها خيالات لا قيمة لها ولا معني ، وهو يبذل جهده في الملأمة بين نفسه وبين الواقع ، ولذا لا يطمئن المنطوي إلى أسلوب تفكير المنبسط ، ولا يرتاح المنبسط لتفكير المنطوي وبشك فيه ويتهمه ؛ ومن ثم الخلاف الدائم بين وجهة نظر الطراز المنطوي والطراز المنبسط ؛ وهو يتمثل في عالم الفلسفة في الخلاف بين الإفلاطونيين والإرسطاطاليسيين ،
أو بين المثالين والواقعيين ؛ فهذه المعركة القائمة بينهما منذ عهد بعيد هي في الواقع الخلاف القائم بين وجهة نظر الطراز المنطوي والطراز المنبسط ؛ والمذاهب الفلسفية المتعارضة والآراء المتناقضة لم تخرج عن كونها تعبيرات عن هذين الطرازين المتعاكسين ، وكلا الطرازين له حججه وبراهينه وآياته وبيناته ، وهما يختلفان بطبيعة الحال في اختيار المقدمات ؛
ففريق يري مثلا أنه من الطبيعي المألفوف أن نفترض أن العالم الخارجي أكثر واقعيه وأصدق دلالة من عالمنا الداخلي ، والفريق الآخر يري ان الامر على نقيض ذلك ويذهب إلى أن العالم الداخلي هو الأحق بالرعاية والأولى بالتصديق . وكلاهما يرى أن وجهة نظره هي الحق وأن وجهة نظر مخالفه هي الباطل .
وهذه المعركة التي تدور رحاها في عالم الفلسفة لها نظائرها في ميادين الفن والدين والاجتماع ، ودوافعها الأصيلة هي نفس اختلاف الطرز الفعلية وتفاوتها . وقد قرأت في صدر حياتي الأدبية كتاب المفكر المعروف إدوارد كيرو عن حياة هجل وفلسفته ، كما قرأت كتاب هجل عن فلسفة التاريخ ، وقرأت ما كتبه مؤرخ الفلسفة شو جار عن فلسفة هجل ، ووقفت على رأي سترلج صاحب كتاب " سر هجل " ( ١ ) ، ومضيت بعدها في الاطلاع على الجوانب المختلفة لفلسفة هجل ، فأعجبت بها وأكبرت عقله المستوعب الدقيق وتفكيره الشامل المحيط ؛ وأتيح لي بعد ذلك
أن أقرأ ما كتبه عنه ماكس نوردار في كتابه عن " تفسير التاريخ " فإذا بنوردار يهاجمه هجوما عنيفا ويسخر به ويتهكم عليه ، ولا يكتفي بذلك بل يغمزه غمزا قاسيا ، وقد اطلعت في العام الماضي على كتاب الأستاذ بوير المسمى " المجتمع المفتوح " (1 ) فإذا به يفرد فصلا من فصول كتابه الصافية لنقد فلسفة هجل ، ولا يكتفي بذلك بل ينتقص شخصه وحياته ،
وبنعته بالوصولية وتمليق الأقوياء وأصحاب السلطان وقد جعلني ذلك أعجب من شأن هذا المفكر الكبير الذي يذهب قوم إلى أنه فيلسوف كبير ويهبط به قوم آخرون إلى مستوي الأدعياء والدجالين والسوفسطائيين والوصوليين ؛ وتفسير هذه الظاهرة في رأبي هو هذا الخلاف القديم بين رأي المنطوين على أنفسهم والمنبسطين ؟ وملاحظتي لنفسي تجعلني أميل إلى حشرها في زمرة المنطوين على أنفسهم المعتدلين ؟
ولعل هذا من أسباب إعجابي بفلسفة هجل وأمثاله من الفلاسفة المثالين . وما كس نوردار والأسناد بوير على ما يبدو لي من الطراز المبنسط ، ولذا لا تعجبهما آراء هجل ، ويريان أنه يحاول أن يفرض أفكاره على الواقع بدلا من أن يسترشد بالواقع ويحاول أن يلائم بينه وبين تفكيره .
ومن الناس من يرتاحون بطبيعتهم إلى التفسير المادي لحياتنا الداخلية ، ومنهم من ينفر من ذلك ويستنكره ؛ ومن الصعب على المثالي النزعة أن يؤمن بوجهة النظر المادية ، وكذلك يجد المادي النزعة الكثير من الحرج والضيق في الأخذ بآراء المثالين .
ولا يكتفي بونج بتقسيم الناس إلى هذين الطرازين بل يحاول أن يقسم كل طراز من هذين الطرازين إلى أربعة أقسام أخرى ، وهي الطراز المفكر والطراز الشاعري والطراز الذي يفهم الأمور بالبداهة واللقانة والطراز الحسى والطراز الفكري نقيض الطراز الذي يعول على المشاعر ، والطراز الذي يعتمد على اللقانة نقيض الطراز الذي يرجع إلى الحس . وتقسيم الناس إلى من يعولون على الفكر ومن يعولون على الشعور قد سبق إليه مفكرو القرن الثامن عشر ، فقال لورد
شسترفيلد كلمته المشهورة : " الدنيا ملهاة عند الذين يفكرون ، ومأساة للذين يشعرون "
فالمفكر المنبسط يعني بالأشياء والناس ، ويري أنه رجل عملى ، ويبدأ من الحقائق والوفائع ويعتمد عليها ويقيم بناءه فوق صخورها ، وكونه من الطراز المفكر يدل على أنه ينقض حدة الشعور ، فهو من ثم يفخر بأنه رجل لا تسيطر عليه العواطف ولا ينقاد للأهواء ، بل لعله يجد شيئا من الصعوبة في فهم هؤلاء الناس الذين ينقادون لعواطفهم ويستسلمون لأهوائهم ونزعاتهم ، وهو يعتقد أن العقلاء هم الذين يوافقونه على آرائه ويذهبون مذهبه ، وأن الحمقى السخفاء هم الذين يعارضونه ويخالفونه ، ومن ثم يحاول أن يفرض آراءه على الغير ويحاول جهده أن يحملهم حملا على الأخذ بها والإيمان بصحتها ؛ ومن أمثلة ذلك فريق من المشتغلين بالسياسة وفريق آخر من المعنيين بالمسائل العلمية .
أما المفكر المنطوي على نفسه فإنه يغلب عليه التزام الهدوء ، وقد يصل به الهدوء إلى حد الفتور والبرودة ، وهو يعني بالأفكار لا بالواقع ، وهو يبدأ بالنظرية ويستنبط منها الحقائق ، وغلبة التفكير عليه قد تنقص إنسانيته وتجعله أسير الأفكار والنظريات ، وقد تزين له الإسراف في ذلك حتى يصل به الأمر إلى حد الهوس والتعصب الأعمى ، وبعض الثائرين الطغاة من هذا الطراز مثل روبسبير وكارل ماركس ولينين .
والمنطوي على نفسه الذي تغلب عليه النزعة الشعورية يصبح بسبب انطوائه على نفسه زاهدا في الاجتماع بالناس والاقتراب منهم ، ويجد صعوبة في التعبير عن نفسه ، ويكون قوي الشعور سواء بالحب أو العداوة والبغضاء ، ويسبب له ذلك آلاما شدادا وأزمات حادة ، لأنه لا يستطيع إظهار هذه العواطف ، ويصفه الناس بالآنانية وإضمار الكراهة لهم ، وكثير من الشعراء من هذا الطراز ، فهم يكتبون على الورق ما لا يجترئون على النطق به ، وربما كان الشاعر الألماني العاطفي الهجاء هيني من هذا الطراز .
والطراز المنبسط الشعوري يكثر بوجه خاص بين النساء وأصحاب هذا الطراز واقعيون اجتماعيون مستمسكون بالتقاليد ، لا يشذون في ميولهم عن جيرانهم وأهل جيلهم .
وللمنطوي على نفسه الحسي يقدر طيبات الحياة ويتذوق أنعم العيش ، ولكن وراء ما يبدو من امتلاكه لنفسه قلق دائم واضطراب خفي ، لأن أوهامه ومخاوفه وأحلامه تلقي ظلا من الريبة على الأشياء التي يستمتع بها ويستطيبها .
والطراز الحسي المنبسط يختلف عن ذلك كل الاختلاف ، فهو تحت رحمة ظروفه المادية وبئته الواقعية ، وهو سريع الملل والتبرم ، ويتطلب على الدوام محركات ودوافع من الخارج ، ولا يثبت على خطة ولا يصبر على متابعة عمل من الأعمال ، وقد يبدو طلقا باشا جم المرح ، ولكنه قد ينقلب في طرفة عين فظا غليظا لأن نقص بداهته بجعله في كثير من المواقف عاجزا عن تقدير ظروف غيره من الناس وفهم أفكارهم ومشاعرهم ؛ كما أن عقله الباطن يوحي إليه على الدوام أن الناس محاولون استغلاله والإفادة منه ، وهو عرضة لنوبات الغرور والمغالاة بالنفس ، وقد يعزو إلى نفسه ضروبا من الحزم وبعد النظر ، وأصالة الرأي تنقصه كل النقص .
والمنطوي على نفسه من الطراز الذي تغلب عليه قوة البداهة ، هو نقيض الطراز الحسى المنبسط ، فهو لا يحفل بالحقائق الخارجية عنه ، وعالمه ذاتي خالص ، والمحتملات هي التى تستأثر بتفكيره لا الوقائع والكوائن ، وهو يحاول أن يلقي ظل نفسه على الأشياء ؛ وأصحاب هذا الطراز شديدو الاعتراز بكرامتهم ، وربما كانوا غير ثابتين في ولانهم وصداقتهم .
والمنبسط من الطراز الذي تغلب عليه قوة البداهة لا يستقر على حال ، مثل المنطوي الذي تغلب عليه قوة البداهة ، ولكن قلقه أظهر وأوضح ، فهو لا ينفك طالبا التغيير ، وكراهته للاستقرار تجعله يرحب بكل ما يقع من تبديل ويقبل على كل جديد ؛ وهو من ثم يميل إلى المقامرة والمخاطرة لان محتملات الريح والكسب ونقص التفكير المنتظم يجعلانه غير عابيء بالأخطار الكامنة وأسباب الإخفاق المنتظرة ، وهو في الحياة نهاز للفرص ، يشق طريقه في الدنيا بالعناد الذي يشبه عناد الأطفال ، والتعلق بالأمل الذي قد لا يكون له من الظروف والأحوال ما يسوغه ،
( البقية على صفحة ١٢ )
( بقية المنشور على صفحة ٨ )
وهو يحتمي بهذا العناد ويحرص عليه حينما تقف في طريقه الوقائع ويعترضه منطق الأشياء . والمنبسط من هذا الطراز هو خير مثل للاعتماد على المفاجآت وعجائب الأقدار والمصادفات .
وقد لا تجد صعوبة تذكر في إلحاق أي فرد من الناس بطراز من هذه الطرز المختلفة المتبابنة . وعند بونج أن هذه الطرز قد تتداخل وتختلط وتتمازج ، ولكن لا تتعارض ؛ فالطراز الفكري قد يأخذ بنصيب من البداهة والحسية ، ولكنه لا يأخذ بنصيب من الشعور . والطراز البديهي قد يظفر بحظ وافر من التفكير والشعور ، ولكنه لا يحظى بظ وافر من الحسية .
ويستطيع القارئ أن يتبع هذه الطرز المختلفة في مختلف الشخصيات التي يصادفها في الحياة أو التاريخ أو الأدب ؛ ولعلها تفسر لنا شيئا من أسباب الاختلاف الأصيل بين وجهات النظر المختلفة ، والآراء المتعارضة ، والمذاهب المتناقضة ، والفلسفات المتعادية . وقد يعيب الإنسان آراء غيره لا لسقم في تفكيره ولا لعجز في رأيه ، وإنما بسبب اختلاف البناء النفسي ولون العقلية ونوع القريحة

