قد يكون الحديث في الزهد اليوم ضربا من " النشاز " (١) في عالم غمرته نغمة المادية والأنانية ، وطني عليه الجشع والتهم ، وحطمت فيه المبادئ الأخلاقية والحقوق الانسانية من أجل أطماع الفرد وحب عظمة الفرد . ولكنه " نشاز " حبيب إلي بعض النفوس ، عظيم وقعه من قلوب بعض الناس ومن اسماعهم ، بل هو أعذب عند تلك القلوب وتلك الإسماع من نغمة المادية والأنانية المقونة ، على الرغم مما قد يبدو فيها من انسجام والتلاف ، وعلى الرغم من أن الذين يستمعون إليها ويطربون لها ويتعبدون بها هم الكثرة الساحقة من بني الانسان ! وهل يصير ذلك
الصوت النائز - صوت الزهد - أن يكون الذين يطربون به القلة من الناس ، وأن تكون الكثرة منهم من الذين يطربون للنغمة الأخري ؟ وهل يضيرهم أن يكونوا وحدهم على حق ، وأن يكون غيرهم على ضلال ؟ أو أن يكونوا وحدهم الذين أدركوا القيمة الحقيقية لهذا العالم ، وحقارة الأطماع الانسانية ، في الوقت الذي أله فيه غيرهم العالم وأنه الإنسان وأطماعه ؟ إن تلك النغمة الناشزة الشاذة لهي لحن السماء أو لحن القلب الزاهد الذي تتفتح له أبواب السماء ؛ وإن نغمة المادية والأنانية لهي لحن الشيطان أو لحن القلب الذي استهواء واستعبده الشيطان .
وما يضير الانسان اليوم ، وقد هبط بنفسه إلي أسفل الدرك الخلقي ، واتخلصت من قلبه عواطف المحبة والإحسان والإيثار ، أن يلتفت لحظة إلى وراثه لعله يري بصيصا من ذلك النور الالهي الذي حمل م مشكاته الأنبياء في كل العصور ثم الذين حذوا حذوهم وساروا سيرتهم ونشروا تعالميهم ؟ ليس العالم اليوم في حاجة إلي رسالة جديدة أو نبي جديد ، ولكنه في حاجة إلى التذكير بالرسالة الانسانية الكبرى التي حملها الأنبياء جميعا ، ثم ورثتهم من الصالحين والزهاد من بعدهم .
تحدثت إلي قراء الثقافة الغراء في بعض أعدادها السابقة عن التصوف ومنزلته من الحياة الروحية في الاسلام . وتكلمت عن الصوفي ما هو ، وعن الصفات التي يجب أن يكون عليها ، وعن موقفه من نفسه ومن ربه ومن الناس . واليوم أعرض لصورة خاصة من أروع صور
التصوف_ أو بالأحري من أروع صور الزهد - في الإسلام ، كما تتمثل تلك الصورة في حياة وآداب طائفة من الصوفية يعرفون بالملامتية أو بالملامية علي حد قول بعضهم . ظهرت طائفة الملامتية في القرن الثالث الهجري في ابتداء العصر الذهي من عصور التصوف الإسلامي بمدينة نيسابور بخرلسان - وخراسان مهد الفرق والإختلافات الدينية والمذهبية الغربية منذ دخول الاسلام إليها - وكان على رأسها الشيخ أبو صالح حمدون بن أحمد ابن عمارة المعروف بحمدون القصار المتوفي سنة ٢٧١ ه . ومن أجلة مشايخها أبو حفص عمر بن سالم الحداد المتوفي سنة ٢٧٠ ه ، وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري المتوفي سنة ٢٩٨ ه . ولم يكن لهؤلاء القوم طريقة منظمة محدودة المعالم كما كان للطرق الصوفية التي ظهرت في العصور الإسلامية المتأخرة ، ولكنهم كانوا جماعة من الزهاد - أشبه بجماعة " إخوان الصفا " في نظامهم - ثاروا علي بعض تقاليد الصوفية التي كانت تتنافي في نظرهم مع صفات الكاملين من الرجال ، وعلي ما تفشي في عهدهم - على قرية من عهد الرسول عليه السلام - من شرور واثام ، وفساد في الطبع ، وضعف وتراخ في المعاملة مع الله وجعلوا الغاية من حياتهم - كما يشهد بذلك اسمهم - تأديب النفس بملامتها واتهامها في كل ما يصدر عنها من قول أو فكر أو عمل ، قصدا إلي إصلاحها وتقويم معوجها ، وتحريرها من قيود عبوديتها وهي قيود الشهوات والأطماع ، وقد سموا ملامتية من أجل هذا ، وتحقيقا في أنفسهم لذلك المعنى النبيل الذي يشير إليه القرآن في قسيم الله بالنفس اللوامة المحاسبة العاتبة المراقبة لصاحبها في كل حركاته وسكناته ؛ أو لأنهم - كما يقول بعض النقاد - راقبوا الله وحده في أعمالهم وخواطر قلوبهم ، فأخلصوا له العمل والنية فيه ، ولم يعبأوا بظواهر الأعمال ، ولا بما قد يجرء
خروجهم على بعض الأحكام ( في الظاهر) من لوم الناس وتأنيبهم ، بل ربما تعمدوا ذلك الخروج استجلابا لذلك اللوم والتأنيب وقهرا للنفس وتحقيرا لها . ولكن لندع الآن اسم هذه الطائفة واختلاف الكتاب في أمره ، ولتنظر قليلا في أخص صفات مذهبهم في الزهد ، وتعالميهم التي امتازوا بها من غيرهم ، وكان لهم بفضلها اثر بالغ تجاوز موطنهم الأصلي (خراسان) إلي غيره من الاقطار الاسلامية ، وظل يلعب دورا هاما في هذه الأقطار- لا سيما الشرقية منها - إلي عهد قريب .
للزهد ناحيتان : ناحية عملية يظهر أثرها في أعمال الزهد الظاهرة المتصلة - علي حد قولهم - بأعمال الجوارح ، أو المتصلة بأسلوب الحياة الروحية الخاصة التي يختارها الزاهد لنفسه أو التي يطالبه الشرع بها ، من مأكل ومشرب وملبس ، أو صلاة وصوم وحج ، أوتهجد وقيام بالليل ونحو ذلك . والناحية الثانية هي الناحية النفسية أو الباطنية المتصلة بأحكام القلوب وأعمالها من محاسبة للنفس ومراقبة لها ورعاية لله وحقوقه في كل ما يصدر عن النفس من قول أو عمل أو يخطر بالقلب من خاطر . وقد ظهرت هذه التفرقة في الزهد الإسلامي أول ما ظهر ، بل قد وضعت - منذ العصور الإسلامية الأولى - حدا فاصلا بين الفقهاء والمتصوفة من جهة ، وبين مدرستين من مدارس التصوف الإسلامي : هما مدرسنا العراق والشام ، من جهة أخري . وفي هذا المعنى يقول روئيم البغدادي المتوفي سنة ٣٠٣ : " كل الخلق قعدوا مع الرسوم "(أي أحكام الشرع الظاهرة ) وقعدت هذه الطائفة( الصوفية) مع الحقائق ؛ وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع ، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق ".وبهذا المعنى أيضا يفرق بعض رجال الصوفية بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة : أهل الظاهر وأهل الباطن . والصوفية
بالرغم من إجماعهم على التمسك بالشريعة الاسلامية واتباع أوا امر الدين واعتبارهم ذلك ركنا أساسيا من أركان التصوف ، مختلفون فيما هو المقصود بالشريعة على وجه التحقيق ؛ فبعضهم يفهم الشريعة بمعناها الظاهري من أنها جملة أوامر ونواه تتصل بالعبادات والمعاملات والاعتقادات ؛ وهؤلاء يعتبرون اتباع الرسول والقيام بشعائر الدين على نحو ما قام بها الرسول شرطا أساسيا في طريقتهم ؛ وبعضهم يقوم بشعائر الدين ، ولكنه يعتبرها صورا ورموزا لمعان روحية أعمق في النفس وأبعد أثرا . وطائفة ثالثة وهم الملامتية لا يقيمون لظاهر الأعمال الشرعية وزنا ، إذ الشريعة عندهم هي المعاملة الخالصة الصادقة مع الله ؛ بل ربما عمد بعضهم إلي فعل ما يتنافي في الظاهر مع الشرع - ولا يتنافي في الحقيقة مع روحه - استجلابا للوم الناس وتعذيرهم ويخما للنفس وتأديبا ؛ وأكثر ما يدفعهم إلي ذلك القرار من الشهرة والرغبة في الابتعاد بالنفس عن مواطن الرياء ؛ حتى إن أحدهم ليمر بالأذي فما يمنعه من رفعه عن الطريق إلا مخافة الشهرة ، وإن أحدهم لتأتيه الدمعة فيصرفها إلي الضحك مخافة الرياء . ومن أمثلة أعمالهم التي يستجلب ظاهرها اللوم والتعذير ، ما روي من أن أبا عثمان الحيري طلب يوما مالا لينفقه في بعض الثغور ، فتأخر عنه ، فضاق صدره وبكي على رؤوس الناس ، فأتاه أبو عمرو إسماعيل بن تجيد السلمي (وكان آخر من مات من الملامتية من أتباع أبي عثمان) بعد العتمة بكيس فيه ألفا درهم ، ففرح أبو عثمان ودعا له . ولما جلس في مجلسه نوء بعمل أبي عمرو وقال : " أيها الناس ، إن أبا عمرو قد تاب عن الجماعة في ذلك الأمر ، وحمل كذا وكذا ، فجزاء الله خيرا " ، فقام أبو عمرو - وقد شعر أن صدقته قد ظهرت للناس - وقال ردوا إلي المال ، فقد أخذته خطأ من مال أمي ، ولابد من رده عليها ، فأخرج إليه الكيس وتفرق الناس ،
فلما جاء الليل ذهب إلي أبي عثمان وأعطاه المال وقال اجعله في ذلك الوجه من حيث لا يعلم الناس .
كانت حياة الزهد الحقة عند الملامتية هي حياة الروح لا الحياة المتمشية مع ظاهر الشرع ، أو هي صدق المعاملة مع الله والاخلاص له وحده ، لا المعاملة مع الناس ؛ فلما حاولوا الوصول إلى هذه الغاية الشاقة العسيرة وجدوا النفس وأطماعها أكبر عائق اعترض سبيلهم ، وأكتف حجاب وقف بينهم وبين ربهم ؛ فأعملوا معاولهم في هدم ذلك العائق وتمزيق ذلك الحجاب ، وكانت معاولهم في ذلك أساليبهم في لوم النفس وعتابها وتأنيبها وتعريفها قدرها وإيقافها عند حدها ؛ إذ طريق النفس في نظرهم طريق الأسر والعبودية والتعاسة والشقاوة في الدنيا والآخرة ؛ والتخلص من النفس طريق الحرية والسعادة في الدارين . وفي هذا الجهاد الطويل العنيف ينحصر مذهب الملامتية ، وفيه أيضا تنعكس تلك الصورة الخاصة من صور الزهد الاسلامي التي هي موضوع هذه الكلمة . ويتلخص مذهبهم في النفس فيما وصفها به بعضهم بأنها " كف من عجب في قالب ظلمة ، وكف من جهل في قالب وعونة ، وأن دواءها الاعراض عنها ، وتأديبها مخالفتها ، وصيانتها ملامتها " وفي قول آخر : " حسن الظن بالله غاية المعرفة بالله ، وسوء الظن بالنفس أصل المعرفة بها " . فأصل الآفات كلها هي النفس وهي مصدر الأثام والآلام والشرور . ولكن آفة آفات النفس عندهم والدليل علي فقرها وقفرها هو " الرياء". ولذلك كان لهم في الرياء كلام لا يدانيهم فيه غيرهم ، وحوله تجتمع أصول مذهبهم . ولما كان الاخلاص في نظرهم هو الخلو من الرياء - إذ الاخلاص ليس صفة ايجابية وإنما هو حال تتحقق في النفس عند انعدام الرياء - كان أول واجب على الملامتي أن يمحو من صفحة النفس كل أثر من آثار الرياء ، وهي كثيرة متنوعة ، جلية أحيانا دقيقة خفية
أحيانا أخري . فمن الرياء الجلي الظهور بين الناس بملبسي خاص ، كلباس الصوفية من العباءة أو الخرفة أو ماشا كلهما ، أو اعتزال الناس والانقطاع عن الكسب ، أو الجلوس إلي الناس في مجالس الوعظ ، أو التزين بشيء من العبادات ، أو التباهي بالكرامات أو بأحوال الوجد والسكر والجذية ، وغير ذلك من الأعمال التي تورث الشهرة وتم عن حب الظهور . ولذلك حرم الشيوخ الملامتية على مريديهم كل مظهر من هذه المظاهر . ومن الرياء الخقي أن ينظر ملامتي إلي عمله فيمجب به أو يري فيه أثرا لنفسه لا يكون فضلا ومنة من الله . وكل عمل تقع عليه رؤية العبد باطل ، بل إن وقوع الرؤية عليه دليل الغفلة ودليل عدم قبوله ، فالواجب على الملامتي ألا يري عمله ، بل يري العجز والتقصير في أدائه . ولقد يبالغ بعضهم فيري أن النظر في العبادات والأعمال وتعظيمها ضرب من الشرك ، لأنها تقلب العابد صعبودا إذ العظم لعمله يشرك في حق الله بتعظيمه عملا غير عمل الله .
ومن خفي الرياء عندهم أن يجد العابد لذة العبادة والطاعة في نفسه ، لأن من استحلى شيئا واستلذه عظم ذلك الشئ عنده ، وتعظيم عمل النفس رياء ؛لذلك كان أخلص الأعمال والأحوال عندهم ما اعتقد صاحبه أنه مما أجراء الله على العبد من غير أن يكون له فيه إرادة ؛ وليس علي العبد إلا الاقتداء وترك الاختيار . ومن هنا كانت الطاعة في نظرهم من مرض النفس ، لأن الطاعة تقتضي الاختيار ؛ ودواء ذلك المرض الاناية إلى الله والتسليم بمسبوق فضائه ، بحيث لا يكون للعبد في عمله قليل أو كثير . وقد أدي بهم منطقهم لا إلي إسقاط الأعمال فحسب ، بل إلي إسقاط الثواب على الأعمال أيضا . فأقل الناس معرفة بربه هو الذي يظن أن فعله أو طاعته تستجلب عطاء من الله أو ثوابا ؛ بل المعرفة الحقة هي العلم بأن كل ما يرد من الله من نعم الدنيا وثواب الآخرة إنما هو فضل من الله من غير استحقاق من العبد .
وقد كان الملامتية والمتقدمون من الصوفية يرون أن من صفات العبودية الحقة لله ألا يكون العبد في أعماله وأحواله التى بينه وبين الله كالأحرار ، لأن من عادة الحر طلب الأجر . وانتظار العوض على ما يعمل ، وليس ذلك من شيعة العبيد ؛ فإذا طمع العبد في شئ من ذلك فقد ترك سمة العبيد . وقد غلط بعض القوم فظن أن الحرية أعلي مقاما من العبودية ، قياسا على أن الأحرار أعلى مرتبة في أحوال الدنيا من العبيد ، فذهبوا إلي أن العبد ما دام بينه وبين الله تعبد فهو مسمى باسم العبودية ، فإذا وصل إلي الله صار حرا وسقطت منه العبودية وتكاليفها . والحقيقة أن العبد لا يكون عبدا حقا إلا إذا كان قلبه حرا من جميع ما سوى الله : فهذه هي الحرية الخالصة ، ولكنها العبودية المحضة أيضا .
على هذه البادي قام مذهب اللامتية ، وبروحها استرشدوا فيما يقولون وما يعملون ، بل وفيما يخطر بقلوبهم ويختلج ضمائرهم من خواطر ونزعات ؛ ولا شك أنهم ومن على شاكلتهم قد ضربوا لنا مثلا أعلى - وإن كان فيه شئ من المبالغة أحيانا - لما يجب أن يكون عليه إنكار الذات ، كما ضربوا بالغرور والرياء والعجب والإدعاء الانساني عرض الحائط . ولكن من مجب الأمور وسخرية القضاء أن تكون الطبيعة الإنسانية التي تستسلم للدعاوي والغرور ورعونات النفس الآخرى ,حتى تدعي الالوهية في شخص فرعون ونمروذ ، أو شبه الألوهية في شخص هتلر والحاكمين بأمرهم من رجال هذا الزمان ، هي هي الطبيعة الإنسانية التي تذهب إلي أقصى حدود التواضع , وتنادي بسحق الأنانية وتلاشيها ، في أشخاص رجال الملامتية ومن حذا حذوهم ؛ ما أحوجنا إلي قطرات من ذلك التواضع وإنكار الذات والاخلاص لله ولمثلنا العليا في القول والعمل والنية ، تلقى في بحرنا الزاخر بالعجب والرياء والأنانية ! .

