قد يستغرب القاريء هذا العنوان . وقد لا يصدق ان الحب مما ينقصنا في هذه الحياة ، ومما يقلل من نشاطنا ، ويقعد بنا عن اللحاق بالأمم الاخري في ميدان الكفاح البشري ! وغريب حقا - ونحن نستنقد طاقتنا الحيوية في الحب - أن نكون بعيدين جدا عن دنيا هذا الحب ، جاهلين بأثره أو خطره في خلق الحياة والأمم .
ولكن كيف ينقصنا الحب ، وكل فرد فينا يحب ، ويستنفد طاقته الحيوية في الحب ؟ كل فرد فينا يجب هذه هي الحقيقة ، الحقيقة الواضحة الملموسة ، تلمسها في منازلنا ومجتمعاتنا ، في مدارسنا وشوارعنا ، في ادبنا وأغانينا ، في كل شأن من شئون حياتنا ومظهر من مظاهرها . . ثم في مثلنا الاعلي في الحياة .
الرجل الحي المثقف ، والمرأة الحية المثقفة ، كلاهما يحب ، بل كلاهما يسعى إلى هذا الحب ، ويستقبله على انه هبة السماء ، على انه بدء المرحلة التي تتبلور فيها شخصيته ، وتتفتح مواهبه ، ويتحدد هدفه ، ويصبح قوة سعيدة عاملة .
الرجل الحي المثقف ، والمرأة الحية المثقفة ، كلاهما يحب على هذا النمط ، وكلاهما يسير في سبيل الحب سيرا طبيعيا ، وكلاهما يفهم الحب على أنه ضرب من التجلي يحبو الله من يشاء من عباده .
فالرجل الحي المثقف يتخذه علامة على التوفيق ، وعلى ان الله اراد به خيرا لنفسه وغيره ، وعلى انه اراد ان يبعث فيه إنسانا آخر يدين بالمبادئ الإنسانية السامية ، وينشط للعمل بحرارة وشوق ؛ يتحلى بالحميد من الخلال ، ويعمل على إسعاد نفسه ، وكل من يتصل بهم . فهو متفائل واثق بالستقبل ، معتز بالرجولة ، مؤمن بقيمة العمل يرى أشواك الحياة على نور الحب ورودا وأزهارا .
وهو يتخذه سمة على مضاعفة الجد والاجتهاد ، وحافزا على مواصلة السعي والكفاح ، وعلى النظرة إلي الحياة
بمنظار الجد والاعتبار . . واخيرا يتخذه حلما لذيدا ينعم به في سويعات راحته وخلوته ، وظلا وارفا رطبا ينئ إليه كلما أجهده الجولان في صحراء الحياة .
كذلك يفهم الرجل الحي المثقف الحب ، فهو يحبه ، ويتفاءل به ، ويفتح ذراعيه لاحتضانه ؛ يجد في جحيمه تطهيرا ، وفي حرمانه اسمي مبادئ القناعة والرضا ، وفي تصحياته خير وسيلة للتخلص من الذاتية أو الأثرة : الممقوتة . فالحب لا يدخل في عالمه إعصارا جائحا مخزيا ، وإنما يدخل رقيقا عطرا كنسائم الربيع !
والمرأة الحية المثقفة كالرجل الحي المثقف تحتفل بمقدم الحب ، وتقيم له في أعماقها فرحا شعريا ؛ فهو ينضر لها الدنيا ، ويجمل أمامها الحياة ، ويلقي على نفسها ظلالا من الحبور والبهجة ، ويشيع في عالمها طربا روحيا عميقا . هي لا تفهم الحب جنونا عارما ، وصبوة سافرة ، وجموحا يزري بالتقاليد ، ومكابد تكاد ، واحابيل تمد للطارقين او العاشقين . وهي لا تفهمه ثيابا تصف ما تحتها او بهرجة كاذبة مزيفة ؛ أو افتتانا في اساليب الغواية والاصطياد ؛ او إدارة للنزعات الحسية ) وإنما هي تفهم الحب صورة انظف وأطهر من تلك الصورة تفهمه على أنه إرهاص بانبثاق فجر الأمل ، ويشير بإقبال السعادة والدنو من البيت ، البيت الذي خلقت واعدت له ، البيت الذي تشعر فيه بالاستقلال ، وتحشد له مواهبها وتجاربها ، ثم تسكن فيه إلي الزوج والأبناء . البيت الذي يلازمها ويماشيها ، ويعانق احلامها ، ولا يكاد يفارق تفكيرها
ذلك هو الحب في دنيا المثقفين . دنيا المحبين الصادقين ، لا دنيا الممثلين الكاذبين ! يفهمونه على هذا الوضع الصحيح ، ويتخذون حتي من آلامه دوافع تربي فيهم قوة الاحتمال والمقاومة ، وتهذب من غرائزهم الجامحة ، وتقوي من عزائمهم الخائرة ، وتنمي فيهم عناصر الشخصية الممتازة ، ثم يخلق منهم في النهاية ذواتا إنسانية تخط في سجل الحياة أروع الصفحات
أما الحب عندنا أو في دنيانا فنكبة اي والله نكبة مضحكة ! فكل فرد منا لا يهدأ له نوم ، ولا يهدأ
له بال إلا إذا أحب . فإذا أحب كان ذلك نكبة ووبالا عليه ، وكان من لوازم او بركات ذلك الحب ان يقعد عن كل عمل ، وكل شأن له في الحياة ، وان يهمل حتى في مستقبله ، ويصبح ولا شئ يعنيه في الدنيا أكثر من أن ينال التفات حبيبته بحسن هندامه ، وجمال طلعته
وتصفيف شعره ، وسحر نظراته ، وتفاهة عقله ، وسخافة أحاديثة ، ومظاهر ترفه وغناه يجري الزمن في هذا العصر كما نري ، والمغنون عندنا لا يزالون مختلفين في حبهم وتصويره ، فهم ما فتئوا يحبون ذلك الحب المتبدل الرخيص ، ويموتون او يسممون نفوس الشباب المتطلعة بهذه الشحنات الخبيثة من العواطف الريضه . تسمع غناءهم فلا تكاد تحس في نفسك طربا او نشوة ، او طموحا وتطلعا ، أو توثبا وانطلاقا من مادية الجسم ، وإنما حماداك منه نحيب مصطنع ، وغثاء يثير النفس ويؤذي الشعور .
فالحب عندهم غدر وخيانة ، وضنى وعذاب ، ولؤم ومكر ، وهجر وخصام ، وسهر ودموع ، ورقيب وعذول ودماء تراق ، وجراح تطلع في جميع الجوارح والأعضاء وليس من الجائر أو الممكن ان يفهموا الحب او يعرفوه شيئا غير هذا ، في الوقت الذي تثقفت فيه المرأة المصرية ، وظهرت في المجتمعات ، وخرجت تنافس الرجال في ميادين الأعمال ، وأصبح من السهل مقابلتها ومرافقتها في كل مكان ، دون عذول او رقيب ؟ . . لو كان المغنون او من يكتبون لهم هذه الأغاني مثقفين محبين حقا ، لحدثونا عن
الحب الصحيح ، عن مختلف أحواله وأطواره . عما يجدون فيه من إخصاب في الروح ، وفسحة في الشعور ، وتفجر في النشاط ، وتفاؤل بالمستقبل ، وتعلق بالحياة يدل ان يضايقوننا بالغناء الباكي ، والمعاني المخنثة ، والعواطف المشوشة ، مما يفضحهم ، ويبين نقصهم في فهم الحب ، ومدى رسالته . . والشعراء عندنا . فيم يستنفدون طاقتهم الشعرية ؟ يستنفدها المجيدون منهم في الحب ولو لم يعرفوه أو يقابلوه أجل ، يعيشون في حلم مديد من الحب . لا عمل لهم في الحياة أكثر من أن يأكلوا ويحبوا ، وحسب الحياة منهم ذلك . وليتهم بفهمون من الحب ما يفهم الحي المثقف فيفيدوا ويستفيدوا ؛ وإنما قصاراهم ان يتباكوا ، وان يسمعونا كل شعر ناضب جامد . وتلك رسالتهم ! والرجل العادي ماذا يدري من الحب
ويعرف عنه ؟ إنه لا يعرف منه إلا الجانب المادي ؛ جانب المتعة الرخيصة . أما الإقبال عليه على انه جزء مكمل لحياته ، مجمل لها ، فهذا ما لا يقوي على فهمه أو يقدر عليه
والمرأة المصرية بماذا تقيس الحب ؟ إنها تقيسه بالأطوال ، تقيسه بمقايبس الجمال والمال والجاه والشهرة ، غير مكترثة بالتجاوب في الحب والانسجام فيه . وهكذا يفهم الحب سائر الطبقات . من أجل ذلك كنا ناقصين في الحب ؛ جاهلين بخطره واثره . ومن أجل ذلك تتفكك الاواصر التي ينبغى ان تكون بيننا ، لانعدام الحب العام الذي يقوي تلك الاواصر . ومن أجل ذلك يتعطل الحب في مجتمعنا ،
فلا يكاد يؤدي وظيفة أو عملا ومن أجل ذلك يغلب علينا الجمود وترين الكآبة ، وتسود البطالة ، ويقل النشاط ، وتستحيل حياتنا ضربا من الموت أو الموت ضربا منها ! وسوف نظل هكذا ، حتى تتبدل نظرتنا ، وتستقيم فطرتنا ، ويصح شعورنا ، ويقوي إيماننا بالحياة . .
وبعد ، فلتحب الحب الذي يقدمنا لا يؤخرنا ، ويحيينا لا يميتنا ، ويسعدنا لا يشقينا . . الحب الذي يهب كل شئ ولا ينتظر أي شئ . الحب الذي يتفاعل مع نقص الحياة فيحدث كمالا ، ومع أوجاعها وأحزائها فيصنع مسرات وأفراحا ، ومع شركها وكفرها فينتج وحدانية وإيمانا ذلك هو الحب . . الجيب الذي ينقصنا في حياة ينقصنا فيها الكثير

